من قلب مصر إلى قمة اليابان: رحلة أسامة إبراهيم أول طبيب عربي يحصل على شهادة مزاولة الطب في اليابان

مجتمع صحة وطب

هل حقاً النجاح مجرد ضربة حظ؟ أم أنه ثمرة جهدٍ دؤوب وكفاحٍ مستمر؟ في عالمٍ يكثر فيه الحديث عن مصادفات النجاح وقلّما يركز على الجهد المتواصل، تأتي قصة شاب عربي لتعيد تعريف مفهوم النجاح. من أرض الكنانة، تلك البقعة التي شهدت ولادة الحضارات، إلى قلب اليابان، حيث تنبض الحياة بحركة الساموراي والتقاليد العريقة، نروي اليوم قصة شاب قرر أن يسلك طريقاً غير مألوف لتحقيق حلمه. في هذا الحوار، نستعرض رحلة هذا الشاب الذي تحدى الصعاب، وانتصر بالإرادة، ليصبح طبيب عيون بارعاً في مستشفى جامعة طوكيو العريقة. تابعونا لتكتشفوا كيف يمكن للإرادة أن تقهر المستحيل وتفتح أبواباً كانت مغلقة.

أسامه محمد علي إبراهيم Osama Mohamed Aly Ibrahim

ولد عام 1982 في مدينة الإسكندرية بمصر. بعد تخرجه من كلية الطب جامعة الإسكندرية وحصوله على رخصة مزاولة المهنة في مصر جاء إلى اليابان عام 2007. التحق بعد وصوله إلى طوكيو بكلية الطب جامعة كيئو لدراسة الدكتوراه التي حصل عليها لاحقا عام 2011. انخرط منذ البداية في البحث العلمي وتعلم اللغة اليابانية واضعا نصب عينيه هدف الحصول على ترخيص مزاولة مهنة الطب في اليابان الذي تمكن من تحقيقه عام 2011 ليصبح الطبيب العربي الوحيد الحاصل على التصريح في طوكيو. ويعمل حالياً في مستشفى جامعة طوكيو.

لا شك أن طريق النجاح ليس مفروشاً بالورود، بل هو مليء بالتحديات والعثرات التي تتطلب عزيمة لا تلين. ولكن، كما يقولون، ”كل رحلة تبدأ بخطوة واحدة“، وتلك الخطوة قد تكون المفتاح لتحقيق أحلام كبيرة. في هذه المقابلة، نستعرض قصة شاب مصري يُدعى أسامة إبراهيم، الذي اختار أن يتحدى المسار السهل ويخوض رحلة غير تقليدية. بعد أن أتم دراسته في جامعة الإسكندرية وحصل على وظيفة في وطنه، قرر أسامة أن يترك كل شيء خلفه ويتجه إلى طوكيو، مملوءاً بالإيمان والتحدي، وحاملاً أحلاماً بحجم الأهرامات المصرية. كيف استطاع أن يحقق هدفه ويصبح طبيب عيون في مستشفى جامعة طوكيو؟ تابعونا لتعرفوا التفاصيل.

رحلة البحث عن الذات

- لماذا اخترت اليابان وليس مكاناً آخراً؟

دكتور أسامه أمام تمثال حورس إله الحماية عند قدماء المصريين والموجود بمعبد إدفو في جنوب مصر.

في الواقع يتوجه عدد لابأس به من الأطباء في مصر للعمل خارج البلاد، فمنهم من يتوجه للعمل في الولايات المتحدة الأمريكية، أوفي إنجلترا، ولكن القسم الأكبر منهم يذهب للعمل بدول الخليج مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وقطر. ولربما يرجع ذلك لعدة عوامل منها قرب المسافة، وتشابه نمط الحياة، والمرتبات المرتفعة نوعا ما، وكذلك عاملي اللغة والدين. وكان هذا الطريق السهل والواضح متاحا أمامي بشكلٍ أو بآخر.

ونظرا لكوني شغوفاً باستكشاف تحديات جديدة كنت دائما أفكر في القدوم لليابان لاسيما منذ كنت أمارس رياضة الكاراتيه وأطالع بشغف تاريخ هذه الدولة التي نهضت من الركام بعد الحرب العالمية الثانية. لكن كنت للوهلة الأولى أرى أن الوصول إلى هنا يبدو أمراً مستحيلاً بالنسبة لي. ورغم ذلك تقدمت باستقالتي من وظيفتي في مصر.

