من اللعب إلى بناء المستقبل.. كيف تعيد الشراكة المصرية اليابانية صياغة الطفولة المبكرة في مصر؟
أخبار اليابان
التعليم الياباني- English
- 日本語
- 简体字
- 繁體字
- Français
- Español
- العربية
- Русский
خلال زيارتها إلى اليابان، تحدثت المهندسة مارجريت صاروفيم، نائبة وزير التضامن الاجتماعي، في مقابلة مع Nippon.com عن نتائج هذا التعاون، الذي بدأ بتجربة محدودة في 50 دار حضانة فقط، ثم توسع تدريجيًا ليشمل اليوم 500 حضانة في 9 محافظات مصرية. كما كشفت عن خطط المرحلة المقبلة لتوسيع نطاق المشروع وتحويله إلى نموذج وطني مستدام للارتقاء بجودة الرعاية والتعليم في مرحلة الطفولة المبكرة.
وأكدت صاروفيم أن الشراكة مع الجانب الياباني لا تقوم على تنفيذ مشروع مؤقت، بل تهدف إلى بناء منظومة طويلة الأمد تعتمد على نقل المعرفة وتبادل الخبرات وتطوير الكوادر المحلية، بما يضمن استمرار أثر المشروع حتى بعد انتهاء مراحل التعاون المباشر.
سر التميز الياباني: التعلم من خلال اللعب
وعن سبب اختيار التجربة اليابانية تحديدًا لتطوير الحضانات المصرية، أوضحت صاروفيم أن العنصر الأساسي يتمثل في الفلسفة التربوية التي ينطلق منها النموذج الياباني، وعلى رأسها مبدأ «التعلم من خلال اللعب».
وأشارت إلى أن اللعب غالبًا ما يُنظر إليه في بعض المجتمعات باعتباره وسيلة للترفيه أو قضاء الوقت، بينما يراه النموذج الياباني أداة تعليمية منظمة تساعد الطفل على اكتساب مهارات التفكير والتواصل وحل المشكلات.
وأضافت أن هذه الفلسفة تبتعد عن أساليب التلقين التقليدية، وتجعل الحضانة بيئة تشجع الطفل على الاكتشاف والتجربة. فمن خلال الأنشطة الجماعية، يتعلم الطفل كيفية التعامل مع الآخرين، وكيفية مواجهة التحديات، وحتى كيفية ارتكاب الأخطاء والتعلم منها دون خوف.
وبحسب صاروفيم، أظهرت نتائج التقييم المقارن الذي أجرته الوزارة بالتعاون مع جهات دولية متخصصة وجود فروق ملموسة في مستوى الاستعداد للتعلم وتنمية الشخصية التفاعلية لدى الأطفال المشاركين في البرنامج مقارنة بغيرهم.
صناعة الكوادر البشرية ونقل الخبرات
لا يرتبط نجاح أي تجربة لتطوير الطفولة المبكرة بالمناهج والأساليب التعليمية فقط، بل يعتمد بدرجة كبيرة على الأشخاص الذين يطبقونها يوميًا مع الأطفال. ومن هنا يأتي الدور المحوري لتدريب «الميسِّرات» (المربيات المسؤولات عن تسهيل تعلم الأطفال ورعايتهم)، باعتبارهن العنصر الأساسي في تحويل الفلسفة التربوية إلى ممارسة فعلية داخل الحضانات.
وأشادت صاروفيم بالدعم الفني الذي تقدمه جايكا، موضحة أن الجانب الياباني أبدى مرونة وخبرة كبيرة في مجال التدريب، وأن المشروع يعتمد على منظومة متكاملة لبناء القدرات المحلية وليس مجرد نقل أساليب جاهزة.
وتبدأ هذه المنظومة بإعداد مدربين محليين من خلال برامج تدريبية مكثفة تمتد من 10 إلى 12 يومًا، بهدف تكوين كوادر قادرة على نقل المعرفة إلى نطاق أوسع. ويتولى هؤلاء المدربون لاحقًا تدريب الميسِّرات في المحافظات المختلفة، بواقع نحو 100 إلى 110 ميسِّرات في المحافظة الواحدة، مع استمرار المتابعة والتوجيه لضمان جودة التطبيق والحفاظ على مستوى الأداء.

برنامج تدريب المدربين الموجه إلى محافظات صعيد مصر في فبراير 2026 (صورة مقدمة من وزارة التضامن الاجتماعي المصرية)
ولم تقتصر عملية بناء القدرات على التدريب داخل مصر، بل امتدت إلى تنظيم زيارات ميدانية تعليمية إلى اليابان. وأوضحت صاروفيم أن الوزارة تحرص على إيفاد عدد من كوادرها لقضاء شهر كامل في اليابان، للاطلاع عن قرب على أنظمة رعاية الأطفال، وزيارة الحضانات اليابانية، والتعرف على أساليب الإدارة والتنفيذ.
وترى أن هذه التجربة لا تقتصر على اكتساب مهارات جديدة، بل تسهم في تغيير رؤية المشاركين لدورهم المهني، مشيرة إلى تطلع الوزارة مستقبلًا إلى توسيع نطاق هذه الزيارات لتشمل مسؤولين على المستوى المحلي، بما يعزز قدرتهم على المتابعة وتطوير الخدمات المقدمة للأطفال.
التعلم من النموذج الياباني
وخلال زيارتها الأولى إلى اليابان، أعربت صاروفيم عن إعجابها بما لمسته من تنظيم في الحياة اليومية، وما يتميز به المجتمع الياباني من التزام واحترام للقواعد.
وأوضحت أن الزيارة الحالية ترتكز على محورين رئيسيين. يتمثل الأول في التعرف على التجربة اليابانية في مجال تنمية الطفولة المبكرة ورعاية الأطفال، من خلال الزيارات الميدانية والاطلاع على آليات التنفيذ، بهدف الاستفادة من الممارسات الناجحة وتكييفها بما يتناسب مع السياق المصري.

