فن الخط الياباني

متلازمة داون والاستقلالية

ثقافة

شيوكو كانازاوا هي خطاطة مشهود لها بالمهارة والإبداع مصابة بمتلازمة داون. في سن الثلاثين انتقلت إلى شقة للعيش بمفردها وهو أمر آخر لا يستهان به قد يعتقد البعض أنه محال نظرا لحالتها الصحية. في هذا المقال نلقي نظرة خاطفة على حياتها اليومية في طوكيو.

شيوكو كانازاوا KANAZAWA Shōko

خطاطة اسم الشهرة شيوران، ولدت عام ١٩٨٥ بطوكيو. بدأت تَعّلم فن الخط على يد والدتها وهِيَ في الخامسة من العمر وفي عام ٢٠٠٥ قامت بعمل أول معرض خاص لها تحت عنوان ”شيوكو...عالم الخط“ وبعد ذلك أقامت العديد من المعارض الخاصة في معبد كينتشوجي بمدينة كاماكورا، معبد كينّينجي بمدينة كيوتو، معبد تودايجي بمدينة نارا وغيرها من الأماكن المختلفة. كما قامت بعقد أول معرض فني لها بالخارج في نيويورك عام ٢٠١٥، ثم قامت بافتتاح معرض خاص لها في مدينة بلزن في سبتمبر/ أيلول تلاه معرض آخر في نوفمبر/ تشرين الثاني في مدينة براغ بجمهورية التشيك وكلاهما في نفس العام. ثم قامت بمشاركة والدتها في التأليف بإصدار عِدّة كتبٍ منها ”روح الخط - مجموعة كانازاوا شيوكو الفنية“، ”أغنية البحر وصوت الجبل... رحلة صلاة الخطاطة كانازاوا شيوكو“.

شخصية محلية مشهورة

شيوكو كانازاوا هي واحدة من كبار الخطاطين في اليابان، وكان لها معارض منفردة في الولايات المتحدة، وجمهورية التشيك، وسنغافورة. واجهت الفتاة البالغة من العمر ٣۱ عاما، والتي تعاني من متلازمة داون، تحدياً آخر قبل ۱٥ شهرا عندما غادرت منزل والدتها لتعيش بمفردها وتستقل بحياتها. وفي يوم ربيعي من أوائل مارس/ آذار قمت بزيارة مسكنها لمعرفة أحوالها.

قابلتني عند محطة كوغاهارا التي تقع في منطقة سكنية هادئة بطوكيو. وبينما كنا نسير من المحطة بمحاذاة محال التسوق، تبادلت شيوكو الابتسامات والتحيات مع المارة. حتى أن سيدة أقبلت عليها لتصافحها. وأثناء سيرنا، لمحت بائعا للزهور يعرض صورتها وإحدى مخطوطتها من النافذة، بجانب كتيب لمعرضها الخريفي بمتحف أوينو الملكي. نفس الكتيب كان معروضا على نوافذ أحد المطاعم لبيع السوبا، وآخر لبيع الكعك، وصالون تجميل، ومتجر للأدوات المكتبية.

كانت شيوكو قد زارت هذه المتاجر بنفسها، ووزعت كتيبين لكل منهم، وطلبت من أصحابها عرض كلا الجانبين. طلبها بالتأكيد لم يذهب أدراج الرياح. قلت لنفسي لا بد أنها مشهورة هنا ويحرص الجميع على تلبية رغبتها.

في الطريق إلى مسكن شيوكو.

التسوق والطهي لنفسها

تقضي شيوكو الكثير من الوقت في السفر مع والدتها ياسوكو بجميع أنحاء البلاد لحضور معارض مخطوطاتها أو للشروع في أعمال جديدة، وفي بعض الأحيان تقوم بعروض الكتابة أمام الجمهور. ولكن عندما تكون في طوكيو، تقوم دائما بطهي وجباتها الخاصة. سألتها ”ماذا عن العشاء اليوم؟“. أجابت ”بما أن لدي ضيفا، سأصنع حساء لحم البقر“.

عند الجزارة، طلبت قائلة ”من فضلك حساء لحم البقر المخلوط بالدهن والدقيق وبعض من اللحم البقري الشهي“. كما ابتاعت الجزر والبصل من ناصية لبيع الخضروات. إحدى الزبائن تحدثت بشغف إلى شيوكو عن كونها في نفس نادي السباحة. وبعد أن دفعت ثمن البقالة، ذهبنا إلى مقهى شيوكو المفضل.