وتوجهت إلى اليابان لأطارد حلمي في التعرف على أحدث التقنيات في العالم ولإشباع نهمي للعلم والدراسة.

لكن بطبيعة الحال بعد سفري من مصر واستقالتي من الوظيفة لم يكن لدي خيار آخر سوى تحقيق النجاح في اليابان والوصول إلى ما كنت أصبو إليه لذلك عملت ودرست واجتهدت بكل ما أوتيت من قوة حتى لا تضيع مجهوداتي سدى وتذهب أدراج الرياح.

عالم جديد

- ما الذي يميز اليابان في رأيك؟

منذ أن كنت طالبا في كلية الطب كان لدي دوماً طموح لاستكشاف العالم والإطلاع على كل ما هو جديد ومختلف لأتعرف على المزيد من كيفية تعامل أولئك الأطباء مع المرضى وأساليب الرعاية الطبية لأتعلم منها وأفيد بها وطني. فقد سافرت أثناء الدراسة إلى جنوب إيطاليا لمدة شهر للتدرب والإطلاع في كلية طب جامعة باليرمو وذلك ضمن برنامج تبادل لطلاب الطب لتلقي محاضرات ومشاهدة عمليات طبية وجراحية، إضافة إلى التعرف على طلبة الطب الذين جاءوا من 26 دولة مختلفة لتبادل الخبرات العلمية والثقافية.

دكتور أسامه يتوجه إلى مقر عمله بمستشفى جامعة طوكيو العريقة.

ومن خلال التعامل مع الأطباء اليابانيين الذين قابلتهم في إيطاليا قررت أن أتوجه في البداية إلى اليابان في زيارة سياحية للتعرف على البلد ودراسة إمكانية العمل بها. ومنذ اللحظات الأولى التي وطأت فيها قدمي أرض اليابان أحببتها وانبهرت بإنجازات شعبها وبالنظام والدقة التي تسير بها الحياة بشكل يصعب العثور عليه في مكان أخر من العالم.

وإلى جانب بيئة العمل الملائمة في اليابان، وجدت بها ميزات أخرى لا تتسم بها دول أخرى زرتها في العالم سواء في أوروبا أو الولايات المتحدة الأمريكية. حيث لم أشعر بتاتا بوجود أي تمييز عنصري تجاهي، إضافة إلى كونها من أكثر الدول أماناً في العالم ومن أكثرها تقدماً أيضاً. وكذلك تفتح آفاق استكشافات لا تنتهي، ولايزال هناك شيء جديد دائما يثير شغفي حتى بعد سنوات من حياتي في اليابان سيما وهنالك الكثير والكثير مما لم أستكشفه بعد.

- كيف كانت أيامك الأولى في اليابان؟

بالطبع كانت هناك مصاعب في البداية في التأقلم مع النظام الياباني فيما يتعلق بتقديم الأوراق وعدد ساعات العمل وغيرها من الواجبات الضرورية. فعلى سبيل المثال اضطررت – في بعض الأحيان – للعمل في وظائف أخرى لتوفير بعض النفقات إلى جانب المنحة الدراسية. فقد عملت كمذيع ومراسل صحفي ومترجم ومدرس لغات. وهي خبرات أعتزّ بها حيث أنها أضافت لي الكثير في حياتي بشكل عام.

ولا أخفي عليك القول بأنّ هناك الكثير من المواقف الصعبة التي مررت بها خاصة خلال الفترة الأولى حيث كانت يتوجب علي توفير مصاريف الدكتوراه والتي كانت تقارب أكثر من عشرة آلاف دولار سنويا وهو مبلغ كبير حتى بالمقارنة مع جامعات أخرى. وجدير بالذكر أن هناك الكثير من المنح المخصصة للطلبة الآسيويين مقارنة بالمنح القليلة للطلبة الأجانب من دول أخرى. وكُنت أخوض الاختبار تلو الآخر حتى وفقني الله سبحانه وتعالى إلى أفضل منحة متوفرة آنذاك. وأمضيت أول عامين في عمل شاق بدون العودة إلى أرض الوطن. وكانت الأمور صعبة نفسيا بسبب البعد عن الأهل وكذلك التباين في العادات والتقاليد إضافة الى الثقافة واللغة.

