صراع صامت داخل الائتلاف الحاكم في اليابان

اقتصاد

تبنت الحكومة اليابانية خطة لمنح لكل شخص مقيم في اليابان 100 ألف ين لمواجهة تداعيات وآثار جائحة فيروس كورونا الجديد، متخلية عن اقتراحها الأصلي بتوزيع محدود بقيمة 300 ألف ين للأسر التي انخفضت دخولها بسبب الأزمة. كان وراء التغيير الموقف المتشدد غير المسبوق الذي تبناه حزب كوميتو، شريك الائتلاف الحاكم بزعامة الحزب الليبرالي الديمقراطي. قد تنذر هذه الخطوة بتحول في ميزان قوة التحالف.

تحول مفاجئ في سياسة الإعانات

أعلن رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي مساء يوم 16 أبريل/ نيسان، في مقر إقامته الرسمي عن توسيع حالة الطوارئ على الصعيد الوطني والتي كانت قد أعلنت في 7 أبريل/ نيسان في 7 محافظات على أساس قانون الإجراءات الخاصة. وواصل رئيس الوزراء في إعلانه شرح إجراء اقتصادي طارئ جديد مصاحب للإعلان: دفع 100 ألف ين لكل مقيم في اليابان لمواجهة آثار تفشي فيروس كورونا.

ومع ذلك، اختلفت فكرة توزيع 100 ألف ين لكل شخص في الدولة عن قرار مجلس الوزراء الذي اتخذ بالفعل في 7 أبريل/ نيسان لتوفير مدفوعات نقدية بقيمة 300 ألف ين على أساس أكثر محدودية للأسر التي انخفض دخلها بسبب فيروس كورونا الجديد وما تسبب فيه من تداعيات اقتصادية أثرت في حياة الناس في اليابان والعالم على حد سواء. وقد وصلت خطة الميزانية التكميلية لتنفيذ ذلك التدبير بالفعل إلى مرحلتها النهائية

ما الذي دفع الحكومة إلى تحويل تركيزها من "الأسر ذات الدخل المتناقص" إلى "كل مقيم في اليابان" للحصول على الإعانات النقدية التي تشكل محور إجراءاتها الاقتصادية الطارئة؟ الجواب يكمن وراء الكواليس، في صراع على السلطة اندلع بين الحزب الليبرالي الديمقراطي وشريكه في الائتلاف الحاكم حزب كوميتو، مع الأدوار القيادية التي لعبها رئيس الوزراء آبي، الأمين العام للحزب الليبرالي الديمقراطي نيكاي توشيهيرو، رئيس مجلس أبحاث سياسة الحزب الليبرالي الديمقراطي كيشيدا فوميو، و زعيم كوميتو ياماغوتشي ناتسو.

رئيس الحزب الليبرالي الديمقراطي شينزو آبي (يسار) وزعيم حزب كوميتو ياماغوتشي ناتسو.
رئيس الحزب الليبرالي الديمقراطي شينزو آبي (يسار) وزعيم حزب كوميتو ياماغوتشي ناتسو.

إعلان مفاجئ يفتح أبواب الصراع

بدأ كل شيء مساء يوم 14 أبريل/ نيسان، قبل يومين من إعلان رئيس الوزراء عن منحة الـ 100 ألف ين. في مؤتمر صحفي طارئ عقده، طرح نيكاي من الحزب الليبرالي الديمقراطي الاقتراح التالي:

"هناك دعوات يائسة لدفع مبلغ نقدي قدره 100 ألف ين لكل شخص مقيم في اليابان كإجراء اقتصادي عاجل. أريد أن يفي الحزب الليبرالي الديمقراطي بمسؤوليته من خلال تنفيذ هذا الإجراء في أسرع وقت ممكن".

كان هذا تغييرًا مفاجئًا في خطة الحكومة، مضيفًا دفعة قدرها 100 ألف ين لكل مقيم بالإضافة إلى دفعة بقيمة 300 للأسر المحتاجة. شرح نيكاي السياسة حسب الحاجة "لتحقيق الراحة للشعب" في وجه الضربة القوية التي تلقاها الاقتصاد الياباني وتمويل الأسر بسبب جائحة فيروس كورونا الجديد.

