صانعو التاريخ الياباني

ساكاموتو ريوما: الساموراي الذي حلم بتحويل اليابان إلى دولة عصرية

ثقافة تاريخ اليابان

يعد ساكاموتو ريوما واحدا من الشخصيات التاريخية الشهيرة في اليابان، وكان محركاً مركزياً لجهود الإطاحة بحكومة الشوغون قبل ١٥٠ عاما. وقد قُتل عندما كان بعمر ٣١ عاماً ولذلك لم يعش لرؤية ثمرة جهوده في تحديث البلاد. وفي هذه المقالة سنلقي نظرة على حياة أحد مقاتلي الساموراي ذي الرتبة المتدنية والذي غدا ذو تأثير على أعلى المستويات، وأيضا على الجاذبية الشعبية الدائمة التي يحظى بها.

تعلم فنون المبارزة بالسيف

لا تزال حياة ساكاموتو ريوما القصيرة والمثيرة (١٨٣٦ـ ١٨٦٧) تأسر قلوب ومخيلات اليابانيين. فقد حلَّ محارب الساموراي الشاب في المرتبة الثالثة بعد القائدين العسكريين أودا نوبوناغا (١٥٣٤ـ ١٥٨٢)

  وتوكوغاوا إيياسو (١٥٤٣ـ ١٦١٦) وفق مسح أجري عام ٢٠٠٨ حول شخصيات تاريخية شهيرة أجراه معهد الأبحاث الثقافية في هيئة الإذاعة والتلفزيون اليابانية. وعلى الرغم من أن ريوما كان غالبا ما يعمل من خلف الكواليس إلا أن أحلامه بوضع اليابان على عجلة التحديث قد وضعته في مركز الحركة الرامية إلى الإطاحة بحكم الشوغون الذي أسسه توكوغاوا قبل أكثر من ٢٥٠ عاما.

ولد ريوما في ٣ يناير/ كانون الثاني من عام ١٨٣٦، وهو الابن الثاني لمحارب ’’غوشي‘‘ ذو رتبة متدنية أو ’’ساموراي قروي‘‘ في مقاطعة توسا النائية (حاليا محافظة كوتشي) بجزيرة شيكوكو. وقد كانت عائلته فرعا من عشيرة سايتاني الثرية والتي سيطرت على ثروة تجارية من صناعة خمر الساكي والأقمشة، ولذلك فقد كانت ثرية على الرغم من الأجور المتدنية التي كانوا يحصلون عليها باعتبارهم غوشي.

كان ريوما طويل القامة مقارنة باليابانيين الآخرين في عصره، حيث تجاوز طوله ١٧٠ سم. (الصورة من مكتبة البرلمان القومية).

شرع ريوما بتعلم فن استخدام السيف عندما كان بعمر ١٤ عاما تحت إشراف هينينو بينجي وهو محارب ساموراي محلي. وفي ربيع عام ١٨٥٣ – بعد سنين قليلة فقط – انطلق إلى صخب مدينة إيدو (طوكيو حاليا) ليصقل مهاراته بشكل أكبر. وتدرب هناك تحت إشراف معلم فنون المبارزة تشيبا ساداكيتشي في مدرسة هوكوشين إيتّو. وكان ذلك عاما تاريخيا فقد أبحر القائد في البحرية الأمريكية ماثيو بيري و’’السفن السوداء‘‘ التابعة لها في خليج إيدو وطالبوا حكومة الشوغون بالانفتاح على التجارة الأجنبية.

وفي عام ١٨٥٤ عاد ريوما إلى توسا، ولكن إمكانية تعلم المزيد قد أغرته للعودة إلى إيدو في عام ١٨٥٦. ويُقال إنه عُيّن رئيسا لمدرسة تشيبا دوجو وأسندت إليه كامل مهام التعليم في المدرسة.

ظهور السيف الصغير المفضل لريوما لأول مرة في معرض حالي يقام في طوكيو.

