وجهات نظر صانعو التاريخ الياباني
رحلة لافكاديو هيرن نحو جوهر الروح اليابانية

كويزومي بون [نبذة عن الكاتب]

[14/02/2019] اقرأ أيضاًENGLISH | 日本語 | FRANÇAIS | ESPAÑOL |

اكتسب لافكاديو هيرن شهرته بسبب كتاباته عن اليابان في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ولا سيما قصصه عن الأشباح. وفي هذه المقالة يعطي كويزومي بون – وهو ابن حفيده – نبذة عن حياة جده الشهير.

وجهات نظر خالدة

أكثر أعمال لافكاديو هيرن (1850-1904) شهرة هي مجموعته التي تحمل عنوان ’’كوايدان: قصص ودراسات عن أشياء غريبة‘‘، والتي تتضمن قصصا كلاسيكية يابانية عن الأشباح وحكايات رعب مثل ’’قصة ميمي ناشي هوئيتشي‘‘ و’’يوكي أونّا‘‘. وهذه القصص المختارة أعمال فنية خالدة قرأت على نطاق واسع في البلاد وحول العالم. وعرض هيرن فيها مهاراته في الكتابة ورؤيته التصورية بصفته مفكرا يستنطق الحضارة المادية.

النسخة الأولى من’’كوايدان‘‘منشورة في عام 1904.

ونورد هنا أربعة تصريحات لهيرن عن وطنه الثاني اليابان.

’’أعتقد أن العظمة المستقبلية لليابان ستعتمد على الحفاظ على روحي كيوشو أو كوماموتو وعلى حب ما هو عادي وجيد وبسيط وعلى كراهية الرفاهية عديمة الجدوى والبذخ في الحياة‘‘(*1).

’’إن الدين الحقيقي لليابان، الدين لا يزال متبعا بشكل أو آخر من قبل الأمة برمتها، هو تلك العقيدة التي لطالما شكلت أساس كل دين متحضر وكل مجتمع متحضر، ألا وهو عبادة الأسلاف‘‘(*2). (اليابان: محاولة في التفسير، عام 1904).

’’يولي التعليم الياباني أهمية كبيرة للحفظ عن ظهر قلب ولا يزرع الخيال‘‘(*3).

’’عندما يتأمل المرء كيف أن اليابان تعاني من (كوارث طبيعية) تقع بنفس الطريقة بالضبط، فمن الصعب الاعتقاد أن مثل تلك الظروف الاستثنائية لم يكن لها تأثير على الشخصية القومية‘‘(*4).

كل تلك التصريحات تسلط الضوء على تحديات لا تزال متواصلة في اليابان المعاصرة، حيث تحدد الخصائص المميزة للثقافة اليابانية. ولكن لا يوجد تناقض بين وجهات النظر تلك وقصصه التي تجاوزت 70 عملا كتبها أثناء حياته عن أشباح اليابان. لقد وجد ’’نوعا من الحقيقة‘‘ في الأدب المتعلق بالقوى الخارقة وكان قادرا على فهم الجوانب الأساسية لإحدى الثقافات الأجنبية بدون استحضار مفاهيم غربية مسبقة التصور. وتمكن عبر تفتح العقل ودقة الملاحظة بكل حواسه من فهم جوهر الثقافة اليابانية وأن يستشرف الجوانب المستقبلية للبلاد. وهذه القدرة مرتبطة بعمق بخلفية هيرن ورحلة حياته عبر نصف الكرة الأرضية، والطريقة التي صاغت تجاربه عن الثقافات الأخرى تفكيره لمعارضة وجهة نظر تجاه العالم يكون الإنسان هو محورها.

من إيرلندا إلى اليابان

ولد باتريك لافكاديو هيرن في عام 1850 في ليفكادا إحدى الجزر الأيونية اليونانية. كان والده تشارلز جراحا إيرلنديا في الجيش البريطاني، بينما كانت والدته روزا من كيثيرا وهي إحدى الجزر الأيونية.

جزيرة ليفكادا اليونانية حيث مسقط رأس هيرن.

انتقل هيرن عندما كان في الثانية من العمر مع أسرته إلى منزل أسرة والده في دبلن بإيرلندا. ولكن والدته روزا عانت من اضطرابات نفسية وعادت إلى اليونان عندما كان بعمر 4 سنوات. ولم يلتقيها مرة أخرى بعد ذلك. وعكفت سارة هولمز برينان – عمة والده – على تربيته على الرغم من أن رعايته النهارية كانت من مسؤولية ممرضته كاثرين كوستيلو وهي من كونوت التي كانت أغنى المناطق في إيرلندا بلغة كيلتي التقليدية المحكية.

