تقديم وجه جديد لهيروشيما

ويسود الاعتقاد إلى أن هيروشيما سوف تنعم في شهر أبريل/نيسان ٢٠١٦ تحت دائرة الضوء العالمي وهذا عندما تستضيف اجتماع وزراء خارجية مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى G7. وسيجتمع الدبلوماسيون في هيروشيما في وقت سابق لقمة شيما لقادة الدول الصناعية السبع الكبرى، التي ستعقد في مايو/أيار ٢٠١٦. ستكون هيروشيما مكانا ممتازا لتداول مسألة نزع السلاح النووي. لكن مسؤولو البلديات والمحافظات سيكونون حريصين على اغتنام الفرصة للفت الانتباه إلى قصة أخرى في هيروشيما أيضا.

كما يجري تسليط الضوء على حيوية هيروشيما باعتبارها مدينة ولدت من جديد أصبح ذلك يشكل أولوية لحكومات المحافظة والبلديات المحلية. وقد أصدرت المدينة والمحافظة سلسلة من المواد متعددة اللغات للتعبير عن حكاية تنشيط هيروشيما للجمهور العالمي. وتعكس تلك المواد قرارا اتُخذ بناءً على دراسة وضع هيروشيما باعتباره منبعا لبناء السلام للدول الخارجة من الصراعات.

وقد أتيحت لي الفرصة للتحقق شخصيا من قيمة تجربة هيروشيما في توجيه الانتعاش بعد انتهاء صراع الدول. لأكثر من ١٠ أعوام، وشاركت في برامج تدريبية للمسؤولين الحكوميين من الدول التي عانت مؤخرا من الصراع. وقد جرى هذا البرامج تحت رعاية الوكالة اليابانية للتعاون الدولي ”جايكا“ ووزارة الخارجية اليابانية.

وخلال عملي مع المتدربين، اعتمدت على نطاق واسع على تاريخ هيروشيما واليابان وأنتجت الكتب المدرسية، وألبومات الصور، وأقراص الفيديو الرقمية لتستخدم تلك المواد في ورش عمل في سريلانكا، أفغانستان، السودان، سيراليون، ليبيريا، والبوسنة والهرسك.

إن فهم اليابانيون لهيروشيما في سياق تاريخي وسياسي يعاني من تصورات لا أساس لها بالمدينة وإظهارها وكأنها مرتعٌ للتوجهات اليسارية. وقد جلب دور هيروشيما بمثابة الطفل المدلل لحركة نزع السلاح النووي افتراضات خاطئة عن السياسة في المدينة. ولعل هذا هو من بقايا حقبة الحرب الباردة التي تجمع المسالمة مع اليسارية. وفي الواقع، فإن الناخبين في هيروشيما يميلون نحو الجانب المحافظ من الطيف السياسي.

وهناك وعي جديد لهيروشيما يترسخ في اليابان مع تلاشى الحرب الباردة والتي أضحت في التاريخ. وأخذ اليابانيون يتجهون أكثر وأكثر وبشكل متزايد على اعتبار المدينة كمثال يقتدى به لإحراز نشر السلام في جميع أنحاء العالم، وكرمز وأيقونة للمسالمة اليابانية التي تتجاوز السياسة. ومع ظهور تصورات أكثر موضوعية من هيروشيما فقد عُمل على تحصين مكانة المدينة من خلال إنشاء مركز لدراسات السلام الدولي. وهكذا أصبح الذهاب إلى هيروشيما خطوة طبيعية تماما للعلماء والمسؤولين الحكوميين، وغيرهم من الأشخاص المهتمين في هذا المجال.

سؤالان متكرران للناجين

وبينما تجذب هيروشيما موجاتٍ متزايدة من الزوار متعددي الجنسيات فإننا نحن اليابانيون بحاجة إلى صقل قدرتنا والعمل على شرح أهمية المدينة. فاليابانيون أكثر من غيرهم عرضة للنقد لعدم النظر فيها بعمق، والتفكير في ذلك الموضوع ببساطة، ولكن دعوني أقول: ”حسنا، لقد أسقطت قنبلة ذرية هناك، لذلك أصبحت مدينة السلام“. والاستنتاج الطبيعي، إذن، هو أن إسقاط القنابل الذرية على سلسلة من المدن ستنتج ”مدن السلام“ في نفس القالب كما هيروشيما. إعطاء الزوار الأجانب إلى ما سبق من التفسير ببساطة يفضح جهل المضيفين اليابانيين تجاه بلادهم.

لذا يمكن ويجب أن تكون هيروشيما رصيدا فكريا قيما وأداة للدبلوماسية، ونقطة مرجعية لتفسير مسالمة اليابان وفحص مدى إدراك تاريخ القرن العشرين. كيابانيين، دعونا نرحب بهذه الفرصة لصقل المهارات الوصفية لدينا.

