هل تتخلص اليابان من ثقافة "الختم الشخصي" في عصر الكورونا ؟

لايف ستايل

على الرغم من عدم وجود بند في القانون المدني الياباني ينص على ضرورة استخدام الأختام في المعاملات الرسمية وإبرام العقود، إلا أن استخدام هذه الأختام أصبح عرفا سائدا في اليابان خصوصاً في المعاملات التجارية. ومما لا شك فيه أن مثل هذه التعقيدات تقف حائلاً أمام عملية تحديث أسلوب العمل البلاد. فهل يمكن لليابان مواكبة التوجه العالمي الذي يهدف إلى إلغاء التعامل بالعقود الورقية والاعتماد على العقود الرقمية بشكل كامل.

دفع تفشي وباء فيروس كورونا في اليابان إلى تغيير جذري في أنماط الحياة والإجراءات الحكومية والتجارية، كما كشف عن بعض القضايا التي تم تجاهلها لفترة طويلة، مثل تمركز الأعمال التجارية في طوكيو بشكل مفرط، والغموض في صنع القرار السياسي، والتأخر في الانتقال إلى الأنظمة الرقمية، وقلة استخدام تكنولوجيا المعلومات في التعليم.

سألنا مجموعة من الخبراء حول ارتباط اليابان بالأوراق و ثقافة الهانكو أو الأختام الشخصية مما أعاق جهود الحكومة للحد من الحركة الناس بنسبة 80٪، وهل ستدفع الأزمة الحالية هذه الثقافة إلى الانزواء وتبشر بعصر العقود الإلكترونية في اليابان؟

مراكز رعاية الأطفال تعاني بسبب الهانكو

يقول كومازاكي هيروكي المدير العام لمؤسسة فلورنس "مؤسسة غير ربحية تهدف إلى دعم رعاية الأطفال في اليابان" أن مراكز رعاية الأطفال التي تعاني بالفعل بسبب جائحة كورونا، تواجه أيضاً المزيد من المعوقات بسبب ثقافة الهانكو. اليابانية التقليدية.

ويضيف إنه منذ إعلان حالة الطوارئ في اليابان اضطرت العديد من المراكز إلى تعليق أو تقليص ساعات العمل، كما اتخذت العديد منها تدابير شاملة للوقاية من العدوى، ولا سيما للأطفال الذين يعمل آباؤهم في المجال الطبي. وكانت الحكومة اليابانية قد دعت إلى تشجيع 70٪ من القوى العاملة على العمل من المنزل. وهو ما حاولنا تطبيقه في فلورنس.

ومع ذلك يجد كومازاكي عقبة رئيسية أمام العمل عن بعد "نحن بحاجة إلى المصادقة يدويًا بختم الشركة على جميع المستندات التي نقدمها إلى السلطات المحلية، لذلك يتعين علينا الذهاب إلى المكتب كل يوم تقريبا".

علاوة على ذلك يجب على المنظمة تقديم العديد من الوثائق الرسمية في كل خطوة إدارية. فعلى سبيل المثال، يتطلب تغيير وضعية دعم تربية الطفل تقديم 5 استمارات لحكومة طوكيو، بالإضافة إلى ما يصل إلى 12 نموذجا منفصلا للسلطات المحلية.

  يجب على موظفي فلورنس الذهاب إلى العمل للتصديق على الوثائق.
يجب على موظفي فلورنس الذهاب إلى العمل للتصديق على الوثائق.

يستكمل كومازاكي حديثه قائلاً  "أن موظفينا يشعرون بالإرهاق كل يوم وهم يكافحون من أجل إتمام واجبهم في ظل تفشي جائحة كورونا، لكنهم ما زالوا بحاجة إلى الذهاب إلى المكتب معرضين أنفسهم لخطر العدوى فقط من أجل الحصول على ختم" ويعتقد كومازاكي أن السلطات يجب أن تعجل بالإصلاحات الإجرائية للقضاء على الحاجة إلى الأختام، أو قبول التوقيعات والأختام الرقمية كبديل.

