تحديات تعليم اليابانية للأجانب... بين الحواجز اللغوية والاندماج المجتمعي
من اللغة إلى الاندماج… مدارس في اليابان تعزّز مهارات الاستقلال لدى الطلاب الأجانب
التعليم الياباني- English
- 日本語
- 简体字
- 繁體字
- Français
- Español
- العربية
- Русский
دروس تهدف إلى تحقيق الاستقلال الاجتماعي
لم تقتصر الأحاديث داخل الصف على اللغة اليابانية فحسب، بل ترددت أيضًا لغات متعددة مثل الإنكليزية والتاغالوغية والبرتغالية.
قال أحد الطلاب: «هذه نسخة مُعاد صياغتها من قصة امرأة الثلج، حيث يموت الرجل في البداية ثم يعود في النهاية على هيئة زومبي». وقال آخر: «هذه المسرحية مزيج من موموتارو اليابانية وسندريلا، لذا من الصعب تحديد نهاية لها».
جرت هذه الحوارات خلال حصة ”اللغة اليابانية II“ في ثانوية تونو، والمخصصة لطلاب السنة الثانية الذين يحتاجون إلى دعم لغوي. كان موضوع الدرس هو ”القراءة المكثفة من خلال المسرح“، حيث عمل الطلاب ضمن مجموعات على كتابة نصوصهم الخاصة، في تجربة تجمع بين تعلم اللغة وتنمية الإبداع والعمل الجماعي.

نص مسرحي كتبه الطلاب الأجانب في ثانوية تونو.
يعيد الطلاب صياغة الحكايات الشعبية والروايات التي قرؤوها في دروس اللغة اليابانية خلال السنتين الأول والثانية، ويبنون عليها قصصًا جديدة ليؤلفوا نصوصًا مسرحية أصلية. ويُشترط أن يضيفوا حبكة خاصة بهم إلى القصص المعروفة. ومن خلال محاولاتهم المتكررة لجعل أعمالهم ممتعة للمشاهدين، يطوّرون مهاراتهم اللغوية. أما المعلمون فيقدّمون الإرشاد لكل مجموعة بحسب مستوى تقدمها وظروفها.
وتبدأ المجموعات التي تنتهي من كتابة النصوص في التدرب على الأداء المسرحي، وفي المرحلة النهائية تُصوَّر العروض وتُحوَّل إلى مقاطع فيديو، تُقيَّم من قبل معلمي المدرسة وطلاب من مدارس ثانوية أخرى.
وتوضح المساعدة التعليمية الأستاذة وادا ساتومي، المسؤولة عن هذا البرنامج، أهدافه قائلة ”من خلال كتابة النصوص باللغة اليابانية وتمثيلها بأنفسهم، يكتسب الطلاب القدرة على تخيّل مشاعر الشخصيات. كما نحرص في هذه الدروس على تنمية مهارة إيصال الفكرة بوضوح من منظور المشاهد، إضافة إلى القدرة على صياغة القصة باللغة اليابانية بشكل متماسك”.
كما يركّز البرنامج على إنجاز العروض المسرحية ومقاطع الفيديو ضمن الفترة المحددة، لما لذلك من دور في ترسيخ أهمية الالتزام بالمواعيد، وهي قيمة تحظى بتقدير كبير في المجتمع الياباني. ومن خلال هذه التجربة، يسهم البرنامج في دعم اندماج الطلاب في المجتمع وتعزيز استقلاليتهم.

يسهم العمل على إعداد المسرحيات ومقاطع الفيديو وفق جدول زمني محدد في تعلّم قواعد الانضباط والمعايير السائدة في المجتمع الياباني
الزيادة الطبيعية في عدد الطلاب من أصول أجنبية
تقع ثانوية تونو في بلدة ميتاكي، التي ازدهرت في الماضي كمحطة استراحة على طريق ناكاسيندو، وهي مدرسة عريقة تأسست عام 1896. ويبلغ إجمالي عدد طلابها في المراحل الثلاث 360 طالبًا. وتعتمد المدرسة نظام النقاط الدراسية ضمن ثماني مسارات تخصصية، هي: العلوم الإنسانية والاجتماعية، الدراسات الدولية، الثقافة اليابانية، المعيشة، العلوم والأبحاث، الأبحاث المحلية، إدارة الأعمال، والصناعات الحرفية، مما يتيح للطلاب اختيار المواد الدراسية وفق اهتماماتهم وخططهم المستقبلية.
بدأت المدرسة استقبال طلاب من أصول أجنبية لأول مرة في العام الدراسي 2006، ومنذ ذلك الحين استمرت أعدادهم في الزيادة عامًا بعد عام. ففي عام 2024 بلغ عددهم 189 طالبًا، بينما تجاوز 200 طالب في عام 2025، ليشكلوا نحو 62% من إجمالي طلاب المدرسة. وتأتي الفلبين في مقدمة الجنسيات، تليها البرازيل ونيبال وغيرها. ويرتدي جميع الطلاب، بغضّ النظر عن خلفياتهم، الزي المدرسي الموحد ويعيشون حياتهم الدراسية معًا.