أشار مصدر حكومي إلى أن خلفية التحول كانت "الإحباط بين السياسيين الشباب من الحزب الليبرالي الديمقراطي بسبب سياسة الدفع البالغة 300 ألف ين. كما شعر البعض داخل الحكومة أنه سيكون من الأسهل والأسرع الذهاب بدفع موحد ". ولاحظ مسؤول في الحزب الليبرالي الديمقراطي أن السياسة الجديدة "ستعزز أيضًا وجود الحزب".

لكن البعض يعتقد أن بيان نيكاي صدر قبل أن يوافق الجميع على الخطة. قال البعض داخل الحزب الليبرالي الديمقراطي أنهم لم يسمعوا حتى بالفكرة من قبل، وأعربوا عن مخاوفهم بشأن اقتراح توزيع نقدي إضافي قبل الانتهاء من الميزانية التكميلية. حتى المسؤولون في مكتب رئيس الوزراء المكلفين بالسياسة الاقتصادية قالوا إنهم علموا أولاً بالاقتراح من خلال المؤتمر الصحفي لنيكاي. يبدو أن هذا القرار كان من صنع نيكاي من تلقاء نفسه.

الأمين العام للحزب الليبرالي الديمقراطي نيكاي توشيهيرو.
الأمين العام للحزب الليبرالي الديمقراطي نيكاي توشيهيرو.

غضب حزب كوميتو

صدم الإعلان أعضاء الشريك الصغير في الائتلاف الحاكم. في مارس/ آذار، اقترح حزب كوميتو بالفعل فكرة توزيع 100 ألف ين لكل مقيم في اليابان استجابة للضيق الاقتصادي الناجم عن الوباء. لكن انتهى الأمر بالحكومة إلى الإعلان عن دفع 300 ألف ين للأسر التي تواجه انخفاضًا في الدخل، وذلك عقب اجتماع عُقد في 3 أبريل/ نيسان بين كيشيدا، رئيس مجلس أبحاث السياسات القوي في الحزب الليبرالي الديمقراطي ورئيس الوزراء.

شعر بعض المراقبين أن آبي كان يهيئ المشهد جيدًا لكيشيدا، الذي يعتبر خليفة محتملًا لرئاسة الوزراء، بقراره زيادة الإعانة إلى 300 ألف ين وسط تقارير إعلامية في صباح نفس اليوم حول مدفوعات محدودة بقيمة 200 ألف ين لكل أسرة مؤهلة.

كيشيدا فوميو، رئيس مجلس أبحاث السياسات في الحزب الليبرالي الديمقراطي.
كيشيدا فوميو، رئيس مجلس أبحاث السياسات في الحزب الليبرالي الديمقراطي.

في غضون ذلك، كان هناك قلق داخل حزب كوميتو، الذي تم رفض اقتراحه الخاص. اعترض أعضاؤها على سياسة الحزب الليبرالي الديمقراطي لأسباب منها صعوبة وضع معايير للإعانات والشعور بأن الإجراء لم يلب توقعات الشعب. علاوة على ذلك، اعترضت قيادة حزب كوميتو على أن وضعهم "خارج دائرة الضوء"، تم استبعادهم تمامًا من عملية صنع القرار، وكان يرد لهؤلاء القادة شكاوى حول عدم تواجد الحزب.

في الوقت الذي كانت فيه قيادة حزب كوميتو تتحرك بطريقة أو بأخرى، لجعل الحزب يدعم الإعانات المحدودة التي تبلغ 300 ألف ين كشريك في الائتلاف الحاكم، طرح نيكاي فكرة دفع 100 ألف ين لكل شخص.

بما أن حزب كوميتو قد اقترح نفس السياسة في وقت سابق وتم الاعتراض عليها، هبت رياح الإحباط داخل الحزب فجأة. في نظر أعضاء الحزب، بدا أن الحزب الليبرالي الديمقراطي كان يحاول أن ينسب الفضل إلى نفسه في طرح فكرة كان اعترض عليها وأحبطها في وقت سابق. من أجل تهدئة عدم الرضا داخل صفوفه، شعر حزب كوميتو بالحاجة إلى ممارسة الضغط من تلقاء نفسه من أجل تنفيذ فكرة توزيع إعانات نقدية بمبلغ 100 ألف ين على الفور.

ياماغوتشي يضغط على آبي

في صباح يوم 15 أبريل/ نيسان، في اليوم التالي للمؤتمر الصحفي لنيكاي، هرع زعيم حزب كوميتو ياماغوتشي إلى مقر رئاسة الوزراء لعقد مؤتمر مع رئيس الوزراء. وعقب المناقشة، أعلن ياماغوتشي أنه ضغط على آبي لتنفيذ فكرة صرف إعانات موحدة بقيمة 100 ألف ين، مضيفًا أن على الحكومة "أن ترسل رسالة تشجيع وتضامن إلى الشعب".