المكاتب الحكومية مكتظة بالأوراق والأختام

شيراكاوا توكو الأستاذة الزائرة بجامعة ساغامي للبنات "خبيرة في أساليب إصلاح منظومة العمل" هي أيضاً تنتقد الوضع الحالي حيث يضطر الموظفون للذهاب إلى مكاتبهم فقط من أجل الحصول على بعض الأختام.

شيراكاوا توكو.
شيراكاوا توكو.

"لا يوجد مكان مليء بالأورق والأختام أكثر من المكاتب الحكومية. يقال إن كسوميغاسكي (مركز البيروقراطية اليابانية في طوكيو) هي العائق الرئيسي لإصلاح نظام العمل في اليابان، فمهما حاول القطاع الخاص إصلاح أسلوب عمله فإنه في النهاية مقيد بالممارسات البيروقراطية الحكومية. من المؤكد أنه سيكون من الأفضل الحد من مخاطر انتشار الوباء بشكل أكبر ومراعاة أولئك الذين يتعين عليهم كتابة المستندات الورقية وختمها وكذلك موظفي التسليم".

وفقا لشيراكاوا، غيرت بعض الشركات المملوكة للأجانب سياساتها بعد إعلان حالة الطوارئ، وتسمح الآن للموظفين بإخراج ختم الشركة من المكتب لاستخدامه خارج الشركة.

"أدخلت بعض الشركات أنظمة العمل عن بعد استعدادًا لدورة الألعاب الأولمبية والبارالمبية التي كان من المزمع عقدها في صيف 2020 وتم تأجيلها إلى العام التالي بسبب جائحة كورونا. لكن الحاجة إلى العمل عن بعد نشأت في وقت أبكر مما كان متوقعًا ومعظم هذه الشركات لم تجرى تجارب مناسبة لفترة طويلة. في الخارج يسير العمل عن بعد بسلاسة لأن معدل تطبيق هذا النظام كان أعلى بالفعل من اليابان. في هونغ كونغ على سبيل المثال أصبح العمل عن بعد مطبقاً خلال المظاهرات المناهضة للحكومة عندما كان التنقل صعبًا. دول آسيوية أخرى لديها خبرة من خلال تعاملها مع وباء السارس في السابق. لكن في اليابان وعلى الرغم من وجود نظام العمل عن بعد من قبل إلا أن الشركات افتقرت إلى الخبرة في التطبيق".

ثقافة الأختام تعطل القدرة الإنتاجية لليابان

يمكن أن توفر التوقيعات الرقمية التكنولوجيا اللازمة للتخلص من الاعتماد على الأوراق والأختام.

تمتلك Cloudsign وهي شركة متخصصة في تكنولوجيا التوقيع الرقمي 80٪ من السوق اليابانية. تاتشيبانا دايتشي مدير شركة Bengo4.com للاستشارات القانونية ومدير قسم الأعمال بشركة Cloudsign حدثنا قائلاً "تم تأسيس شركة Cloudsign في أكتوبر/ تشرين الأول 2015. وكان الدافع وراء تأسيس هذه الشركة هو عملي كمحامي في العديد من القضايا التي لها صلة بإبرام العقود. بعض هذه القضايا استغرقت شهرا من المفاوضات، وبعد التوصل إلى اتفاق، استغرق الأمر شهرًا إضافيًا فقط لتبادل المستندات ووضع الختم المطلوب. إن القضاء على الأختام العادية من شأنه تسريع حركة التجارة بشكل كبير، وبالتالي يحسن القدرة التنافسية والإنتاجية للصناعة اليابانية. أسسنا Cloudsign بهدف المساهمة في تحقيق التنمية المجتمعية".

حاليًا هناك حوالي 65 ألف شركة تستخدم هذه الخدمة، المثير للدهشة أن الغالبية العظمى منها شركات صغيرة أو متوسطة الحجم، على الرغم من أن الغالبية العظمى من العقود هي من نصيب الشركات الكبيرة.

