وسائل الإعلام اليابانية بين اللامبالاة الشعبية وانعدام الثقة

هاياشي كاوري [نبذة عن الكاتب]

[12/05/2018] اقرأ أيضاًENGLISH | 日本語 | 简体字 | 繁體字 | ESPAÑOL |

يشهد مصطلح ’’الأخبار الملفقة‘‘ (فيك نيوز) انتشارا على المستوى العالمي، كما أن انعدام الثقة بكل من وسائل الإعلام التقليدية ومصادر الأخبار على شبكة الإنترنت آخذ في التنامي. ولكن أجهزة الإعلام في اليابان – على خلاف أماكن أخرى – تتجنب بشكل عام الدخول في مسائل مثيرة للجدل أو التحزب، وهو ما يجعل مصدر القلق الرئيسي ليس انعدام الثقة الشعبية وإنما اللامبالاة الشعبية.

شهدت السنوات الأخيرة تناميا في انتشار ’’الأخبار الملفقة‘‘ أو ما يطلق عليه (فيك نيوز) عبر موقع فيسبوك وغيره من المنصات المختلفة على شبكة الإنترنت. ويتعارض هذا التضليل مع قدرة المواطنين على اكتساب معلومات دقيقة بشأن السياسات الضرورية لعمل الديمقراطية. وفي غضون ذلك، دأب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على استخدام مصطلح ’’أخبار ملفقة‘‘ كوسم للقصص الإعلامية التي تثير استياءه. وقد اُشتهر هذا التعبير، وتزعزعت الثقة بالمعلومات التي تبثها وسائل الإعلام. ويبدو أن انعدام الثقة في وسائل الإعلام آخذ في التزايد والارتفاع في كافة أرجاء العالم.

وفي اليابان أيضا غالبا ما نسمع عن انعدام الثقة في وسائل الإعلام. ولكن الوضع هنا مختلف فيما يبدو نوعا ما عما هو عليه الحال في الدول الغربية. وفي هذه المقالة سأسلط الضوء على النسخة اليابانية من انعدام الثقة في وسائل الإعلام وكيف أنه يختلف عن انعدام الثقة في الدول الأخرى وما إذا كان يُظهر بعض الاتجاهات المماثلة. وجزء من محتوى المقالة مستمد من كتابي لعام 2017 وهو بعنوان ’’ميديا فوشين: ناني غا توواريتي إيرو نوكا (انعدم الثقة في وسائل الإعلام: ما هو السبب)‘‘.

استقراء توجهات مشاعر الشعب

في تقريره عن الأخبار الإلكترونية لعام 2017، عزى معهد رويترز لدراسة الصحافة التابع لجامعة أوكسفورد، انعدام الثقة في وسائل الإعلام إلى استقطاب سياسي محلي عميق والتصورات الناجمة عن التحيز في وسائل الإعلام الرئيسية. إن ارتفاع مستوى انعدام الثقة في وسائل الإعلام يترافق مع زيادة النزعة الأيديولوجية وتعاظم النقاش السياسي.

وفي الحالة اليابانية، فإن معظم الأجهزة الإعلامية التقليدية تتبنى أسلوبا إخباريا مقيدا يهدف إلى عدم التحيز والحيادية، ونادرا ما تنخرط في قضايا مثيرة للجدل. وهذا ما جعلها هدفا لانتقادات أجنبية، فقد انتقدها ممثلو وسائل إعلام غربية لكونها أبواق حكومية، ولا تقدم رسائل واضحة خاصة بها. ويصنفها التقييم الغربي بأنها مداهنة للحكومة اليابانية.

ولا تفتقر اليابان إلى وجود مواضيع مثيرة للجدل. ومن بين الأمثلة التي تدلل على ذلك، قضية ’’بوراكو (التحيز المستند إلى النسب المتدني)‘‘ والتمييز ضد الكوريين، واستخدام الطاقة النووية، وتفسيرات التاريخ، ودور العائلة الإمبراطورية، واستمرار تطبيق عقوبة الإعدام. ولكن الصحافة تميل للابتعاد عن مثل تلك القضايا المثيرة للجدل بدلا من الدخول في نقاشات حامية الوطيس.

في قائمة أشهر الكلمات المستخدمة في اليابان لعام 2017، جاءت كلمة ’’سونتاكو (التصرف بناء على رغبات الآخرين غير المعلنة)‘‘ في المرتبة الأولى. لقد عاد هذا المصطلح الذي اندثر في الماضي إلى الأضواء مجددا العام الماضي مع تكشف فضيحتين سياسيتين تمحورتا حول شبهات بإعطاء معاملة تفضيلية لأشخاص لهم صلات خاصة برئيس الوزراء، ليس لأنه وجه تعليمات صريحة للقيام بذلك بل لأنهم اعتقدوا أنها رغبته. وفي الحقيقة فإن كلمة ’’سونتاكو‘‘ هي تعبير مثالي عن الطريقة التي يعمل بها الجهاز الإداري والسياسي الهرمي في اليابان على نحو صارم، حيث يجتهد المرؤوسون في تنفيذ ما يعتقدون أنها رغبات رؤسائهم. ويمكن رؤية هذا النوع من السلوك أيضا في وسائل الإعلام اليابانية، حيث توجد ثقافة قوية لاستقراء توجهات المشاعر الشعبية وتجنب الدخول في مواجهة غير ضرورية. ومن خلال تبني هذا الموقف المذعن، تصبح الأجهزة الإعلامية من الناحية الفعلية ممثلة للأغلبية ومعززة للوحدة الوطنية.