شراء اللحم البقري من الجزارة.

المقهى، الذي افتُتح منذ أكثر من أربعين عاما، لا يزال يحتفظ بجو الحنين ليابان السبعينيات والثمانينيات. وفي الوقت الذي كانت تنتظر فيه قهوتها بالحليب، تحدثت شيوكو مع المالك عن الطهي وبرنامج تلفزيوني كانت قد ظهرت فيه، وقامت بتحديث الحالة على وسائل التواصل الاجتماعي عبر هاتفها الذكي. على ما يبدو أنها ترتاد المقهى يوميا تقريبا، والمالك وزوجته يعاملونها كما لو كانت ابنتهم. كما أن أحد ضابط الشرطة المحلية يدعوها بالساحرة. ”إنها تلوح بعصاها السحرية لتتراءى النجوم في السماء، جالبة حياة جديدة إلى الجوار“. وأنا أتفق معه تماما.

مقهاها المفضل.

أول شيء يراه الزوار عند دخول شقة شيوكو التي تبعد خمس دقائق عن المحطة هي منطقة المطبخ المكتسي باللون الأبيض، وفي نهايته الموقد الذي يعمل بنظام التحريض. فهي تحب الطهي. مرورا بالمطبخ نجد الغرفة الرئيسية للمسكن مع أرضية خشبية. الجدران مغطاة باللون الثلجي الأبيض وستائر باللون الوردي الخفيف. خزانة الملابس والمكتب، بمحاذاة الرفوف البيضاء التي تتميز بلمسات متفرقة من اللون الوردي في إشارة إلى أن هذه غرفة لفتاة.

ارتدت شيوكو المئزر وغسلت يديها، منوهة على أهمية تنظيف اليدين عند الطهي. قامت بتقشير الجزر والبطاطس، وقطعتهما بإحدى سكاكين المطبخ. وعندما شرعت في تقطيع البصل، قالت، ”سأكون بخير. لن تدمع عيني“ ولكن بعد فترة، هاجت عينيها بالدموع، وغسلتها بعفوية بمياه الصنبور.

”هذا زيت الزيتون“، هكذا قالت عندما بدأت في طهي الطعام. وأردفت ”سأقطع اللحم، حتى يسهل تناوله، بعد أن يتحول اللحم إلى اللون البني، سأضيف النبيذ الأحمر“. وقامت شيوكو بتوضيح كل خطوة أثناء إعداد الطعام كما لو كانت ببرنامج للطهي. بعد ساعة، كان حساء اللحم البقري معداً. ورائحة شهية عبئت الغرفة.

”عشاء اليوم هو حساء اللحم البقري.“

وضعت شيوكو الحساء في وعاء صغير كانت قد وضعته على رف بجوار صورة والدها المتوفى، هيروشي. ”هذا حساء اللحم البقري يا أبي. هيا نأكله سويا. أشكرك على رعايتك لي من السماء“، قالت ذلك وعينيها مغمضة ويديها مضمومتين معا.

فسحة من ممارسة تمارين فنون الخط

قمت بزيارة شيوكو مرة أخرى بعد ظهيرة اليوم التالي عندما كانت تدرس في المنزل. على مكتبها كان يوجد كتاب يوجيجوكوغو (المصطلحات الرباعية). فتحتها على الصفحة الأولى وبدأت في نسخ شرح العبارة البوذية 愛別離苦 (أيبيتسو ريكو)، التي تصف آلام الفراق عن المحبوب. عندما كانت فتاة اعتادت على نسخ مقاطع من الكتاب المقدس يوميا. هذا وطد لديها شغفها العميق بالكلمات والحروف.

دراسة مركبات الحروف الأربعة.

عندما انتهت من الدراسة كان وقت الاسترخاء. أخرجت شيوكو الآيباد الوردي الخاص بها وبدأت في مشاهدة مقطع فيديو لتلميذ مدرسي والذي كان قد فاز بجائزة للرقص مقلدا مايكل جاكسون. شيوكو تستمتع بالرقص على أغاني مايكل جاكسون بنفسها. وفي أثناء بحثها عن المزيد من مقاطع الفيديو، تبادر إلى ذهني عدم وجود أياً من أدوات الخط في الغرفة. كانت الغرفة عبارة عن مساحة لها لتأخذ قسطا من الراحة من تمارين فنون الخط. وكان لديها مهمة أخرى تقوم بها بشكل يومي ألا وهي ممارسة التمارين الرياضية، فقد ذكرت أن وزنها قد زاد، وقالت إنه منذ شرعت في طهي الطعام لنفسها حتى بدأت بإجراء بعض الإحماءات الخفيفة على جهاز المشي، بعد ذلك غادرنا المسكن لزيارة والدتها التي تعيش بالجوار.

