وجهات نظر ”تقاليد مذهلة“ مواكبة للحياة العصرية
رحلة المثوى الأخير.. اليابان تتطلع إلى مراسم دفن مستقبلية
[04/12/2018] اقرأ أيضاًРусский |

لكل دولة طقوسها الخاصة في تشييع جنازات موتاها، وطريقة خاصة في دفنها. إذا تعمقنا في عادات وتقاليد، في هذا الموضوع نتعرف عن قرب على شكل جديد من أشكال عادات دفن الموتى في اليابان.

قبور تحمل طابع شخصي

يوافق منتصف أغسطس/ آب موسم احتفالات الأوبون، وهي عادات بوذية يسافر فيها الناس إلى المقابر حيث يرقد أسلافهم ويقوموا بتظفيف أضرحتهم وقبورهم. وقد تطور الأمر مع مرور الوقت إلى شيء أقرب لمناسبة يتجمع فيها الأهل والأقارب، حيث يسافر العديد من الأشخاص إلى مسقط رأسهم لقضاء بعض الوقت مع الآباء والأجداد والأشقاء وغيرهم من الأقارب. وعلى الرغم من أن الأوبون كان يُمارس منذ قرون عدة، إلا أن الخيارات الحديثة تجاه مراسم الجنازات تسببت في حدوث تغيرات تجاه ثقافة الدفن.

ويشمل ذلك تغيرات مادية في أشكال القبور نفسها. ويقول تاناكا ياسو، رئيس شركة (تاناكا سيكيزايتن)، وهي شركة في مدينة إيشيكاوا بمحافظة تشيبا، تعمل في مجال بيع شواهد القبور الحجرية، إن حوالي 80٪ من جميع القبور في اليابان يمكن تصنيفها على أنها يابانية التصميم. والـ 20 ٪ المتبقية من المقابر مستوحاة من الغرب.

إلا أن الاتجاهات السائدة مؤخراً فيما يتعلق بأشكال شواهد القبور التي يتم طلبها هي على العكس تماماً مما سبق؛ حيث كشف تاناكا عن أن من بين الطلبيات التي تتلقاها شركته حالياً، فإن 80٪ من الناس مهتمين بالحصول على شواهد قبور على الطراز الغربي، أما البقية فتكون من الطراز الياباني.

شاهد قبر على الطراز الياباني على اليسار، وآخر مستوحى إلى حد كبير من الطراز الغربي على اليمين.

وقد يعود أحد الأسباب وراء ارتفاع شعبية شواهد القبور الغربية الطرازإلى قصر قوامها مقارنة مع نظرائها اليابانية التصميم. فالحجم الأصغر يعني أن هناك فرصة أقل للتعرض للتلف أو الانكسار عند وقوع الكوارث الطبيعية، الأمر الذي تبين أنه يمثل مشكلة كبيرة لكثير من المقابر في أعقاب زلزال وتسونامي توهوكو المدمر عام 2011.

كما بدأت تظهر في الآونة الأخيرة أنواع أخرى من أشكال شواهد القبور، لا يابانية ولا غربية التصميم، حيث بدأ هؤلاء الذين يتطلعون إلى الاختلاف في تصميم شواهد قبورهم باختيار أشكالها على ذوقهم الخاص فيما يعرف بـ”مصممي القبور“.

وتوضح شركة (أونويا)، إحدى الشركات المتخصصة في توفير أنواع مختلفة من المقابر والنُصب التذكارية، بأن واحداً من كل أربع طلبيات تتلقاها الشركة يكون من القبور المصممة بمواصفات صاحبها.

إحدى التصميمات المقدمة من شركة (أونويا) والتي يطلق عليها ”سو“. القبر مبني من الزجاج والحجر.

وأكثر ما يلفت الانتباه حول هذه الأنواع من شواهد القبور هو أنه يمكن بناؤها من عدة أنواع مختلفة من المواد وأنها توفر مساحة من الحرية تجاه التصميم، الأمر الذي يسمح معه بوضع صور أو تذكارات أو غيرها من الأشياء الخاصة بالمتوفى في القبر. وبفضل هذه الخيارات الجديدة، فإن عدد الأشخاص الذين يصممون قبورهم بينما لا يزالون على قيد الحياة في ازدياد مستمر.

إن الرغبة المتمثلة في تجهيز كافة الاستعدادات المختلفة للمرحلة النهائية من حياة المرء أصبحت تلقى روجاً كبيراً في الآونة الأخيرة، ومسألة تحديد نوع النصب التذكاري الذي يرغب فيه المرء عند الموت أصبحت تشكل ملمحاً يشهد إقبالاً متزايداً.