وفي وقت لاحق درس في مدرسة دينية في دورهام في شمال إنجلترا، ولكنه في تلك الأثناء فقد قدرته على البصر في عينه اليسرى بعد أن تلقت ضربة بكرة كريكيت. وتسبب إفلاس عمة والده في أن يقود حياة متشردة في لندن قبل أن يدرس لبعض الوقت في شمالي فرنسا. وبعمر 19 عاما، هاجر في رحلة بمفرده إلى مدينة سينسيتناتي في الولايات المتحدة.

هيرن وعمة والده سارة هولمز برينان.

من النادر ما كان هيرن يتحدث عن حياته في إيرلندا، ولكنه كتب لاحقا رسالة من طوكيو إلى الشاعر الإيرلندي ويليام بتلر ييتس جاء فيها: ’’كان لدي ممرضة من كونوت قصت علي حكيات خيالية وقصصا عن الأشباح. ولذلك لا بد أن أحب الأشياء الإيرلندية وأن أفعلها‘‘. ومن نافلة القول أن نذكر أن انجذابه إلى الأشباح الإيرلندية وقبوله بها مهد الطريق أمام تحقيقه اللاحق في قصص الأشباح اليابانية.

انتشل هيرن نفسه من الفقر في سينسيناتي ليغدو صحفيا ولكن زواجه من امرأة مختلطة العرق تسمى ألثيا فولي كان انتهاكا لقانون أوهايو الذي يمنع الاختلاط. وبعد طلاقه من فولي انتقل إلى نيو أورلينز حيث فتن هناك باندماج التقاليد الفرنسية والأفريقية والأمريكية الأصلية في الثقافة الكريولية. ونشر قاموسا للأمثال الكريولية وأول كتاب للطهي في العالم باللغة الكريولية. وزار مرارا ماري لافو التي تشتهر باسم ملكة الفودو. وأخذ ينخرط في دراسة التعاويذ والمعتقدات الشعبية للفودو التي كانت لها أصول في أفريقيا ورسخت جذورها محليا أيضا.

أثناء وجوده في نيو أورلينز، عاش هيرن في غرف مستأجرة في516  شارع بوربون (يسار). ملاحظات هيرن عندما كان صحفيا في نيو أورلينز (حقوق الصورتين لمتحف لافكاديو هيرن التذكاري).

في خضم عمل هيرن بإعداد تقارير عن المعرض العالمي في نيو أورلينز بين عامي 1884-1885 أتيحت له فرصة التعرف على الثقافة اليابانية. وقد اشترى كتابين عن الأساطير اليابانية مختصرين باللغة الفرنسية واطلع على كتاب ’’روح الشرق الأقصى‘‘ لبيرسيفال لويل. كانت تلك اللحظات التي بدأ فيها بالاهتمام بالثقافة الأساسية للشرق المجهول. وبعد ذلك قضى عامين في جزيرة مارتينيك الكاريبية التي تسيطر عليها فرنسا، حيث كان الرسام بول غوغان يعيش في البلدة المجاورة. وقد جمع ملاحظاته عن التقاليد الشعبية في الجزيرة في كتابه ’’عامان في جزر الهند الغربية الفرنسية‘‘.

وبعد عودته إلى نيويورك أسره كتاب ’’كو جي كي‘‘ لباسل هول تشامبرلين وهو ترجمة إنجليزية لمجموعة أساطير أساسية تعود إلى القرن الثامن في اليابان (كان تشامبرلين عالم لغويات بريطاني عاش في اليابان في عام 1873 وتعلم في جامعة طوكيو الإمبراطورية من عام 1886 وحتى 1890، وساهم في تأسيس الدراسات الحديثة عن اللغة اليابانية) والذي استعاره من محرر المجلة هاربر. وقرر أن الوقت قد حان للقيام برحلته إلى اليابان. وفي 4 أبريل/نيسان عام 1890، شاهد جبل فوجي لأول مرة في حياته من على سطح السفينة ’’أثيوبيا‘‘ ونزل على شاطئ يوكوهاما. وكان بعمر 39 عاما.

(*1) ^ ’’مستقبل الشرق الأقصى‘‘، محاضرة في كوماموتو بمحافظة كوماموتو في 27 يناير/كانون الثاني عام 1894.

(*2) ^ اليابان: محاولة للتفسير، عام 1904.

(*3) ^ ’’قيمة الكلية المتخيلة‘‘، محاضرة ألقيت في ماتسو بمحافظة شيماني في 26 أكتوبر/تشرين الأول من عام 1890. الجملة أعيد صياغتها من المصادر المتاحة نظرا لأن النص الأصلي لم يعد متوفرا.

(*4) ^ ’’الزلازل والطابع القومي‘‘، مقالة في نشرة كوبي في 27 أكتوبر/تشرين الأول عام 1894.