الإصرار والعزيمة في تعلم اللغة اليابانية

- كيف تعلمت اللغة اليابانية؟

لقد بدأت التعرف على اللغة اليابانية بعد مجيئي لليابان، فلم أكن أعرف إنه يوجد حروف الهيراغانا والكاتاكانا والكانجي أيضاً، وبدأت الدراسة من الصفر حيث كان عمري وقتها 25 عاما. وقد حاولت في البداية تعلم اللغة اليابانية من خلال الانتساب لمدرسة ليلية لكن العمل والدراسة كانا يستهلكان وقت اليوم بأكمله. ففكرت في الذهاب إلى إدارة الحي التي تقدم دروساً لتعليم اللغة اليابانية للأجانب من قبل متطوعين يابانيين كبار في السن. وقابلت هناك متطوعة يابانية عمرها يناهز الـ 68 عاما اسمها يونيدا ويرجع إليها فضل كبير في إجادتي للغة اليابانية. فقد تقابلنا لساعات طويلة وكنا نتحدث عبر الإنترنت ونقرأ الصحف اليابانية معا. وشعرت بالاحترام تجاهها عندما علمت أنها بدأت دراسة اللغة الإنكليزية في سن الـ 60 واشترت جهاز كمبيوتر لأول مرة للتواصل معي عبر برنامج سكايب من أجل تعليمي اللغة اليابانية. وهذا درس آخر من اليابان لمن يظن أن الوقت قد تأخر لتعلم أي شيء في الحياة. ولا زلت حتى الآن على اتصال مع السيدة يونيدا التي أكن لها كل الحب والتقدير والاحترام.

ونظراً لأن وزارة الصحة اليابانية لا تقبل إجراء مقابلات لأطباء أجانب حول إمكانية الحصول على تصريح العمل قبل اجتيازهم المستوى الأول لامتحان إجادة اللغة اليابانية، فقد أمضيت سنوات وأنا أتساءل بيني وبين نفسي هل ستنجح محاولتي في النهاية؟ ومع الإرهاق في العمل وصعوبة اللغة كان الإحباط يتسلل إلى قلبي في بعض الأحيان، كما كنت أحيانا أقابل أشخاصا يثبطون من عزيمتي بقصد أو بدون قصد. ولعل ما ثبتني في آنذاك كان ثقتي بالله سبحانه وتعالى فهُوَ لا يضيع أجر من أحسن عملا وبالتالي فإنه سبحانه وتعالى يدعونا لعدم الاستسلام لليأس أبداً.

دكتور أسامة أمام أحد مداخل المستشفى.

اليابان بلد التفاصيل الدقيقة

- ما هو أكثر شيء تعلمته كطبيب في المستشفيات اليابانية؟

تعلمت من خلال رحلاتي أن هناك مستوىً معين موحد من الخدمة الطبية يحصل عليه المرضى بشكل عام في أي من الدول المتقدمة كاليابان والولايات المتحدة وأوروبا وغيرها من الدول مع وجود بعض الاختلافات بين بلد وآخر. لكن أكثر ما تتميز به الخدمة الطبية في اليابان يكمن في الدقة الشديدة والاهتمام بالتفاصيل الصغيرة وتجنب الأخطاء قدر الإمكان. كما أن أعلى مستوى من الخدمة الطبية يقدم لجميع فئات المجتمع بغض النظر عن حالتهم المادية وفي أي مكان في اليابان. فأفقر شخص في اليابان يحصل على نفس الخدمة الطبية التي يحصل عليها الإمبراطور والقاطن في طوكيو يتلقى نفس العلاج الذي يتلقاه من يسكن في ريف هوكايدو شمال اليابان. لذا أحاول بالإضافة إلى اكتساب الخبرات الطبية تعلم تحري الدقة في العمل والاهتمام بالتفاصيل والعمل كفريق مع باقي أفراد الخدمة الطبية.

في السفر سبع فوائد

- ما الذي أضافه إليك السفر على المستويين المهني والإنساني؟

دكتور أسامه مع إحدى زميلاته في العمل.