ورداً على ذلك، أعرب رئيس الوزراء آبي عن تفاهم معين، قائلاً إنه سيتم النظر في مثل هذه الخطوة. من جانبه، أكد ياماغوتشي أنه "ضغط على رئيس الوزراء لاتخاذ القرار" وخرج من الاجتماع "على أساس أن الاقتراح قُبل بشكل إيجابي".

بالإضافة إلى ذلك، فيما يتعلق بالتعليقات التي أدلى بها نيكاي في مؤتمره الصحفي، قال ياماغوتشي إنه "لم يسمع النوايا التي كان يفكر بها نيكاي في إبداء ملاحظاته"، وذكر فيما يتعلق باقتراح الدفع أن "كوميتو قد قدم طلبا مستقلا لرئيس الوزراء اليوم". بهذه الطريقة، أكد ياماغوتشي أن حزب كوميتو كان يقدم اقتراحه الخاص الذي لا علاقة له بتعليقات نيكاي.

شبح انقسام التحالف

وعقب المحادثات، عُقد اجتماع طارئ في مبنى البرلمان مع الأمناء العامين ورؤساء مجلس أبحاث السياسات في الحزب الليبرالي الديمقراطي وحزب كوميتو. وهذا يعني أن نيكاي وكيشيدا من الحزب الليبرالي الديمقراطي كانا حاضرين. وكانت الموضوعات المدرجة على جدول الأعمال هي توقيت دفع الإعانة الموحد بقيمة 100 ألف ين وشروط إعانة الـ 300 ألف ين للأسر ذات الدخل المنخفض.

شدد حزب كوميتو على الحاجة إلى إجراء سريع، وأصر على إلى إلغاء إعانة الـ 300 ألف ين للأسر ذات الدحل المنخفض وتنفيذ بسرعة خطة صرف الإعانة الموحدة بقيمة 100 ألف ين لكل فرد، وجادل بأنه يجب إعادة ترتيب اقتراح الميزانية الإضافية. ورداً على ذلك، أصر الحزب الليبرالي الديمقراطي على أنه لا يمكن التخلي عن مدفوعات بقيمة 300 ألف ين للأسر ذات الدخل المنخفض التي يدعمها كيشيدا. اقترح الشريك الكبير في الائتلاف أنه يمكن تنفيذ خطة توزيع إعانة الـ 100 ألف ين لكل فرد كإجراء إضافي بعد مدفوعات الأسرة. وبعبارة أخرى، على الرغم من أن الحزب الليبرالي الديمقراطي لم يرفض المدفوعات الفردية، فقد أراد تحديد أولويات المساعدة للأسر ذات الدخل المنخفض التي تم الاتفاق عليها بالفعل.

مع تعارض الطرفين، استمرت المحادثات بشكل متقطع لأكثر من أربع ساعات. عندما انتهى الاجتماع، خرج قادة حزب كوميتو من الغرفة بسرعة، في حين لم يكن هناك أي علامة على قيادة الحزب الليبرالي الديمقراطي. وبدأ بعض المتابعين، انطلاقا من المشهد، يتذمرون بسبب انقسام الائتلاف الحاكم، ظهر كيشيدا أمام الصحفيين وأدلى بالبيان التالي:

"بما أنه لم يتم التوصل إلى نتيجة من خلال المناقشات، فسوف نستمر في التحضير للميزانية التكميلية. هذا كل شيء لهذا اليوم."

على الرغم من أن تعليقاته تشير إلى أن المحادثات ستستمر، فإن حقيقة استمرار محادثات الميزانية تشير ضمناً إلى أن الحزب الليبرالي الديمقراطي كان ينوي متابعة فكرته الأصلية المتمثلة في استهداف الأسر للحصول على المدفوعات، بدلاً من الرد على اقتراح شريكه في الائتلاف الحاكم حزب كوميتو، وأعرب بعض مسؤولي الحزب الليبرالي الديمقراطي عن الارتياح بأن كيشيدا تمكن بطريقة ما من الحفاظ على موقف الحزب. لكن الحزب الليبرالي الديمقراطي قد استهان بقوة وعزم كوميتو.