"بعد أربع سنوات ومع التقدم الكبير في خدمة التوقيعات الرقمية القائمة على تكنولوجيا آي كلاود iCloud، تقوم المزيد من الشركات الكبرى بالتسجيل في الخدمة، لكن الشركات التي لا تزال تعتمد بشكل كبير على الفاكس مثل شركات العقارات وشركات الإنشاء مازالت متخلفة عن الركب".

تاتشيبانا دايتشي مدير شركة Bengo4.com للاستشارات القانونية ومدير قسم الأعمال بشركة Cloudsign.
تاتشيبانا دايتشي مدير شركة Bengo4.com للاستشارات القانونية ومدير قسم الأعمال بشركة Cloudsign.

القانون المدني لا يشترط استخدام الأختام

"من الناحية القانونية لا توجد كلمة هانكو ”ختم“ على الإطلاق في القانون المدني، ولا يوجد أي بند ينص على ضرورة استخدام الأختام لإبرام العقود. فالقانون لا يقف حاجزاً على الإطلاق أمام التخلص من ثقافة الهانكو، ولا يوجد سوى عدد قليل جداً من القوانين التي تلزم استخدام الأختام مثل التزامات التسليم المكتوبة في اتفاقيات الوساطة في مبيعات العقارات، بل إن القوانين تخفف من لوائح العقود الإلكترونية كل عام. على سبيل المثال في عام 2019 تم رفع الحظر على الإخطار الإلكتروني فيما يتعلق بظروف العمل عند إبرام عقد التوظيف".

فلماذا إذا التمسك باستخدام الأختام؟ يعقب تاتشيبانا قائلاً "لو أن هناك شركة ما ألغت نظام الأختام فقد تفقد أعمالها إذا لم يوافق شركائها التجاريين على قبول هذا النظام الجديد. هناك حوالي 4 ملايين شركة في اليابان ولكن نظرًا لأن 3.9 مليون شركة منها لا تزال تستخدم الأختام، فإن الشركات التي تعتمد نظام Cloudsign لن تستطيع استخدام هذه الخدمة على نطاق واسع. من الناحية الهيكلية لن ينتشر استخدام العقود الرقمية بالشكل الكافي إلا إذا تغير المجتمع ككل".

هل تستطيع اليابان اللحاق بركب العقود الرقمية

في الغرب أصبحت العقود الرقمية تحظى بشعبية متزايدة.

تعمل شركة DocuSign الأمريكية في 180 دولة ولديها 560 ألف عميل من الشركات وتبلغ إيرادتها حوالي 1 مليار دولار . ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال كلمة Docusign والتي تعني التوقيع الإلكتروني تحولت إلى مصطلح متعارف عليه في نصوص العقود، تماما مثل Xerox والتي تعني نسخة من العقد.

يقول دوي واتارو أحد مؤسسي شركة DocuSign Japan  ومدير التسويق الحالي، أنه عندما تم تأسيس الشركة في اليابان كانت الولايات المتحدة تقدس العقود والأختام بشكل أكبر مما عليه اليابان اليوم.

"عندما تأسست الشركة في عام 2003 كانت الولايات المتحدة أكثر اعتمادًا على العقود الورقية من اليابان، حيث تضمنت الصفقات العقارية عقودًا ورقية طويلة، وكان على الأطراف كتابة أسمائهم وعناوينهم وتوقيعاتهم يدويًا على كل صفحة، إلى أن جاء توم غونثر مؤسس الشركة وشكك في جدوى هذه الممارسات، وفكر في إمكانية وجود نظام بدون ورق أين يمكن استخدام جهاز محمول يمكنه أخذ التوقيعات دون الحاجة إلا اية أوراق. الأن أصبحت التوقيعات الرقمية مقبولة على نطاق واسع في الولايات المتحدة. حتى في قطاع العقارات فقد أصبح الكثير من المشترين والبائعين يزدرون العقود الورقية، حتى أننا أصبحنا نجد الوكلاء الذين يتخلفون عن ركب الرقمنة هم الذين يقابلون بالرفض".