في الحقيقة أنا سعيد لأنه أتيحت لي الفرصة للسفر إلى الكثير من الدول في قارات مختلفة والالتقاء بعقول متميزة من أنحاء العالم. فقدومي إلى اليابان منحني الفرصة للمشاركة في مؤتمرات دولية في اليابان والولايات المتحدة وأوروبا وآسيا وتكوين صداقات والتعرف على الجديد في الطب على مستوى العالم. واندمجت في البحث العلمي وتعلم الأساليب الحديثة وإجراء التجارب الجديدة. كما توفرت لي فرص مقابلة عدد من الحاصلين على جائزة نوبل في الكيمياء والطب والفيزياء ودُهشت من تواضعهم، فكلما نهل الإنسان من العلم عرف أنه لا يعي سوى القليل. وقد أضاف هذا كله إليّ الكثير من الخبرات العملية وساعد في تكوين شخصيتي. وتَعلّمت كيفية التعامل بإيجابية مع الناس وكذلك الابتعاد عن الجوانب السلبية سواء بالحديث مع الآخرين أو التعامل معهم، فهنالك كلمات قد تكون مصدراً لألم ومعاناة الآخرين كما تفعل الأمراض تماماً.

وهناك شيء تعجبت له هو أن السفر ومواجهة التحديات التي تتجاوز قدراتك الحالية وعدم الهروب منها يجعلك تتعرف على جوانب أخرى في شخصيتك لم تكن تعلمها من قبل. وإنّ بداخل كل شخص منا قدرات متعددة لا يستخدمها عادةً ولكنها تظهر جلية في مواجهة الصعاب.

الطبيب عربي والمريض ياباني

- كيف يتلقى المرضى اليابانيون فكرة التعامل مع طبيب عربي؟

الحقيقة أن هذا الأمر كان يمثل مصدر قلق كبير لي في البداية. فاليابانيون معتادون على أعلى مستوى من الخدمة في العالم في مختلف المجالات فمثلا إذا تأخر القطار بضع دقائق عن موعده فإن العاملين بالمحطة يعتذرون للركاب المنتظرين ويقدموا لهم تفسيراً للتأخير الذي ينجم عادة عن أمر خارج عن إرادتهم سواء بسبب حادث أو عند هبوب إعصار ما. كذلك نفس الأمر يحدث في المجال الطبي فالمسألة لا تقتصرعلى الخدمة الطبية فحسب بل تتعداها لتشمل طريقة التعامل مع المرضى أيضاً. وأي خطأ في التعامل مع المرضى سواء نتيجة ضعف في اللغة اليابانية أو في المعلومات الطبية يجعل المرضى يفقدون الثقة في طبيبهم خاصة إذا كان أجنبياً.

دكتور أسامه أثناء الكشف على أحد المرضى بمسنشفى جامعة طوكيو.

والواقع أنه لا يوجد الكثير من الأطباء الأجانب الأوروبيين أو الأمريكيين الحاصلين على التصريح في اليابان. لذلك تعتري اليابانيون عادة الدهشة في البداية عند رؤيتهم لي. ويعتقدون في البداية أنني نصف ياباني نصف أجنبي ولا يخطر في مخيلتهم أبداً أن هناك طبيب أجنبي يمكن أن يتعامل معهم مثل الطبيب الياباني تماماً دون أدنى مشكلة. وقد يخجلون في البداية بالسؤال عن أصلي أو كيف أصبحت طبيباً هنا لكن مع مرور الوقت سرعان ما يشعرون بالثقة ونتبادل الحديث عن مصر التي زارها الكثير منهم أو يتطلع البعض الآخر منهم لزيارتها.

وحتى الآن فإن رد الفعل كان أفضل مما توقعت بكثير. بل إن بعض المرضي يصارحونني بأنهم يفضلون التعامل معي عن بعض الأطباء اليابانيين مما أثار دهشتي وسعادتي في الوقت نفسه. وقد يرجع تقبل المرضى لي حتى الآن في جزء منه إلى أنني أعمل في مستشفى جامعة طوكيو وهي الجامعة الأفضل في اليابان وآسيا، واليابانيون يكنون احتراما كبيرا وثقة عالية تجاه العاملين بها. إلا أنني أعتقد أنه طالما كنت قادرا على التواصل بلغة سليمة وبطريقة مهذبة بالإضافة إلى سعة المعرفة الطبية فلن تكون هناك مشاكل في التعامل مع المرضى اليابانيين.