الصفحة التالية إيزومو: أرض الآلهة
كلمات مفتاحية:
  • [14/02/2019]

ابن حفيد لافكاديو هيرن ومدير متحف لافكاديو هيرن التذكاري. مدير فخري لمتحف لافكاديو هيرن التذكاري. أستاذ فخري في جامعة الكليات الصغرى في شيماني. ولد في طوكيو عام 1961. اختص بدراسات التراث الشعبي في جامعة سيئيجو عندما كان في المرحلتين الجامعة والدراسات العليا. حاصل على استحسان وزير الخارجية الياباني في عام 2017 بسبب مساهماته في التبادلات الثقافية بين اليابان وإيرلندا. من بين أعماله ’’مينزوكو غاكوشا: كويزومي ياكومو (لافكاديو هيرن بصفته خبيرا في التراث الشعبي)‘‘ و ’’كايدان يوندايكي: يوكومو نو إيتازورا (الجيل الرابع من كوايدان: أذى ياكومو)‘‘.

مقالات ذات صلة
مقالات أخرى في هذا الموضوع
  • ما وراء الشرق والغرب: أوكاكورا كاكوزو و ’’كتاب الشاي‘‘لعب أوكاكورا كاكوزو دورا حيويا في تطوير الفن الياباني الحديث خلال عصر ميجي عندما ألقت اليابان بنفسها في خضم عصر جديد من الإصلاحات الرامية إلى التشبع بالأفكار الغربية والتحول نحو الحداثة. وإلى جانب عمله كمدير لقسم الفن الصيني والياباني في متحف الفنون الجميلة في بوسطن، كان أوكاكورا أيضا من المفكرين القلائل الذين عملوا على تحقيق تناغم وتفاهم بين الثقافات الفلسفية والروحية للشرق والغرب.
  • سايغو تاكاموري: الساموراي الأخير الذي أفنى حياته من أجل نهضة اليابانحقق سايغو تاكاموري الكثير من الإنجازات في نهضة ميجي كفتح أبواب قلعة إيدو أمام جيش حكومة ميجي الجديدة من دون إراقة الدماء، وتأسيس الحكومة الجديدة وغيرها. سنقوم عبر هذا المقال بتتبع حياته الزاخرة بالأحداث، والاقتراب من تلك الشخصية.
  • أندو موموفوكو مخترع النودلز: من أصعب البدايات.. إلى أنجح النهايات!حين جلس أندو يكتب تفاصيل قصة حياته في كتابه، أكد أن كل خطوة خطاها في حياته، وكل فشل نال منه، لم يكن سوى إعداد له وتجهيز لينتج النودلز المجففة، ليساعد في القضاء على المجاعة والجوع في هذا العالم. كذلك أوضح أندو لماذا اختار حساء الدجاج تحديداً، قائلاً إن الدجاج هو المنتج الوحيد الذي لم تحرمه أي ديانة أو اعتقاد ديني، فالمسلمون لا يأكلون الخنزير، والسيخ لا يأكلون لحم البقر، وهكذا لا تجد سوى الدجاج الذي لا تحريم عليه.
  • شيبوساوا إييتشي: أبو الرأسمالية في اليابانشيبوساوا إييتشي، رائد إدارة الأعمال في عصر ميجي، أسس وساعد في إدارة أكثر من 500 بنك وشركة تجارية خلال حياته، مكتسبا شهرته كـ ‘‘أبو الرأسمالية اليابانية.’’ ولكنه أيضا آمن أن الأخلاقيات والنشاط الاقتصادي لا ينفصلان وأن المصلحة العامة يجب أن تسبق الأرباح. وشارك في حوالي 600 منظمة خدمة اجتماعية مستفيدا من تلك العقيدة. يروي متحف شيبوساوا إييتشي التذكاري بطوكيو قصة رجل الصناعة الخير هذا.
  • ناتسومي سوسيكي... رائد الرواية في اليابان الحديثة نبذة عن حياة ناتسومي سوسيكي والذي يعد أكثر الكتاب شهرة في اليابان الحديثة في الذكرى الـ١٥٠ لمولده. وكان سوسيكي قد أحدث طفرة في الأدب الياباني في أوائل القرن العشرين بفضل إجادته لكل من التعلم التقليدي للصينية الكلاسيكية واللغة الإنكليزية العصرية في ذلك الوقت. وفي أعماله الكلاسيكية مثل ’’كوكورو‘‘ تتصارع الشخصيات مع الآلام المتولدة عن الأنانية والعزلة.

المقالات الأكثر تصفحا

وجهات نظر جميع المقالات

فيديوهات مختارة

أحدث المواضيع

バナーエリア2
  • مدونات محرري nippon.com
  • اليابان في خبر
  • اليابان في سطور
  • http://www.shorouknet.com/
  • 了解(日本語ーアラビア語辞典)