وربما نتيجة هذا التجنب من قبل وسائل الإعلام لإثارة جدال، لا تظهر اليابان استقطابا للآراء السياسية الذي يشاهد على نطاق واسع في أماكن أخرى، وبالتالي لا يبدو أنه لدينا ذلك النوع من انعدام الثقة في وسائل الإعلام كما حدده تقرير الأنباء الإلكترونية لعام 2017 لمعهد رويترز لدراسة الصحافة. إن أعداد الصحف الموزعة في هذا البلد أعلى بكثير من أي مكان آخر في العالم، فقد ذكرت جمعية ناشري ومحرري الصحف في اليابان أن أكثر من 40 مليون جريدة تُطبع يوميا. وطبقا لمسح أجرته هيئة البث اليابانية NHK فإن الناس يشاهدون التلفاز لمدة 4 ساعات تقريبا يوميا. وبعبارة أخرى، لا تزال وسائل الإعلام التقليدية تحظى بشريحة كبيرة من المتابعين. ولكن هذا وحده لا يشكل دليلا على ثقة الشعب بوسائل الإعلام.

التنافس على حصة في السوق

لقد دأب ناشرو الصحف وقنوات البث التلفزيوني اليابانية على تصميم محتويات صفحاتهم وبرامجهم لمخاطبة القراء والمشاهدين المنصاعين نسبيًا، وبهذه الطريقة سعوا للحيلولة دون تراجع أعداد الصحف التي يوزعوها وانخفاض مستويات المشاهدة. إنهم يلعبون بطريقة آمنة حيث يتجنبون المخاطر من خلال توفير تغطية مباشرة للمعلومات المفصح عنها رسميًا من مصادر الحكومة والأعمال. وعندما ينظرون ما وراء الأخبار لتقديم التحليل، فإنهم يحاولون أن يجعلونه مسليا، ويهدفون إلى تقديم مستوى يمكن أن يفهمه حتى طلاب المرحلة الإعدادية. وهنا لا نجد التبادلات الحيوية للآراء المتضاربة التي يدلي بها خبراء مثل تلك التي نشاهدها في قسم افتتاحية الرأي من صحيفة نيويورك تايمز أو التقارير البحثية الطويلة والمثيرة المنشورة بالكامل في الصحف الأوروبية المرموقة. وعلى نفس المنوال، من غير المرجح أن تنشر الصحف اليومية اليابانية الكبرى مثل هذا النوع من القصص غير الأخلاقية والمؤججة للمشاعر والمنسوبة إلى مصادر مريبة كالتي نراها في الصحف البريطانية اليومية التي تخاطب عامة القراء.

وتشترط المادة 4 من قانون البث الإذاعي أن تكون البرامج ’’منصفة من الناحية السياسية‘‘. في شهر فبراير/شباط من عام 2016، أثارت وزيرة الشؤون الداخلية والاتصالات آنذاك تاكايئيتشي ساناي ضجة عندما أشارت إلى إمكانية تعليق بث محطات إذاعية أجرت بشكل متكرر برامج تفتقر إلى النزاهة السياسية. وفي السنوات الأخيرة تمت إزاحة عدد من المذيعين والمعلقين الشهرين والمميزين من أماكن عملهم الاعتيادية في برامج تلفزيونية وبرامج إخبارية، كما أصبح مذيعو الأخبار بشكل ملاحظ أكثر حذرا فيما يقدمونه. وكما تشير هذه التطورات فإن محطات البث اليابانية تخشى أن يتم اتهامها بأنها ’’منحازة‘‘.

إن اليابان بلد ليبرالي رأسمالي حيث حرية الرأي والتعبير فيه مصانة بقوة القانون. ولكن على مدى عقود طويلة طرأ تغير طفيف في تشكيلة كبرى ناشري الصحف ووسائل البث التلفزيوني. وتقوم نفس المجموعة من وسائل الإعلام الرئيسية بإنتاج قصص وبرامج ضمن نفس أطر العمل الضيقة، وتستقرئ توجهات المشاعر الشعبية وتكافح من أجل الحفاظ على صورتها كشركات صديقة للشعب. كما تتنافس أجهزة الإعلام اليابانية بشدة على حصتها في السوق من خلال السعي إلى التمييز بينها وبين منافسيها ولكن ضمن إطار المعايير المقبولة لمؤسسات الصحافة والبث فحسب.