الدقة والإخلاص في العمل

- كيف يتعامل الأطباء اليابانيون معك؟لم أشعر بأي تمييز عنصري من قبل الأطباء اليابانيين بل العكس هو الصحيح. فعلى المستوى الإنساني كوني أجنبياً يجعل من السهل علي تكوين صداقات مع زملائي في العمل. وفيما يتعلق بالعمل فهم حريصون جدا على إتقان العمل على أكمل وجه، وقد يغضبون إذا لم أقم أنا أو زملائي بالعمل على أكمل وجه. ولا يعتمد هذا على كوني أجنبيا أم لا. ومن الطبيعي أن يتساءل بعض الأطباء إذا كان بمقدوري التعامل مع المرضى اليابانيين أم لا. كما يتابع الطبيب الأقدم طريقتي في الكشف على المرضى في بداية العمل لكنه بعد الاطمئنان على سير العمل يترك المسئولية لي.

دكتور أسامه في حوار مع زملائه في العمل.

- بالإضافة إلى المحتوى الطبي ما الذي تعلمته من الأطباء اليابانيين؟اليابانيون يتميزون بالدقة والإخلاص في العمل مهما كانت طبيعة هذا العمل. فبجانب الاهتمام بالتفاصيل الدقيقة في التعامل مع المرضى قبل وأثناء بل وبعد العمليات، هناك احترام تام لأدمية المريض، خصوصيته، حالته النفسية، والعمل بأقصى جهد على راحته ليس فقط من أجل علاج المرض بل أيضا عملية التأهيل البدني من خلال العلاج الطبيعي أثناء تواجدهم بالمستشفى وتقديم المعلومات من خلال محاضرات حول التغذية وطرق الحفاظ على الصحة. كما أن هناك طقوس خاصة للتعامل مع المرضى في حالات الوفاة، حيث تخصص لهم غرف للعزاء توضع بها الزهور، ويسمح لأهل المتوفي إلقاء النظرة الأخيرة عليه، ويقوم الأطباء والممرضات الذين كانوا مسؤولين عن المتوفي أيضاً بزيارته وتقديم الزهور وإلقاء النظرة الأخيرة عليه. كما يقوم الطاقم الطبي بتقديم التحية اليابانية لوداع الجثمان أثناء نقل المتوفي خارج المستشفى.

- هل هناك مواقف عصيبة تعرضت لها خلال العمل؟

دكتور أسامه يراجع نتائج الكشف على أحد المرضى في عيادته بمستشفى جامعة طوكيو.

بالرغم من أنني اعتدت على صوم رمضان كل عام في اليابان والذي هو نوعا ما أصعب من الصيام في مصر إلا أن العام الماضي كان الأصعب حتى الآن، فقد صادف رمضان توقيتا صعبا حيث كنت أمضي اليوم في غرفة العمليات من الساعة السادسة صباحا حتى التاسعة مساء بدون راحة وفترة الغداء في الظهيرة لمدة عشرين دقيقة فقط. ونظام العمل صارم بدون أيّ تهاون أو تخاذل لأن الأمر يتعلق بحياة المرضى. فخجلت أن أطلب منهم تغيير نظام العمل من أجلي، وكنت أمضي راحة الغداء في الصلاة. حتى انتبه الأطباء الآخرون إلى أنني لا أتناول الطعام مثلهم في هذه الفترة، وبعد أن شرحت لهم الموضوع سألني المسؤول عما إذا كنت أرغب في تلقي معاملة مميزة لأتمكن من الصيام ولكني رفضت وساعدني الله سبحانه وتعالى على إتمام تلك الفترة العصيبة بالرغم من صعوبة التعامل من نواح مختلفة في بيئة العمل الجديدة.

كما أن بعد الحصول على التصريح يتوجب على الطبيب أن يمر بعدة أقسام في الباطنة والجراحة والطوارئ وكان أول يوم لي في قسم الطوارئ ولم أكن قد اعتد بعد على المكان أو طريقة التعامل مع المرضى. وفي أول ساعة نُقلت إلى القسم مريضة توقف قلبها عن النبض وهي حالة صعبة تتطلب خبرة لإنقاذها. وكنت الطبيب المسؤول عنها وتوقعت في البداية أن يطلب رئيس الطاقم الطبي من شخص آخر أن يكون مسؤولا عنها، ولكنه اختارني بدون أن يُبدي أي تفريق في المعاملة مع رفاقي اليابانيين، وكان يوما شاقا تَطلب مجهوداً طبياً من جانب وكذلك أساليب تعامل دقيقة مع طواقم الإسعاف ووحدات الشرطة التي جاءت لاحقاً من جانب آخر، وشعرت منذ اليوم الأول بضغط عصبي شديد وكذلك كم المسؤولية الملقاة على عاتق الطبيب في اليابان.