إجلال الإمبراطور وطرد البرابرة

ومع تصاعد المشاعر المعادية لحكومة الشوغون في أرجاء اليابان، أسس محارب الساموراي من رتبة غوشي وهو تاكيتشي زويزان (١٨٢٩ـ ١٨٦٥) في عام ١٨٦١ في توسا منظمة للأشخاص الموالين للإمبراطور وكانت مكرسة لمبادئ سوننو-جوي (إجلال الإمبراطور وطرد البرابرة). وكانت ترمي إلى الإطاحة بحكم الشوغون الواهن واستبداله بدولة قوية في ظل حكم إمبراطوري وإبعاد الدخلاء الأجانب. وفي تلك الأثناء كان ريوما في توسا وانضم إلى الحركة في البداية، ولكنه غادرها في العام التالي قبيل قيام الجماعة باغتيال القائد المحلي يوشيدا تويو (١٨٦٢ـ ١٨١٦).

ومجددا في مدينة إيدو، قام ريوما بالاتصال بتاكاسوغي شينساكو (١٨٣٩ـ ١٨٦٧) وقادة آخرين من مقاطعة تشوشو (حاليا محافظة ياماغوتشي)، والتي كانت معقلا للموالين للإمبراطور.

تمثال في متحف ساكاموتو ريوما التذكاري في محافظة كوتشي.

في البحرية

وفي واقعة حاسمة غيرت حياته، خطط ريوما لاغتيال كاتسو كايشو (١٨٢٣ـ ١٨٩٩) وهو مسؤول رفيع المستوى في حكومة الشوغون، ولكن انتهى الأمر به في العمل لصالحه بعد لقائهما. أثّر كاتسو – الذي كان قبطان أول سفينة بخارية يابانية تعبر المحيط الهادئ – في ريوما حيث جعله يرى ضرورة تعلم اليابان من الدول الأخرى بدلا من القيام ببساطة باتخاذ موقف عدائي متشدد. ومع إدراكه لمواهب الشاب ريوما، أقنعه كاتسو باستخدام قدراته للمساعدة في بناء أسطول بحري لليابان.

وفي عام ١٨٦٣، حصل كاتسو على إذن من حكومة الشوغون بتأسيس مركز كوبي للتدريب البحري وجعل ريوما يترأس الأكاديمية لتدريب الضباط الشباب.

نسخة من أول رسالة بعثها ريوما إلى أخته أوتومي بعد مغادرته مقاطعته بصورة غير قانونية في عام ١٨٦٢. ويُظهر السهم الأحمر المكان الذي كتب فيه ريوما عن تحوله إلى تابع لـ’’أكثر شخص مهم في اليابان‘‘ هو كاتسو كايشو.

وفي وقت لاحق من ذلك العام، تحدت مقاطعة تشوشو حكومة الشوغون بقصف سفن أجنبية قبالة ساحل شيمونوسيكي. ولدى سماع نبأ أن السفن المتضررة قد تم ترميمها في إيدو قبل العودة للانتقام من مقاطعة تشوشو، شعر ريوما أن البلاد كانت مقبلة على أزمة. وقد كتب في رسالة شهيرة إلى أخته أوتومي جاء فيها: ’’أريد أن أنظف اليابان‘‘.

وقد تنامت الشكوك لدى حكومة الشوغون المحاصرة بالروح الاستقلالية التي امتلكها كاتسو، وفي عام ١٨٦٤ جردته من منصبه كقائد للسفن الحربية واستدعته إلى إيدو. وفي العام التالي تم إغلاق مركز كوبيه للتدريب البحري.

نسخة من رسالة إلى أوتومي. السهم الأحمر يشير إلى المكان الذي كتب فيه ريوما ’’أريد أن أنظف اليابان‘‘.

العمل معا للإطاحة بحكومة الشوغون

وقد تمثل أعظم إنجاز لريوما في عقد تحالف بين المقاطعتين القويتين ساتسوما (حاليا محافظة كاغوشيما) وتشوشو في عام ١٨٦٦.

وقد كانت المقاطعتان على خلاف في البداية، فموقف تشوشو الراديكالي المناوئ لحكومة الشوغون تباين مع رغبة ساتسوما في وحدة البلاد من خلال التحالف بين حكومة الشوغون والمقاطعات ذات النفوذ القوي.

ولكن عندما أصبحت حكومة الشوغون أكثر ديكتاتورية تحول موقف زعيمي ساتسوما وهما أكوبو توشيميتشي (١٨٣٠ـ ١٨٧٨) وسايغو تاكاموري (١٨٢٨ـ ١٨٧٧) ليصبح معارضا. وفي عام ١٨٦٥، أمرت حكومة الشوغون المقاطعات بدعم قواتها في حملتها ضد تشوشو، ولكن مقاطعة ساتسوما رفضت الانصياع للأمر. وقد نقل ريوما القرار إلى قادة تشوشو، ما خلق فرصة للجانبين من أجل التحالف.