حتى أن مصممي شواهد القبور بدأوا في الترويج لخصائص وخيارات يمكن إضافتها إلى القبر. وأحد هذه القبور المقدمة من شركة (إيشي نو كوي) في سلسلتها التي يطلق عليها ”تشيريشي“ يتضمن خياراً يسمح بإضافة رمز كيو آر قابل للمسح الضوئي إلى القبر نفسه.

أحد القبور المكتنزة أو الصغيرة يمكن وضعها في فناء المنزل. عند فتح الأبواب يظهر رمز الاستجابة السريعة، كيو آر كود.

وعند القيام بالمسح الضوئي لرمز الاستجابة السريعة تظهر معلومات قام المتوفى بتسجيلها بالموقع الإلكتروني قبل وفاته. وبما أن الجزء الذي يتواجد به رمز الاستجابة السريعة يتطلب مفتاح لفتحه، فلا داعي للقلق من قبل أهل الفقيد بشأن سرقة الهوية. وبوجود الصور وغيرها من المعلومات المتاحة مباشرة من القبر، فسوف يتسنى للأحفاد الذين لم يقابلوا أسلافهم شخصياً التعرف على أفراد الأسرة المتوفين.

انخفاض معدل المواليد في الأسر اليابانية مشكلة تزيد من احتمالية إزالة مقابر العائلة

على الرغم من أن عدد الأنواع المختلفة لشواهد القبور المعروضة آخذة في الازدياد، إلا أن الظروف المجتمعية التي يتفاقم وضعها مع الوقت كانخفاض معدل المواليد تسببت في مشاكل على شاكلة من سيتولى مسؤولية الحفاظ على قبور العائلة. ومع احتمالية إزالة العديد من المقابر في المستقبل، بدأت تظهر خيارات جديدة تمكن أفراد أسرة المتوفى من الحفاظ على مقابر العائلة كالمقابر المستأجرة والمقابر المنزلية.

وكما يشير الاسم، فإن المقابر المستأجرة هي خدمة لتأجير قبور تقدم عادةً فرصاً لتخليد ذكرى المتوفى لفترة محدودة من الزمن. ويقدم هذا النوع من الخدمات حلولاً للأشخاص الذين يتنقلون عبر البلاد بسبب العمل أو يريدون تفكيك القبور العائلية ولكنهم لا يزالون يرغبون في تأمين نوع من المواقع البديلة. وثمة نقطة أخرى إيجابية في خدمة القبور المستأجرة وهي أنه بخلاف رسوم الصيانة، فليست هناك حاجة لشراء قبر حجري باهظ الثمن.

وبعيداً عن المقابر المستأجرة، فقد توصلت شركة (إيشى نو كوي) إلى حل من نوع خاص لتفادي وقوع مثل هذه المشكلة، والذي يكمن في القبور الصغيرة التي يمكن وضعها داخل المنزل. وهذه القبور لا تكون قبور دفن فعلية، بل تضم رفات أفراد الأسرة المتوفين في وعاء صغير يمكن الاحتفاظ بها في المنزل. وتسمح هذه الأنواع من الخيارات بالتعامل بمزيد من المرونة من جانب أسرة المتوفى، مثل الاحتفاظ برفات المتوفين من الأقارب في أحد المعابد على سبيل الإيجار لفترة زمنية محددة قبل نقلها إلى المكان المخصص ليكون قبراً داخل المنزل. كذلك تشمل الخيارات الأخرى نقل الرفات إلى إحدى مرافق الدفن الجماعية التابعة للدور الجنائزية بعد الاحتفاظ بها في المنزل لبعض الوقت، أو القيام بعملية ”التبخير“، وهي خدمة يتم فيها طحن رفات الشخص المتوفى بدقة لدرجة تسمح معها بنثرها مباشرة في الجو.

ومؤخراً ظهرت بعض المصطلحات الحديثة في اللغة اليابانية ككلمات مثل (mēru-tomo) اختصاراً لكلمة (mēru-tomodachi) (أصدقاء عبر البريد الإلكتروني)، تعبيراً عن الأشخاص الذين غالباً ما يتواصلون عبر الإنترنت، وأيضاً (mama-tomo)، تعبيراً عن الأمهات اللاتي لديهن أطفال في نفس المدرسة ويتشاركون اجتماعيًا مع بعضهم البعض، وتمشياً مع هذا المنطلق بدأ حالياً مفهوم (haka-tomo)، أو ”رفقاء القبور“ في الانتشار. وكما يوحي الاسم، فإن ”رفقاء القبور“ هم الذين يختارون مشاركة القبر مع أحد أصدقائهم، ويتحملون نفقة القبر سوياً. حيث ظهرت الشركات التي تزور دور رعاية المسنين وغيرها من المرافق المجتمعية لإسكان وإعاشة كبار السن بحثًا عن الأشخاص الذين يرغبون في أن يتم دفنهم معًا، حتى أن هناك حالياً أندية يمكن من خلالها أن يعمّق ”رفقاء القبور“ صداقتهم وفهم بعضهم البعض قبل الوفاة ودفنهم سوياً. وقد كانت مسألة الدفن جنباً إلى جنب بين أفراد الأسرة الواحدة والأقارب أمر متعارف عليه في اليابان منذ القدم، إلا أن هذه هي المرة الأولى التي يتسع فيها المفهوم ليصل خارج نطاق الأسرة.