اللامبالاة بدلا من عدم الثقة

تظهر نتائج المسح الواردة في تقرير الأنباء الإلكترونية لعام 2017 لمعهد رويترز لدراسة الصحافة أن مستوى الثقة الشعبية في وسائل الإعلام اليابانية ليس في الحقيقة مرتفعا كثيرا مقارنة بدول أخرى. ولدى سؤالهم ما إذا كانوا يعتقدون ’’أنه باستطاعتكم الوثوق بمعظم الأنباء في أغلب الأحيان‘‘، أجاب 43% من اليابانيين المستجيبين للمسح بنعم. وبهذا المقياس حلّت اليابان في المركز الـ17 من بين المناطق الـ36 التي شملها المسح، لتأتي بعد بريطانيا مباشرة (التي كانت فيها نسبة الإجابة بنعم 43% أيضا). وحلّت ألمانيا بالمركز السابع بنسبة 50% بينما جاءت الولايات المتحدة في المركز الـ28 بنسبة 38%.

هناك نتيجة أكثر إثارة تتعلق بثقة الناس في وسائل الإعلام التي يتابعونها بأنفسهم. فعندما سئلوا ما إذا كانوا يعتقدون أنه ’’يمكنني الوثوق بمعظم الأخبار التي أتلقاها معظم الوقت‘‘ أجاب 44% من اليابانيين بنعم. وقد كانت هذه النسبة مطابقة تقريبا لنسبة 43% الذين قالوا إنهم يثقون بالأخبار بشكل عام، لكن الترتيب العالمي لليابان بهذا المقياس كان أقل بكثير، فقد حلت في المركز الـ28 من أصل 36. وهذا يتناقض مع نتائج الدول الثلاثة الأخرى المذكورة أعلاه، حيث كان ترتيبها بشأن ’’الأخبار التي أتلقاها‘‘ أعلى بشكل ملحوظ من ترتيبها فيما يتعلق بالثقة بالأنباء بشكل عام. فقد احتلت بريطانيا المركز الـ19 بنسبة 51%، وألمانيا المركز الـ6 بنسبة 58%، والولايات المتحدة في المركز الـ13 بنسبة 53%.

ولكن لماذا النسبة الخاصة بثقة الشعب الياباني في وسائل الإعلام بشكل عام متقاربة جدا مع نسبة ثقتهم في وسائل الإعلام التي يتلقونها؟ يمكننا أن نرجع السبب إلى أنهم عمليا يرون أنه لا فرق بين مختلف أجهزة الإعلام. وبالنظر إلى هذا المفهوم فإنهم لا يكلفون أنفسهم عناء البحث عن وسائل الإعلام التي تتوافق مع وجهات نظرهم. ويبدون اهتماما قليلا بتوجهات الإعلام.

وعلى ضوء هذه البيانات، فإن مصدر القلق الرئيسي في حالة اليابان ليس انعدام الثقة الشعبية بوسائل الإعلام وإنما اللامبالاة بها. وبالتالي، فإنهم عرضة لأن يكونوا غير مبالين بمجتمعهم.

كانت استجابة وسائل الإعلام لحركة ’’مي تو (أنا أيضا)‘‘ ضد التحرش الجنسي التي برزت في العام الماضي فاترة مقارنة بالنشاط الحيوي الذي ولدته حركة المرأة في وسائل الإعلام الاجتماعية في اليابان. ويعد هذا مثالا على الطريقة التي تميل بها وسائل الإعلام اليابانية إلى أن تكون رتيبة حتى في تغطيتها للمواضيع الرئيسية في النقاش العالمي. بدا أن أجهزة الإعلام مترددة في اعتبار التحرش الجنسي قضية اجتماعية بارزة جديدة. قد لا يكون في اليابان ذلك النوع من انعدام الثقة الشديد في وسائل الإعلام والاستقطاب الاجتماعي الذي يشاهد في العديد من البلدان الأخرى، ولكن وسائل الإعلام هنا لا تظهر سوى القليل من المبادرة في متابعة قضايا جادة تؤثر على مجتمعنا الديمقراطي ومعالجتها باهتمام بمشاركة الشعب.

كلمات مفتاحية:
  • [12/05/2018]

أستاذة دراسات المعلومات في جامعة طوكيو. حصلت على درجة الدكتوراه في الدراسات الاجتماعية والمعلومات من جامعة طوكيو. مراسلة الشؤون الاقتصادية لمكتب رويترز في اليابان وزميلة باحثة في جامعة هومبولت بامبرغ في ألمانيا. تشغل حاليا منصب عضو في مجلس إدارة المعهد الألماني للدراسات اليابانية وباحثة في معهد اساهي شيمبون للصحافة. من أعمالها أونا / كودومو نو جورناليزم (الصحافة للمرأة والطفل).

مقالات ذات صلة
أحدث المقالات

المقالات الأكثر تصفحا

منوعات جميع المقالات

فيديوهات مختارة

バナーエリア2
  • مدونات محرري nippon.com
  • اليابان في خبر
  • اليابان في سطور
  • http://www.shorouknet.com/
  • 了解(日本語ーアラビア語辞典)