تعهدات شيوكو الثلاثة مسجلة على الحائط، هي الحفاظ على شقتها نظيفة، وألا تسهر، وفقدان الوزن.

البحث عن مقاطع الفيديو على جهاز الآيباد.

مدعومة بحب والدتها

تقوم كانازاوا ياسوكو بتعليم دروس فن الخط في الطابق الأول من منزل العائلة المكون من طابقين. أخذتنا إلى غرفة المعيشة في الطابق الثاني. في الجزء الخلفي من الغرفة كان المكتب المخصص لفنون الخط، والتي وضعت عليه قطعة كبيرة من الورق مصحوبة بعبارة 般若心経 (هانيا شينغيو)، الاسم الياباني لسوترا القلب. العرض الفني الذي قامت به شيوكو لسوترا وهي في سن العاشرة كان معروضا في أربع لوحات على الحائط الخلفي. ويُعرف هذا الإصدار باسم سوترا دموع القلب، لأنها تخضبت بدموع الفتاة الصغيرة التي سالت عندما كانت تكافح لاستكمال المهمة الخطية. وسوف تكون جزءا من معرضها في متحف أوينو الملكي هذا الخريف، بجانب نسخة جديدة من نفس القطعة التي تعكف عليها حاليا.

عندما انتهت من ممارسة تمارين فن الخط، قالت لي ياسوكو، بنبرة يغلب عليها الحزن: ”لقد مضت خمسة عشر شهرا منذ أن بدأت تعيش بمفردها، ولم تعد تحضر إلى البيت. وعندما لا يكون هناك عمل يتعلق بفنون الخط، فهناك أوقات لا أراها فيها أسبوعا كاملا“. شيوكو قد صرحت في مناسبات عديدة أنها تعتزم العيش بمفردها عندما تبلغ ٣۰ عاما، حتى في أثناء كلمتها بمقر الأمم المتحدة في نيويورك في اليوم العالمي لمتلازمة داون في عام ۲۰۱٥. وقالت ياسوكو ”من الصعب جدا على إنسان في مثل ظروف شيوكو أن يعيش بمفرده، لذلك كنت قلقه للغاية“. وأكملت معقبة ”ولكن هذا الأمر كانت قد أعلنته بالفعل للجميع، وأنا تركتها تفعل ذلك. منذ أن كانت صغيرة، قمت بتعليمها كيفية الطهي والتنظيف والتسوق، حتى تكون قادرة على العيش بمفردها عندما أفارقها. معظم الآباء والأمهات ممن لديهم أطفال يعانون من متلازمة داون يفترضون ببساطة أن ذلك مستحيل، لكنه في الحقيقة الأمر ليس كذلك“.

ممارسة فنون الخط مع والدتها.

”منذ أن انتقلت للعيش بمفردها، بدأت شيوكو في إدراك أهمية المال. في يوم من الأيام، جاءت طالبة راتب لها، لذلك قلت سوف أعطيها ٥۰۰۰ ين لكل قطعة فنية تقوم بإنجازها أمام الجمهور. عندما قامت بعمل جيد بشكل بارز، سألت إذا كان يمكنها الحصول على ٧۰۰۰ ين“.

قدرة شيوكو على القيام بالمستحيل والعيش بمفردها هو ثمرة جهودها الخاصة وثقتها وحبها لأمها. في الوقت ذاته هو أيضا نتاج حب ياسوكو لابنتها وإيمانها بأن الطفل مع متلازمة داون يمكنه أن يحيا بمفرده. لقد تعلمت في هاذين اليومين اللذين قضيتهما معهما أنه لا يوجد حد لما يستطيع الإنسان أن يحققه.

(النص الأصلي نُشر باللغة اليابانية في ٤ أبريل/ نيسان ۲۰۱٧. الترجمة من الإنكليزية. صورة العنوان: شيوكو كانازاوا تقوم بالطهي بشقتها. المصور: ناغاساكا يوشيكي.)

شودو فن الخط متلازمة داون