مبدأ التعاون الدولي وقضية الدفاع الذاتي الجماعي

وإذا ما نظرنا إلى الوراء في تاريخ الفكر لفترة ما بعد الحرب، نجد أنه حتى في الوقت الذي اعتمد فيه الدستور الحالي، فقد اتخذ البعض الموقف القائل بأن حق الدفاع الذاتي الجماعي يسير وفق مبدأ التعاون الدولي المنصوص عليه في الوثيقة. وهذا تعبيرٌ جيدٌ لوجهة النظر هذه نجدهُ في الكلمة التي ألقاها ”نانبارا شيجيرو“ (١٨٨٩-١٩٧٤)، الفيلسوف السياسي، في بيت النبلاء في ٢٧ أغسطس/آب ١٩٤٦، حيث شكك في جهود الحكومة حول مشروع الدستور الجديد. وقد كان ”نانبارا (يكتب أحيانا نامبارا)“ مثقفا تَبَنَّى أسس المسالمة في مقال إيمانويل كانت ”السلام الأبدي: رسم فلسفي“، وقد اشتهر لدفاعه المتحمس للتعايش بين الشرق والغرب والحياد بالنسبة لليابان خلال سنوات الحرب الباردة. وفي ذلك الخطاب، شكك ”نانبارا“ بفكرةِ نبذ ”الحرب المحتملة“ المنصوص عليها في المادة ٩، وكان همه الأول أن هذا الحكم من شأنه أن ينفي حق الدولة اليابانية للدفاع الذاتي. ولكن بوصفه الاعتبار الأهم من ذلك، أكد أن اليابان يجب أن تشارك في أنشطة الأمن الجماعي من أجل تطبيق مبدأ التعاون الدولي الوارد في مقدمة الدستور، الذي ينص على أن: ”نؤمن أن الدولة ليست مسؤولة أمام نفسها وحدها“. كما أكد ”نانبارا“ على مسألة ما يمكن أن تفعله اليابان في هذا الصدد إذا أصبحت عضوا في الأمم المتحدة: بالقول: ”إن الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لديها التزام بالمساهمة بإمكانياتها العسكرية للتنظيم العسكري التابع للأمم المتحدة. وأريد أن أسأل فيما إذا كنا نقترح التخلي عن هذا الالتزام، فضلا عن حقوق الدفاع الذاتي إذا ما أصبحت اليابان عضوا في الأمم المتحدة في المستقبل. أوليس هناك من خطر من أن تغرق اليابان في روحٍ شرقيةٍ من الاستسلام، وهَل ستسعى إلى البقاء من خلال الاعتماد على الدوام على حسن النية والإيمان من الدول الأخرى؟ وهل هذا لا يعني التخلي عن المثل الأعلى الإيجابية للمساهمة التعاونية لإقامة السلام العالمي من خلال التضحية المتبادلة الطوعية من الدم والعرق من أجل حماية الحرية والعدالة للبشرية؟“ (الإصدار الياباني الأصلي في نانبارا شيجيرو- تشوساكو شو [مجموعة من الأعمال لنانبارا شيجيرو، إوانامي شوتين، ١٩٧٣])

وغني عن القول، إن تصريحات ”نانبارا“ ترتكز على الرأي القائل بأن مجلس الأمن الدولي سوف يعمل بشكل صحيح وأن منظمة الأمم المتحدة من شأنها أن تنشئ القوات المسلحة الخاصة بها. لذلك فانّ موقفه لا ينطبق على وجه التحديد على المناقشات الحالية فيما يتعلق بالمادة التاسعة من الدستور ومسألة الدفاع الجماعي الذاتي. حيث أن فكرته تتلخص في أن المادة ٩ من الدستور الجديد من شأنها أن تنفي تماما حق اليابان في الدفاع الذاتي مختلفة عن التفسير المقبول حاليا. أمّا إذ أخذنا مبدأ التعاون الدولي المُعرب عنه في مقدمة الدستور كنقطة انطلاق عند قراءة المادة ٩، فإنه لا يمكننا تفسير ذلك على أنه سماح للدفاع الذاتي الفردي دون السماح للدفاع الذاتي الجماعي. وبالتالي فإن أي تفسير من هذا القبيل غير متناسق، حيث يلقي جانبا ”مثالية الايجابية“ المنصوص عليها في الدستور. وهكذا تكون أسئلة ”نانبارا“ هي رسالة لنا عبر السنين. سيما وأن أسئلته لا تترك مجالا للحجج بأن حق الدفاع الذاتي الفردي يمكن ممارسته لكن لا يسمح بممارسة حق الدفاع الذاتي الجماعي، أو أن تمتلك اليابان الحق الأخير ولكن قد لا تمارسه. وهناك مثال أكثر حداثة من نقاش ذي صلة بشأن هذه المسألة ويأتي من ”موراسي شينيا“ في مقال بعنوان ”القانون الدولي والقانون الياباني المتعلق بالأمن“، الوارد في كتابه Kokusaiho Ronshu [ والذي يتضمن مجموعة من الأعمال للقانون الدولي، شينزانشا، ٢٠١٢]. حيث يناقش ”موراسي“ وبالنظر إلى تطور أشكال مختلفة من ترتيبات الدفاع الجماعي بدلا من القوات المسلحة للأمم المتحدة، جنبا إلى جنب مع تقدم عمليات حفظ السلام للأمم المتحدة، أنه ينبغي اليوم، السماح بممارسة حق الدفاع الذاتي الجماعي استنادا إلى قرارات سياسية، مع بعض القيود. وكذلك ما أفاد به هوسويا يويتشي، بالاعتماد على أبحاث سابقة، فقد سلط الضوء على حقيقة أن تفسير الحكومة الحالية من الدستور لحظر ممارسة حق الدفاع الذاتي الجماعي برز بوصفه نتاجا لمقايضة بين الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة في البرلمان خلال السيتينات (Shudanteki Jieiken o meguru sengo seiji [السياسة بعد الحرب المتعلقة بحق الدفاع الذاتي الجماعي، من فصلية IIPS، المجلد. ٥، رقم. ٢ أبريل/نيسان ٢٠١٤]).

ولربما تختلف بعض الآراء بالطبع فيما يتعلق بالعلاقة بين أحكام صريحة من المادة ٩ وحقوق الدفاع الذاتي الفردي والجماعي. ولكن فكرة السماح بممارسة حق الدفاع الذاتي الجماعي ليست نتاج ”قومية“ رئيس الوزراء آبي كفرد. بل على العكس من ذلك، ويبدو لي أن هذا المسعى قد ينظر إليه على أنه استمرار دون انقطاع، وإن كان ضئيلا، لتيار فكري يعود تاريخه إلى ”نانبارا“، وذلك من خلال محاولة للتوفيق بين الدستور الياباني الذي ينبذ الحرب مع مثالية إيجابية من التورط بنشاط في الجهود التي يبذلها المجتمع الدولي للحفاظ على السلام.