ودخلت المقاطعتان – بحضور ريوما – في تحالف رسمي عام ١٨٦٦، حيث اتفقتا على توحيد الأمة حتى لو عنى الأمر الدخول في مواجهة مباشرة مع حكومة الشوغون. وقد زاد تشكيل هذا التحالف بشكل كبير من التهديد الوجودي الذي واجهته حكومة الشوغون.

وعلى الرغم من أن الاتفاق بين ساتسوما وتشوشو كان سريا وأبرم شفهيا إلا أن كيدو تاكايوشي (١٨٣٣ـ ١٨٧٧) وهو محارب ساموراي من تشوشو قد دونه في ٦ بنود وبعث به كرسالة إلى ريوما للتأكيد. ولدى تلقي ريوما الرسالة، كتب على وجهها الخلفي بأنه يوافق عليها جملة وتفصيلا.

كتابة ريوما بحبر قرمزي على الوجه الخلفي لاتفاقية التحالف بين ساتسوما وتشوشو (نسخة).

خطة للتحول نحو اليابان المعاصرة

وبالإضافة إلى أنشطته السياسية، استمر ريوما في عمله في البحرية وحاول الانخراط في التجارة. ففي عام ١٨٦٥، أسس شركة رائدة هي كاميياما شاتشو في ناغاساكي وذلك في إطار جهود تجارية لدعم التحالف – على سبيل المثال – عن طريق شراء الأسلحة والسفن باسم ساتسوما لإمداد تشوشو.

وفي عام ١٨٦٦، أرسلت حكومة الشوغون حملتها التأديبية إلى مقاطعة تشوشو. وكان أعضاء في شركة كاميياما على متن السفينة الحربية ’’يونيون‘‘ – اشترتها تشوشو من شركة بريطانية – وانخرطوا في معركة قبالة شيمونوسيكي. وكانت تلك التجربة الوحيدة التي خاضها ريوما في معركة عسكرية.

نسخة طبق الأصل عن علم شركة كاميياما شاتشو. وقد أصبح اسم الشركة فيما بعد كايينتاي وتتبع مقاطعة توسا.

ومن إنجازات ريوما الأخرى كانت خطته ذات النقاط الثمانية لتحديث اليابان وهي بالإضافة إلى جوانب أخرى، دعت حكومة الشوغون إلى التنازل عن السلطة مرة أخرى لصالح الإمبراطور وتأسيس مجلس قومي. وقد قدم الخطة إلى غوتو شوجيرو(١٨٣٨-١٨٩٧)  أحد قادة توسا وذلك خلال رحلة بحرية قام بها عام ١٨٦٧.

وقد أعجب غوتو بالخطة واستخدم نفوذه لكتابة عريضة من توسا إلى الشوغون توكوغاوا يوشينوبو (١٨٣٧ـ ١٩١٣) حثه فيها على إعادة السلطة إلى الإمبراطور. وفي غضون ذلك، كانت حكومة الشوغون قد ضعفت أكثر فأكثر، وتنحى يوشينوبو عن السلطة في٩  نوفمبر/تشرين الثاني من عام ١٨٦٧. وقد استمرت خطة ريوما ذات النقاط الثمانية في التأثير على مبادئ التحديث في عصر مييجي (١٨٦٨ـ١٩١٢).

نسخة لاحقة من خطة ريوما ذات النقاط الثمانية (نسخة).

اغتيال من قبل مجهولين

وبعد شهر من إعادة السلطة إلى الإمبراطور، تم اغتيال ريوما في ١٠ ديسمبر/ كانون الأول عام ١٨٦٧  بينما كان في محل لبيع صوص الصويا في كيوتو كان غالبا ما يمكث فيه. وكان آنذاك في الحادي والثلاثين من العمر فقط. وهناك نظريات لا حصر لها بشأن من أمر ونفذ العملية، ولكن قيام قوة شرطة ’’ميناواريغومي‘‘ كانت لا تزال موالية لحكومة الشوغون بتنفيذ عملية القتل، هو الأمر الأكثر ترجيحا.