ويُعزى هذا التزايد إلى وجود عدد كبير من الأجانب العاملين في مصانع كبرى مرتبطة بصناعة السيارات في المنطقة، إلى جانب تعزيز نظام دعم الطلاب من أصول أجنبية. ويشير نائب المدير، الأستاذ تسوتشيموتو شيغيرو، إلى ”أن هذا التغيّر لم يكن نتيجة مبادرة مباشرة من المدرسة، بل جاء بشكل طبيعي تبعًا لخصائص المنطقة، إضافة إلى تطور دعم مجلس التعليم في المحافظة“.
اكتساب المهارات اللازمة للاعتماد على الذات في المجتمع الياباني
توفر المدرسة نظام دعم متكامل للطلاب من أصول أجنبية. فقد تم تخصيص صفّين في السنة الأولى وصف واحد في السنة الثانية ضمن ما يُعرف باسم ”الفصول الدولية“، بهدف دعم الطلاب الذين يحتاجون إلى تعليم في اللغة اليابانية. أما في السنة الثالثة، فلا توجد فصول دولية، حيث يدرس جميع الطلاب معًا ضمن صفوف موحّدة. وتهدف المدرسة، خلال السنوات الثلاث من المرحلة الثانوية، إلى تمكين الطلاب من استخدام اللغة اليابانية في حياتهم اليومية، بما يؤهلهم لمتابعة دراستهم أو دخول سوق العمل داخل اليابان.
وعلى صعيد الكادر التعليمي، تم في عام 2022 إنشاء قسم خاص تحت اسم ”القسم الدولي“، يتولى دعم الطلاب من أصول أجنبية، بما في ذلك إدارة دروس اللغة اليابانية والتواصل مع أولياء الأمور، ويضم الطاقم معلمًا متخصصًا واحدًا في اللغة الإنجليزية، ومعلمًا آخر يحمل مؤهلات لتدريس اللغة اليابانية، إضافة إلى خمسة مساعدين موفدين من محافظة غيفو، اثنان للغة البرتغالية، واثنان للغة التاغالوغية، وواحد للغة الصينية، ويتولون بشكل أساسي دعم طلاب السنة الأولى داخل الحصص الدراسية.
ولا تقتصر دروس اللغة اليابانية على تعليم القواعد والمفردات فحسب، بل تتميز بتركيزها على تنمية المهارات اللازمة للاعتماد على الذات في المجتمع في اليابان. كما تُصمَّم البرامج التعليمية بالتعاون مع جهات أكاديمية متخصصة في الجامعات، وتواصل ثانوية تونو تطوير نهجها الخاص في تعليم اللغة اليابانية بشكل مستمر.
وفي السنة الأولى، يتعلم الطلاب في مادة ”اللغة اليابانية Ⅰ“ مهارات القراءة والكتابة من خلال قراءة موسعة للقصص اليابانية، بينما يركّز طلاب السنة الثانية في مادة ”اللغة اليابانية Ⅱ“ على إنتاج أعمال مسرحية ومقاطع فيديو. أما في السنة الثالثة، فتتضمن مادة ”اللغة اليابانية Ⅲ“ عرض هذه الأعمال في المدارس الابتدائية والإعدادية المحلية، والتواصل مع الطلاب باللغة اليابانية. ومن خلال تقديم أعمالهم للجمهور خارج المدرسة، يهدف البرنامج إلى تنمية معارفهم وسلوكياتهم بوصفهم أعضاء فاعلين في المجتمع الياباني.

كُتب دراسية تُستخدم في دروس المسرح القائم على القراءة الموسعة باللغة اليابانية في ثانوية تونو. يتم توظيف القصص التي يتعلمها الطلاب وتحويلها إلى أعمال مسرحية ومقاطع فيديو.
وتتضمن دروس السنة الثالثة أيضًا جوانب تطبيقية أكثر ارتباطًا بتشكيل المسار المهني بشكل ملموس، إذ لا يقتصر الأمر على تعلّم كيفية كتابة دوافع التقديم باللغة اليابانية للالتحاق بالعمل أو الدراسة، بل تُنظَّم كذلك مقابلات تجريبية بحضور موظفين من إدارة الهجرة كمحاورين، وتتم في أجواء تحاكي الواقع بكل ما تحمله من توتر وجدية.