مراجعة الميزانية التكميلية

بحلول اليوم التالي، 16 أبريل/ نيسان، تغير الوضع تمامًا - مرة أخرى تحت قوة وتأثير ياماغوتشي. واتصل برئيس الوزراء آبي للإصرار على وجوب اتخاذ قرار سياسي. نقل ياماغوتشي تصميمه القوي، قائلاً لرئيس الوزراء أنه ما لم يتم تنفيذ خطة الـ 100 ين على الفور، فلن يتمكن حزبه من دعم الميزانية التكميلية. بالنسبة لـحزب كوميتو، باعتباره أحد الأحزاب الحاكمة، فإن حجب دعم الميزانية كان سيهز التحالف من الأساس. ورداً على ذلك، قال آبي إنه سينظر في الاقتراح وشرع في عقد سلسلة من الاجتماعات في مقر مجلس الوزراء، والتشاور أولاً مع وزير المالية آسو تارو، ثم مع نيكاي وكيشيدا وآخرين.

كان آسو يعارض بشدة فكرة كوميتو، مشيراً - من تجربته الخاصة كرئيس للوزراء، عندما وزعت الحكومة إعانات موحدة  استجابة للأزمة المالية لعام 2008 - إلى أن "الأموال ذهبت إلى مدخرات الناس ولم تكن لها فائدة اقتصادية تذكر". لكن آسو قال إنه سيقبل ميزانية تكميلية معدلة إذا كان هذا هو قرار الحزب.

تحدث نيكاي وكيشيدا مع الصحفيين بعد اجتماعهما مع آبي. وأدلى كيشيدا، الذي كانت تعابير وجهه صارمة، بالبيان الموجز التالي: "أمرنا رئيس الوزراء بمواصلة العمل للتوصل إلى اتفاق".

بعد ذلك بوقت قصير، أصدر رئيس الوزراء تعليمات "بإعادة ترتيب الميزانية التكميلية" لاستيعاب إعانة الـ 100 ين. في ذلك المساء، أبلغ ياماغوتشي أن المدفوعات ستتم دون "قيود على الدخل"، وهو ما يمثل لحظة لرئيس الوزراء لعكس قراره والاستسلام تمامًا لمطلب كوميتو.

الخلاف في لحظة حرجة

تقدمت هذه المعركة الشرسة داخل الائتلاف الحاكم بشأن المدفوعات النقدية، التي أثارها تعليق أدلى به الأمين العام للحزب الليبرالي الديمقراطي، على طول الطريق إلى أن أصدر زعيم حزب الكوميتو طلبًا أجبر رئيس الوزراء على التراجع. قال أحد مسؤولي الحزب الليبرالي الديمقراطي، وهو يراجع شريط الأحداث غير المعتاد، إن اصرار حزب كوميتو في دفع 100 ألف ين لكل مواطن ينقل الشعور بأنهم على استعداد لتحقيق تهديدهم.

قال أحد المراقبين بحسرة إنه "من المؤسف أن يتجادل الناس من نفس الجانب في وقت صعب مثل هذا". لقد استحوذت الإدارة الحالية على مقاليد السلطة وتمسكت بقوة بسياستها منذ أن أصبح آبي رئيسًا للوزراء (للمرة الثانية) في عام 2012. ولكن الآن يبدو أن ميزان القوى داخل الائتلاف الحاكم يمكن أن يتغير.

مع مواجهة اليابان للأزمة غير المسبوقة التي تفرضها جائحة فيروس كورونا الجديد، يتساءل البعض عما إذا كان التعامل في الغرف المغلفة التي أدت في نهاية المطاف إلى قرار بشأن توزيع إعانات موحدة كان في مصلحة الشعب حقًا. سيتعين على الأحزاب الحاكمة أن توضح بشكل أوضح الأساس المنطقي وراء دفع 100 ألف ين لكل مقيم لتبديد الفكرة القائلة بأن القرار ربما كان له علاقة بالسياسة أكثر من خطة استراتيجية لمعالجة تداعيات الأزمة.

(النص الأصلي باللغة اليابانية على موقع برايم أونلاين الإلكتروني لـ FNN بتاريخ 21 أبريل/ نيسان 2020. بقلم القسم السياسي لتلفزيون فوجي. تمت الترجمة والتحرير بواسطة Nippon.com)

https://www.fnn.jp

[كل الحقوق محفوظة لشبكة فوجي الإخبارية]

شينزو آبي اقتصاد الحكومة اليابانية أخبار فوجي