وبُعيد الحادثة اشتبك الجيش الإمبراطوري الجديد والمشكل بشكل كبير من قوات من مقاطعات ساتسوما وتشوشو وتوسا مع مؤيدين لحكومة الشوغون السابقة في معركة توبا فوشيمي في يناير/كانون الثاني من عام ١٨٦٨. وهو ما أدى إلى اندلاع حرب بوشين والتي انتهت بفوز الإمبراطور في عام ١٨٦٩. وفي وقت لاحق، عملت حكومة مييجي على بناء دولة جديدة.

معرض يحاكي حادثة اغتيال ريوما عن طريق صورة ظليلة.

بطل خيالي

بعد وفاة ريوما انتشرت شعبيته بثبات وساعد في ذلك جزئيا المراسلات المكثفة التي خلفها وراءه. وبينما تعبر الرسائل بحزم عن وجهات نظر راديكالية تجاه العالم والدولة، إلا أنها كانت أيضا مليئة بالفوائد التي تجلبها السياسات، وقد تحتوي بعض الأحيان على رسومات توضيحية. ومثل هذه التفاعلات النشطة عززت جاذبيته بين عامة الناس من خلال مساعدتهم على رؤيته ليس باعتباره شخصية تاريخية مؤثرة فحسب، بل كأحد الأفراد. وقد شكلت إنجازات ريوما السياسية والاقتصادية – بالإضافة إلى الكثير من اللمسات الفردية التي تم اكتشافها في رسائله الأساس للكثير من الكتب والأفلام والدراما التلفزيونية.

رسالة من ريوما إلى أخته أوتومي تصف جزءا من فترة شهر العسل – ويقال إنه الأول في اليابان – التي قضاها مع زوجته ريو. وتضمنت كتابة ملاحظات على رسمة، تقريبا مثل كتاب إرشادي معاصر.

وقد ظهر أول فيلم يتناول حياة ريوما في عام ١٩١١. وفي وقت لاحق من نفس القرن، كتب الروائي التاريخي شيبا ريوتارو (١٩٢٣-١٩٩٦) عمله الروائي الضخم ’’ريوما غا يوكو (ريوما يذهب في طريقه)‘‘ والذي نُشر على شكل سلسلة حلقات في صحيفة سانكيي شيمبون بين عامي ١٩٦٢ و ١٩٦٦. وتم تصوير فيلم وأعمال تلفزيونية مرات عديدة مستوحاة من هذه الرواية وهو ما شكل صورة ريوما الشعبية. كما قدم العمل الأكاديمي بعنوان ’’ساكاموتو ريوما واستعادة حكم مييجي‘‘ عام 1961 من قبل الباحث الأمريكي ماريوس جانسين، ريوما إلى القرّاء الذين يتحدثون اللغة الإنكليزية، ويقال أيضا إن هذا العمل أيضا أثر على رواية شيبا.

وبإمكان زوار كيوتو العثور على مشاهد متنوعة متصلة بريوما في أنحاء المدينة، من بينها قبره في معبد ريوزين غوكوكو. ويوجد متحف ساكاموتو ريوما التذكاري في مسقط رأسه في كوتشي وهو حاليا مغلق بسبب أعمال التجديد، ولكن سيتم افتتاحه في ربيع عام ٢٠١٨.

على اليمين توجد صورة لريوما بحجمه الطبيعي وهي مقدمة من معرض برعاية شركة سوفت بانك وعادة ما تُعلق على جدار مكتب الرئيس التنفيذي للشركة سون ماسايوشي، وهو أحد المعجبين الكبار بشخصية ريوما.

(المقالة الأصلية منشورة باللغة اليابانية بتاريخ ١٣ يونيو/حزيران ٢٠١٧. الترجمة من الإنكليزية. الشكر الجزيل لمنظمي المعرض المتجول لمتحف ساكاموتو ريوما التذكاري وهو بعنوان ’’توسا كارا كيتا زييو! ساكاموتو ريوما تين (لقد جئت من توسا! معرض ساكاموتو ريوما)‘‘ على تعاونهم فيما يتعلق بالصور. النص بقلم إينوؤي يوسوكي. صورة العنوان: جزء من صورة بالحجم الطبيعي لساكاموتو ريوما مملوكة لسون ماسايوشي).

تاريخ ساكاموتو ريوما عصر إيدو