العدالة الاجتماعية والمساواة

- ما رأيك في نظام الرعاية الصحية الياباني؟

إن نظام الرعاية الصحية الياباني يشمل جميع مواطني الدولة. حيث يحصل كل فردٍ منهم على مستوىً راقٍ ومتساوٍ من الخدمات الطبية. لكن هناك طبعاً نسب متفاوتة من تكاليف الرعاية الصحية وذلك حسب القدرة المادية وطبيعة المرض والظروف العائلية لكل شخص.

كما أن هناك فئة من مواطنين يحصلون على مساعدات مالية من الدولة لتوفير الحد الأدنى من المعيشة، والأمر المثير للدهشة هو أن الإمبراطور الياباني نفسه خضع لعملية جراحية في مستشفى جامعة طوكيو وهي نفس المكان الذي تتلقى فيه الفئة الغير قادرة في المجتمع العلاج. أي أن أعلى طبقة في المجتمع الياباني تتلقى العلاج في نفس المكان مع باقي طبقات المجتمع بما في ذلك أقل الطبقات أو أفقرها. وقد تكرر هذا الأمر معي عندما كنت أعمل سابقاً في مستشفى جامعة كيئو وهي إحدى أرقى الجامعات في البلاد. وقد تلقى رئيس الوزراء الحالي شينزو آبي العلاج بها أثناء شغله المنصب. والمستشفى تقدم الخدمة الطبية لكافة طبقات المجتمع بصورة عادلة وعندما أقدم العلاج لمريض في المستشفى لا أعرف ما إذا كان غنيا أوفقيرا ولا تختلف طبيعة العلاج المقدم له حسب وضعه الاجتماعي. وأتمنى أن أرى ذلك يحدث أيضاً في بلادنا يوما ما.

وهناك اختلاف جوهري فيما يتعلق بالتعامل مع الأدوية في اليابان فلا يصرف أي دواء ذي مادة فعالة إلا بوَصفَة من الطبيب فلا يمكن لأي مواطن أن يشتري الأدوية من الصيدليات بدون استشارة طبية. ويساعد هذا في تقليل الأعراض الجانبية الناتجة عن الاستهلاك غير المنضبط وزيادة مقاومة البكتريا للمضادات الحيوية مع الاستعمال غير الرشيد لها.

دكتور أسامه أمام مستشفى جامعة طوكيو.

في النهاية ماذا تقول لمن يقرأ قصة كفاحك في اليابان؟

إن قصص النجاح لها قواعد متشابهة مهما اختلفت الأهداف. فعلى الإنسان أولا تحديد أهدافه بعد دراسة موضوعية ثم وضع خطة للوصول لها وعدم الاستسلام مهما وجهت له الحياة من ضربات قاسية وتحمل الصعاب بعزيمة لا تَكل ولا تلين.

والرسالة التي يتضمنها هذا النجاح، وهو أنه فضل من الله وليس ناتج عن عبقرية ما، هي أن أي شخص عادي مثلي قادر على اكتشاف قدرات إضافية بداخله وتحقيق ما ينظر إليه كثيرون على أنه أمر مستحيل إذا تمتع بالإرادة وعدم الاستسلام وعمل بلا كلل في سبيل تحقيق حلمه.

في ختام حديثنا مع الدكتور أسامة، لا يسعني إلا أن أستحضر كلمات بطل الملاكمة الراحل محمد علي كلاي، الذي قال: ”كرهت كل لحظة من التدريب ولكني كنت أقول: لا تستسلم، اتعب الآن ثم عش بطلاً بقية حياتك“. هذه الكلمات تلخص روح الكفاح التي تجلت في رحلة الدكتور أسامة، وتذكّرنا بأن النجاح لا يأتي بسهولة، بل هو نتيجة مثابرة وجهد مستمر. في اللحظات التي تشعر فيها بالإحباط وتساؤل جدوى الاستمرار، استعن بقصة نجاحه لتجد الإلهام والعزيمة. عاود قراءة هذه القصة من حين لآخر، فالنفس تحتاج إلى التحفيز لتستمر في تحقيق أحلامها.

(قام بالتغطية: حسن يوشي و واتانابي ماهو من قسم اللغة العربية بـ nippon.com، المصور أوتاني كيوهيدي وكوديرا كي. المقابلة بتاريخ 27 أبريل/ نيسان 2017. صورة العنوان: دكتور أسامه بعيادته في مستشفى جامعة طوكيو)

الطب