أثناء تفقد صاروفيم مركز أطفال جامعة أوتشانوميزو بمدينة طوكيو (الصورة مقدمة من وزارة التضامن الاجتماعي)
أما المحور الثاني، فيتعلق بمجال رعاية كبار السن، حيث تسعى الوزارة إلى التعرف على تجربة اليابان في مفهوم «الشيخوخة الصحية النشطة»، والخدمات التي تساعد كبار السن على مواصلة حياتهم داخل مجتمعاتهم المحلية والاستفادة من الدعم المتاح دون الاعتماد الكامل على دور الرعاية التقليدية.

اثناء تفقد صاروفيم والوفد المرافق لها مركز ”BLG Shinagawa للرعاية المجتمعية المتكاملة بمدينة طوكيو.(الصورة مقدمة من وزارة التضامن الاجتماعي)
وأكدت صاروفيم أن الاهتمام بالطفولة المبكرة يمثل في الوقت نفسه استثمارًا في مستقبل المجتمع، موضحة أن بناء مجتمع قادر على مواجهة تحديات الشيخوخة يبدأ من تنشئة أجيال تتمتع بالمهارات والقدرة على التفاعل مع محيطها.
وأضافت أن رؤية وزارة التضامن الاجتماعي تقوم على أن الطفل لا ينفصل عن البيئة المحيطة به، ولذلك يجمع المشروع بين الرعاية داخل الحضانة والصحة والتغذية والتربية الإيجابية، مع التركيز على دور الأسرة باعتبارها شريكًا أساسيًا في العملية التربوية.
وفي خطوة تواكب التطورات الحديثة في أساليب التواصل، أوضحت صاروفيم أن المشروع ابتعد عن الاعتماد على الندوات والمحاضرات التقليدية، واتجه إلى استخدام منصات التواصل الاجتماعي من خلال إنتاج مقاطع فيديو قصيرة وتفاعلية تنقل رسائل تربوية إيجابية، تركز على أهمية الاستماع إلى الطفل وتشجيعه وتقبّل الاختلاف. وأضافت أن هذا النهج حقق انتشارًا وتأثيرًا مجتمعيًا واسعًا، متجاوزًا ما تحققه الوسائل التقليدية من وصول وتفاعل.
خارطة المستقبل: نحو أفق وطني وإقليمي
تستعد وزارة التضامن الاجتماعي المصرية لمرحلة جديدة من تطوير خدمات الطفولة المبكرة، مستندة إلى أول حصر وطني شامل ودقيق لدور الحضانة في مصر، والذي استغرق إعداده خمسة أشهر. وقد وفر هذا المسح قاعدة بيانات تساعد على التخطيط وفقًا للاحتياجات الفعلية، بدلًا من الاعتماد على التقديرات العامة.
وبناءً على نتائج هذا الحصر، تعمل الوزارة حاليًا على إعداد مبادرة وطنية لدعم وتطوير الحضانات، تهدف إلى وضع إطار أكثر تنظيمًا يضمن تحسين جودة الخدمات وتوسيع نطاق الاستفادة من التجربة.
ومع استمرار المشروع الحالي حتى الربع الثالث من عام 2027، أوضحت صاروفيم أن الوزارة تتطلع، بالتعاون مع جايكا، إلى اعتماد الميسِّرات ووضع منظومة مؤسسية مستدامة تتيح تعميم الخبرات المكتسبة من النموذج الياباني على مختلف المحافظات المصرية.
وأكدت أن الهدف النهائي يتمثل في «ربط سلسلة التعلم»، بحيث ينتقل الطفل الذي تلقى رعاية وتعليمًا في حضانات تعتمد مبادئ التوكاتسو، وهو نهج تربوي ياباني يركز على تنمية شخصية الطفل ومهاراته الاجتماعية إلى جانب التعلم، بسلاسة إلى المدارس المصرية اليابانية، دون فجوات تربوية أو معرفية قد تؤثر على مساره التعليمي.
وأشارت صاروفيم إلى أن هذه الشراكة تمثل «فرصة ذهبية» في ظل توافر الإرادة السياسية، والتخطيط القائم على البيانات، والدعم الفني والخبرات اليابانية المتراكمة. وأضافت أن طموح مصر لا يقتصر على تطوير تجربة محلية فحسب، بل يمتد إلى بناء نموذج تنموي متكامل يمكن الاستفادة منه على نطاق أوسع.
وترى أن هذا النموذج قد يصبح تجربة إقليمية رائدة تسهم مستقبلًا في دعم دول القارة الإفريقية في مجالي الطفولة المبكرة ورعاية كبار السن، من خلال تقديم خبرة تجمع بين الرعاية والتعليم وبناء المجتمعات الأكثر قدرة على مواجهة تحديات المستقبل.
وبينما تواصل مصر واليابان تطوير هذه الشراكة، تبدو الرسالة الأساسية واضحة: الاستثمار في السنوات الأولى من حياة الطفل ليس مجرد تحسين لخدمات الحضانة، بل خطوة استراتيجية لبناء مجتمع أكثر استعدادًا للمستقبل.
(أُجريت المقابلة في طوكيو يوم 22 يونيو/حزيران 2026. إعداد وكتابة: مروة عدلي، قسم اللغة العربية في Nippon.com. صورة العنوان الرئيسي: نائبة وزيرة التضامن الاجتماعي مارجريت صاروفيم خلال مقابلة صحفية، 22 يونيو/ حزيران 2026، سفارة جمهورية مصر العربية في حي ميغورو بالعاصمة طوكيو، © هاناي توموكو)