كما أن الأسئلة الأساسية التي يطرحها الأجانب عن هيروشيما عادة تتحدى الاستجابة السهلة. ومع ذلك، فإننا يمكن أن نتحمل تجنب تلك الأسئلة إذا قمنا بالانخراط في خطاب ذي مغزى. السؤال الأكثر شيوعا الذي يطرحه الزوار الأجانب للناجين من تفجير هيروشيما النووي: ”ألا تكره الأمريكان؟ وهل يُمكنك الاختباء تحت المظلة الأمنية الأمريكية بعدما فعله الأمريكان هنا؟“، والسؤال الثاني الأكثر شيوعا: ”يمكننا أن نرى ما عاناه الشعب هنا، ولكن ماذا عن المعاناة التي ألحقتها اليابان على الناس في أي مكان آخر“؟

وللإجابة على السؤال الأول يُستلزم معالجة مسألة تضامن اليابانيين مع الشعوب التي تعاني من النزاعات الحالية. وتجاهل الإجابة ببساطة بالقول بـ ”لا أعرف“ يكشف عن وجود لامبالاة مروعة. لكن بالمقابل فإنّ معالجة المسألة بصدق والانخراط في مناقشة جادة أو حتى المناقشة مع السائل يتطلب تعميق مشاركتنا كأمة مع العالم.

أما ما يتعلق بالسؤال الثاني فهو وجود شكوك ضمنا في أن اليابان خاطرت بعلاقاتها الآسيوية من خلال التركيز على كونهم الضحية في حين يجري تجاهل ما تم افتراقه من معاصٍ. رفض الشك ببساطة من ناحية هو إجهاض إمكانية الحوار بين اليابان وجيرانها الآسيويين. وعلى العكس من ذلك، فإن بدء المناقشة حول صعوبة التوصل إلى تفاهم مع الماضي وإلى زيادة المناقشة مع طرح مثال حول هيروشيما يكمن في تعميق التفاهم المتبادل.

ولادة جديدة كرمز وكأيقونة للسلام

وتجدر الإشارة إلى أن إرسال معظم الجنود اليابانيين للقتال في الحرب الصينية اليابانية (١٨٩٤-١٨٩٥) وخلال الحرب الروسية اليابانية (١٩٠٤-١٩٠٥) بدأ من ميناء هيروشيما، الذي كان يعرف آنذاك بميناء أوجينا. وخلال الحرب الصينية اليابانية، كانت هيروشيما مركز مقر القيادة العسكرية اليابانية. حتى أن الإمبراطور أقام في المدينة لأكثر من ثمانية عشر شهرا خلال تلك الفترة، وعقد البرلمان الياباني جلساته هناك في فترات مؤقتة.

ولعل الوجود العسكري في هيروشيما ناتجٌ عن تطوير صناعة الأسلحة. لا سيما وأن العديد من الشركات المصنعة البارزة اتخذت من هيروشيما مقرات لها، مثل مازدا، التي نشطت سابقا في صنع الأسلحة.

وهكذا كانت ولادة هيروشيما الجديدة بعد الحرب العالمية الثاينة وبالتالي أكثر من مجرد إعادة بناء المدينة التي كانت قد سحقتها القنبلة الذرية. فقد كان هناك تحولا أساسيا لهوية المدينة من مركز عسكري إلى أيقونة ورمز للسلام. ويعود الفضل في تصور وهندسة هذا التحول إلى هاماي شينزو (١٩٠٥-١٩٦٨)، أول عمدة منتخب شعبيا لهيروشيما (خدم ١٩٤٧-١٩٥٥ و١٩٥٩-١٩٦٧).

وقد ضمن هاماي الموافقة على فكرته من الجنرال دوغلاس ماك آرثر، قائد قوات التحالف للاحتلال، وحصل على دعم من أعضاء البرلمان. ونجح في تمرير البرلمان لقانون بناء نصب مدينة هيروشيما التذكاري للسلام عام ١٩٤٩. وهكذا فإن حفل نصب السلام التذكاري في هيروشيما وموقعه، وحديقة النصب التذكاري للسلام تدينان بأسمائها إلى هذا التشريع.

لكن رئيس البلدية هذا كان أقل نجاحا في بيع الفكرة لناخبيه، وكلفته مثاليته خسارة وظيفته في انتخابات عام ١٩٥٥. ومع ذلك، واصل هاماي تعزيز المثل العليا من خارج منصبه، وحصل على دعم كاف لاستعادة منصب العمدة عام ١٩٥٩.

وهكذا تحولت هيروشيما إلى مدينة السلام بغصون سنوات من بذل العرق والجهود، وذلك بالطبع لمواجهة المخاوف والتناقضات التي تحيط بهذا الشأن. ولعل تقدير هذه الحقيقة هو أمر أساسي للحديث الهادف حول هيروشيما كرمزٍ للمسالمة اليابانية ومثالٍ عالمي للانتعاش.

(المقالة الأصلية باللغة اليابانية بتاريخ ١٠ اغسطس/آب ونشرت في ١٤ أغسطس/آب ٢٠١٥. والترجمة من اللغة الانكليزية. صورة العنوان: الفوانيس العائمة على نهر موتوياسوغاوا قُرب نصب السلام التذكاري في هيروشيما في ٦ أغسطس/آب ٢٠١٥، أحياء ذكرى ضحايا القنبلة الذرية والصلاة من أجل سلام دائم. جيجي برس).