كما بدأت تظهر خدمات الدفن التي لا تتضمن قبرًا كبناء مادي، حيث تشمل هذه الخدمات ما أصبح يعرف باسم المقابر الافتراضية ومقابر الإنترنت.

وكانت هذه الخدمات متوفرة سابقاً من خلال مقاطع فيديو حية البث متصلة بالقبر أو ضريح العائلة باستخدام كاميرا ويب (webcam) حتى يتمكن أفراد العائلة من ”زيارة“قبور ذويهم دون القيام فعلياً بالتنقل إلى موقع القبر نفسه. ولكن ما يوجد حالياً من مثل هذه الأنواع الجديدة من المقابر الافتراضية يتم إنشاؤها والاحتفاظ بها فقط على شبكة الإنترنت دون وجود أي جانب مادي أو واقع ملموس على الإطلاق.

وتوفر المقابر الافتراضية للمتوفى فرصة لترك شيءٍ من ذكراه تخليداً لفترة حياته دون شغل أية مساحة من الأرض بعد مماته، مما يجعلها مثالية لأولئك الذين اختاروا ترتيبات دفنهم لتكون في إحدى مرافق الدفن الجماعية أو لهؤلاء الذين نُثرت رفاتهم. وهذا أيضا يعتبر خياراً آخر متاح لأولئك الذين يفكرون في تفكيك قبور عائلتهم.

نثر الرفات في الفضاء!

ومع تزايد أعداد الأشخاص الراغبين في التخلص من القبور، يختار البعض نثر رماد ذويهم. حيث يتيح لهم أحد الخيارات التي أصبحت متاحة مؤخرًا إرسال رفات أحبائهم إلى الفضاء الخارجي ونثر رمادهم هناك.

وتقدم شركة (جينجا ستيج)، إحدر الشركات المتخصصة في مثل ذلك النوع من الخدمات عروضاً مختلفة لخيارات متاحة لراغبي نثر رفات ذويهم، وحالياً تقدم لعملائها مراسم للدفن في الفضاء الخارجي. حيث يتم تحويل بقايا المتوفى إلى مسحوق، وتُحمَّل على صاروخ، ثم يتم إطلاقها في الفضاء العظيم المجهول.

كبسولات تحتوي على بقايا أحد الأشخاص وشهادة تصريح بإطلاق الصاروخ.

في الإجراءات المتبعة عادة عند إرسال الرفات إلى الفضاء الخارجي، يتم تعبئة جزء من الرفات في كبسولة يتم تحميلها بعد ذلك في أحد الصواريخ. وبعد الوصول إلى الفضاء الخارجي تتساقط الكبسولات تدريجيا عائدة إلى الأرض، حيث تحترق بالكامل عند الدخول مجدداً في الغلاف الجوي. وقد بدء تقديم هذه العروض ”كرحلة أخيرة للمتوفى في سماء الفضاء الشاسع حتى ولو لفترة وجيزة“. وبالفعل تم إرسال رفات خمسة أشخاص على صاروخين منذ بدء إطلاق العروض لأول مرة في عام 2014. ويوجد حالياً 25 حالة أخرى في إنتظار إنطلاق الصاروخ القادم. وبينما اختار عدد قليل جداّ من اليابانيين إرسال رفاتهم من الأرض إلى الفضاء، اختار أكثر من 1200 شخص من جميع أنحاء العالم إرسال رفاتهم إلى آفاق جديدة.

وفيما يتعلق بالتكلفة، فإن رحلة الفضاء الخارجي القياسية، والتي تعنى إرسال غراماً واحداً من رماد الشخص المتوفى إلى الفضاء، تبلغ تكلفتها 450,000 ين ياباني (حوالي 4000 دولار أمريكي). أما أولئك الذين يختارون ”رحلة استكشاف الفضاء“ والتي يتم فيها إرسال الكبسولة بعيداً عن متناول الجاذبية الأرضية بالكامل، فسيضطرون إلى دفع مبلغ 2,5 مليون ين ياباني (حوالي 221,000 دولار أمريكي) لكي تهيم رفاتهم بين النجوم.