وتنعكس آراء الطلاب أحيانًا في محتوى الدروس أيضًا. وتوضح المساعدة التعليمية الأستاذة وادا ساتومي ذلك قائلة ”من بين الموضوعات الشائعة التي يرغب الطلاب في تعلمها، اللغة اليابانية المتعلقة بقيادة السيارات“. ويعبّر الطلاب عن ذلك بقولهم ”نريد أن نتمكن من شرح الوضع باللغة اليابانية عند وقوع حادث“، و”نود تعلم مصطلحات المرور مثل المسار الواحد والطريق باتجاه واحد“. ومن هذه الاحتياجات الملحّة، نشأ أسلوب تعلّم عملي قائم على التمثيل، حيث يتدرب الطلاب على مواقف واقعية بمشاركة معلمين يؤدّون دور الشرطة.

المساعدة التعليمية الأستاذة وادا ساتومي (في الخلف وسط الصورة) وهي تصغي باهتمام إلى آراء الطلاب في أحد دروس اللغة اليابانية في ثانوية تونو.
يقول أحد الطلاب مبتسمًا ”إن أصدقائي جميعهم ينحدرون من أصول مختلفة، ولكل واحد منهم آراء متنوعة، وهذا ما يجعل الأمر ممتعًا“. وفي داخل المدرسة تتداخل اللغة الأم مع اللغة اليابانية بشكل يومي، حيث يتعلم الطلاب من بعضهم البعض بدافع الاهتمام والفضول، ويُعدّ ذلك طريقًا سريعًا لاكتساب مهارات التعبير وتنمية المفردات.
ويتحدث مدير المدرسة فوتامورا فوميتوشي بثقة كبيرة قائلًا ”تجمع ثانوية تونو طلابًا من خلفيات ثقافية ودول مختلفة، حيث تتقاطع لغات متعددة وعادات متنوعة وطرق تفكير مختلفة، ونعتقد أن هذه البيئة تمثل مساحة تعليمية لا تُقدّر بثمن للطلاب، وتشكل قوة تدفعهم نحو نمو كبير“.
%85 من الطلاب يتابعون دراستهم أو يحصلون على وظائف رسمية
تنعكس فعالية هذا النهج التعليمي في الأرقام أيضًا، إذ تبلغ نسبة الطلاب من أصول أجنبية الذين يتجهون بعد التخرج إلى متابعة الدراسة أو الالتحاق بوظائف رسمية 85%، ويتوزعون تقريبًا بالتساوي بين المسارين. أما من يواصلون دراستهم، فيتجهون إلى خيارات متنوعة، تشمل كليات اللغات الأجنبية في الجامعات، والمعاهد المهنية، وحتى جامعات في بلدانهم الأصلية. وعلى المستوى الوطني، تشير بعض البيانات إلى أن نحو 10% من طلاب المرحلة الثانوية من أصول أجنبية الذين يحتاجون إلى دعم في اللغة اليابانية لا يتجهون لا إلى العمل ولا إلى الدراسة، بينما يعمل نحو 40% منهم في وظائف غير منتظمة، ويبلغ معدل التسرب من الدراسة قرابة 10%. ومع ذلك، ينجح معظم طلاب ثانوية تونو في تحقيق المسار الذي يطمحون إليه. ورغم وجود حالات يتجه فيها بعض الطلاب إلى العمل غير المنتظم بناءً على نصائح من أسرهم، أو يتركون الدراسة أو يعودون إلى بلدانهم، فإن هذه الحالات تبقى محدودة.
ويوضح نائب المدير تسوتشيموتو شيغيرو قائلًا ”إن الطلاب من أصول أجنبية يتمكنون من خلال التخرج من المرحلة الثانوية من الحصول على فرص للعمل كموظفين بدوام كامل في اليابان أو متابعة دراستهم، وهدفنا ودورنا هو إعدادهم ليصلوا إلى هذه المرحلة، ومن خلال التعليم الثانوي نُسهم في تحقيق التعايش بين الثقافات المتعددة“.
ويساعد هذا النهج التعليمي على تجاوز حاجز اللغة، ويدعم التكيف مع المجتمع الياباني، ومتابعة الدراسة أو الالتحاق بالعمل، وصولًا إلى حياة مستقلة. وقد حظي هذا الأسلوب المتقدم في التعليم بتقدير رسمي، إذ نال في عام 2019 جائزة المدارس المتميزة في التعليم المهني من وزارة التعليم والثقافة والرياضة والعلوم والتكنولوجيا.
وفي ظل المجتمع الياباني الذي يشهد تزايدًا مستمرًا في عدد السكان من أصول أجنبية، تُعد تجربة المدرسة في تقديم تعليم عملي للغة اليابانية نموذجًا يمكن أن تستفيد منه مناطق ومدارس أخرى تسعى إلى تعزيز بناء مجتمع قائم على التعايش المشترك.
*الصور من تصوير الكاتب
*المعلومات المتعلقة بنظام المدرسة ومستويات الطلاب وفقًا لأرقام العام الدراسي 2025
(النص الأصلي باللغة اليابانية، صورة العنوان الرئيسي: طلاب ثانوية تونو ينمّون مهارات التعبير باللغة اليابانية من خلال دروس إعداد المسرحيات)