توقيعات رقمية باستخدام DocuSign.
توقيعات رقمية باستخدام DocuSign.

مستقبل العقود الرقمية في اليابان

توسعت DocuSign في أوروبا قبل ست سنوات من الآن، إلى آن أطلقت خدمتها باللغة اليابانية في عام 2017. يتذكر دوي ما حدث وقتها قائلاً "في عام 2014 بدأنا دراسة السوق الياباني، وعندما زار فريق إداري من الشركة اليابان لأول مرة لاحظوا أن العديد من الشركات مازالت تعتمد على العقود الورقية والفاكسات بشكل كامل وهو ما أثار دهشتهم، لكن ذلك كان يعني لهم أيضا أن اليابان سوقا واعدة لهذا النوع من الخدمات. لقد استطاعت اليابان أن تحقق إنتاجية عالية في الصناعات التحويلية بما في ذلك طبعاً صناعة السيارات، ولكن لا يزال أمامها الطريق طويلا من أجل تحسين الأعمال الإدارية".

إذاً هل حدث أي تغيير في ثقافة الهانكو على مدى السنوات القليلة الماضية؟

"لقد تغير القانون الياباني بشكل كبير وهو ما ساعد على زيادة الإقبال على العقود الإلكترونية إلى حد ما، خاصةً في الآونة الأخيرة أصبحنا نستقبل الكثير من الاستفسارات بسبب تفشي فيروس كورونا. فالعديد من الشركات الصغيرة والناشئة أصبحت تستخدم الأختام الرقمية، وحتى على مستوى الشركات الكبيرة لدينا Mitsui & Co على سبيل المثال وهي إحدى كبريات الشركات التجارية في اليابان بدأت هي الأخرى في استخدام هذه التكنولوجيا. يقول المدير التنفيذي للمركز الرئيسي للشركة في الولايات المتحدة أن حصتنا في السوق العالمية لا تزال 4٪ فقط، ولكن هذا يشمل سوق العقود بالكامل بما في ذلك العقود الورقية. لا يزال هناك الكثير من اليابانيين يفضلون استخدام الأوراق على التكنولوجيا الرقمية، لذلك أعتقد أنه لا يزال هناك مجال كبير للتوسع في استخدام العقود الإلكترونية في اليابان".

عقد بتوقيع رقمي.
عقد بتوقيع رقمي.

التغييرات التي طرأت بسبب كورونا يجب أن تستمر 

سلط فيروس كورونا الضوء على كيفية عرقلة ثقافة الورق والأختام للكفاءة الإنتاجية في اليابان، ووصل الأمر حتى لتعريض حياة الناس للخطر. ولكن إلى متى ستستمر هذه الممارسات؟ يعتقد تاتشيبانا أن التغييرات التي تم إجراؤها أثناء الوباء ستستمر بعد ذلك. "مع عدم قدرة الأشخاص على التنقل وإرغامهم على العيش محصورين في منازلهم، اضطرت الشركات إلى زيادة الرقمنة واللجوء إلى الأختام الرقمية، وحتى بعد انحسار الأزمة أشك أن الأختام ستقوم لها قائمة من جديد، على العكس أعتقد أن التغييرات التي حدثت أثناء تفشي الوباء ستتوسع أكثر فيما بعد".

من المتوقع أن تستمر هذه الإصلاحات حتى بعد أزمة كورونا.

(نُشر النص الأصلي باللغة اليابانية على موقع برايم أون لاين في 27 أبريل 2020. بقلم محلل الأخبار في تلفزيون فوجي السيد سوزوكي ماكوتو. الترجمة من الإنكليزية)

https://www.fnn.jp

[كل الحقوق محفوظة لشبكة فوجي الإخبارية]

الاقتصاد الشركات اليابانية الحكومة اليابانية أخبار فوجي الشركات