ووفقا لمسؤولي شركة (جينجا ستيج) فإن عدد الأشخاص الذين يختارون أماكن دفهنم بعيداً عن المتعارف عليه من القبور الاعتيادية قد زاد بشكل كبير. وتأمل الشركة في أن تتمكن في المستقبل من استخدام الصواريخ اليابانية التي يتم إطلاقها محليًا، مما يمنح المزيد من العملاء إمكانية الوصول بسهولة إلى الرحلة الأخيرة.

وفي النهاية يمكن القول بأن جميع أنواع الخيارات متاحة في الوقت الحاضر للأشخاص الذين يفكرون في مثواهم الأخير، مما يمنح المتوفين رحلة أخيرة تليق بشخصيتهم أو يسمح للعائلات الثكلى بالحفاظ على اتصال وثيق بأفراد أسرهم حتى بعد الممات.

(النص الأصلي نشر باللغة اليابانية على FNN Prime في الثالث عشر من أغسطس/ آب 2018، والترجمة من اللغة الإنكليزية من إعداد فريق عمل Nippon.com)

https://www.fnn.jp

(جميع الحقوق محفوظة لشبكة فوجي نيوز الإخبارية)

  • [04/12/2018]
مقالات ذات صلة
مقالات أخرى في هذا الموضوع
  • يوم في حياة مصارعي السوموتعد إسطبلات السومو هي أماكن إقامة مشتركة لمصارعي السومو يقيمون بها بينما يجدون في تدريباتهم. قمنا بزيارة إسطبل تاكاداغاوا الموجود في محطة كيوسومي شيراكاوا بطوكيو، وتابعنا التدريبات الصعبة التي تبدأ من الصباح الباكر، ومصارعي السومو أثناء استراحتهم بعد هذه التدريبات.
  • تاريخ مقاعد التدليك اليابانية"مقاعد التدليك" التي تقوم بتخفيف إرهاق الإنسان المعاصر المشغول. أصبحت شائعة في الوقت الحالي في البيوت، والفنادق، وصالات الرياضة والمنشآت الطبية. قمنا بإجراء حوار حول تاريخ تطورها والخواص الجديدة بها مع شركة "فوجي لأجهزة الطبية" (المقر الرئيسي: مدينة أوساكا حي تشوؤو) التي تحتل قمة هذا المجال حاليًا.
  • مشغولات الخيزران الحرفية بكيوتو: عالم من الدقة والأناقة تستخدم الفنانة أوغورا شيمي التي تتخذ من مدينة كيوتو مقرا لها الأساليب الحرفية القديمة لتشكيل الخيزران أو البامبو (نبات عملاق ذو جذوع شبه خشبية) في عمل مشغولات دقيقة تشبه الدانتيل منتجة إكسسوارات وزخارف آسرة. وقد ظهرت مشغولاتها اليدوية المصنوعة من الخيزران التقليدي في المجلات وعُرضت في جميع أنحاء اليابان وخارجها.
  • أشهر مقاتل نينجا في العالم يكشف أسرارهاالمؤسسة الدولية للفنون القتالية "بوجينكان" التي لا تفتأ عن التحاق الأجانب بها طلبًا لاكتساب تقاليد تلك الفنون. فيتوافدون من شتى بقاع العالم إلى مدينة نودا بمحافظة تشيبا حيث تقع مدرسة الفنون، شغفًا في تلقي تعاليم "فنون مذهب توغاكوري ريو القتالية" على يد مؤسسها السيد هاتسومي ماساآكي (86 عامًا). وما لفت الانتباه عندئذٍ أنها تختلف شكلًا وموضوعًا عما نراه في الأفلام السنيمائية وأفلام الرسوم المتحركة لمقاتلي النينجا، فقد كانت عالمًا ذو أعماق بعيدة.
  • تعرف على كلب أكيتا أشهر سلالات الكلاب اليابانيةسيكون عام 2018 ”عام الكلب (إينو دوشي)“، وبمناسبة ذلك نود التعريف بكلب أكيتا والذي يعتبر أكبر كلب من بين سلالات الكلاب اليابانية المحلية. ومن أجل التعرف على جاذبية هذا الكلب الذي تزداد شعبيته في جميع أنحاء العالم وفي أوروبا خصوصا، قمنا بزيارة متجر ناكاغاوا للكلاب الداجنة في مدينة أوساكا والذي قام بالكثير من عمليات تصدير هذا الكلب إلى خارج اليابان.

المقالات الأكثر تصفحا

وجهات نظر جميع المقالات

فيديوهات مختارة

バナーエリア2
  • مدونات محرري nippon.com
  • اليابان في خبر
  • اليابان في سطور
  • http://www.shorouknet.com/
  • 了解(日本語ーアラビア語辞典)