جزيرة تم اقتطاعها وخيانتها

وقد أخبرت البحرية الأمريكية - لدى رسو إحدى سفنها على أحد شواطئ جزيرة أوكيناوا في أواخر مارس/آذار ١٩٤٥ بأوامر من شيستر نيمتز آمر الأسطول الأمريكي في المحيط الهادئ - السكان المحليين أنهم لم يعودوا جزءا من اليابان، وأن الحكومة اليابانية لم تعد لها أي سلطة قضائية عليهم. وفي الخامس من أبريل/نيسان، عينت القوات الأمريكية حكومة عسكرية في حي هيجا بقرية يوميتان. واستمرت معركة أوكيناوا لأكثر من ثلاث أشهر، كانت نتيجتها مدمرة على السكان المحليين.

وفي السنوات التي تلت مباشرة استسلام اليابان، نشأت عدة أحزاب سياسية في أوكيناوا، ودعت جميعها إلى استقلال أوكيناوا. وإذا كانت أوكيناوا حقيقة كيانا مستقلا ومنفصلا عن اليابان، كان يتعين على الأوكيناويين الحصول على حق تقرير المصير ويجب أن يكونوا قادرين على استعادة سيادتهم بصورة منفصلة عن اليابان. لكن بالنسبة للولايات المتحدة التي كانت تنظر إلى أوكيناوا على أنها قاعدة دائمة لعملياتها العسكرية في المنطقة، فقد كان ذلك الأمر تطورا غير مرحب به على الإطلاق.

وفي شهر سبتمبر/أيلول ١٩٤٧، ساعد ”هيروهيتو“ إمبراطور حقبة شووا في حل تلك المعضلة. فطبقا لمذكرة مُقدّمَة إلى الجنرال دوغلاس ماك-آرثر من مستشاره للشؤون السياسية ويليم سيبالد، فإن مساعد الإمبراطور تيراساكي هيديناري نقل إلى سيبالد رأي الإمبراطور المتمثل في أن استمرار الاحتلال العسكري الأمريكي لأوكيناوا ”سيخدم مصالح الولايات المتحدة ويؤمن حماية لليابان“ وأن ”مثل هذا التحرك سيقابل بموافقة واسعة من اليابانيين“ بسبب مخاوفهم من التهديد الذي يشكله الاتحاد السوفيتي. وورد في المذكرة نفسها أن الإمبراطور أشار إلى أن الاحتلال الأمريكي العسكري لأوكيناوا ”يجب أن يكون مبنيا على أساس حيلة قانونية تتمثل في عقد إيجار طويل لمدة ٢٥ إلى ٥٠ عاما أو أكثر، مع احتفاظ اليابان بالسيادة“.

لقد كان هذا العرض بمثابة نعمة غير مرتقبة من السماء إلى الولايات المتحدة. وعند انتهاء الاحتلال عام ١٩٥٢، احتفظت اليابان بسيادة رمزية على أوكيناوا ولكنها وافقت - بموجب المادة ٣ من معاهدة سان فرانسيسكو للسلام مع اليابان - على تسليم الجزر إلى إدارة منفصلة من قبل الولايات المتحدة. وعادت أوكيناوا إلى السيطرة اليابانية عام ١٩٧٢، ولكن التعامل معها بقي عرضة لاتفاقات بين الحكومتين اليابانية والأمريكية.

نهجي الإقصاء والاحتواء

تعتقد ”جمعية الدراسات الشاملة من أجل استقلال شعب ليو تشيو“ ومؤيدون آخرون لاستقلال أوكيناوا أن جذور هذا النظام - والذي ينكر بشكل أساسي على شعب أوكيناوا حقهم في تقرير المصير - تعود بشكل رئيسي وهيكلي إلى العلاقة ”الاستعمارية“ بين أوكيناوا وأرض اليابان الرئيسية والتي تمتد إلى حقبة ما قبل الحرب، وأن السبيل الوحيد للتحرر من تلك العلاقة يكمن في الاستقلال.

تتمثل إحدى الملامح المهمة لموقف تلك الجمعية في إصرارها على أن تقرير المصير هو من حق السكان الأصليين وبالتالي فإن حق تقرير المصير في حالة أوكيناوا يقتصر على الشعب الذي تعود أصوله إلى مملكة ريوكيو. بينما يتجلى مظهر آخر في شعور المنظمة بإلحاح بما يتعلق بالحاجة إلى حماية الأوكيناويين من سياسات الاندماج والتي تقول إنها تنتهك حريتهم في التعليم وحقهم في الحفاظ على لغتهم وثقافتهم وتطويرهما وتوارثهما عبر الأجيال. فحقيقة أنه يجب على المدارس الأوكيناوية تدريس نفس المنهاج المتبعة في مدارس طوكيو بالضبط بموجب إرشادات وزارة التعليم - ما يعني عدم وجود وسيلة لدمج حصص دراسية عن لغة أو تاريخ ريوكيو في المناهج الرسمية - سينظر إليها بالتأكيد على أنها انتهاك لحقوقهم الإنسانية.

لقد تبنى ”مجلس كامل أوكيناوا“ - والذي أنا منخرط فيه حاليا - نهجا مختلفا نوعا ما، وهو يستند إلى الأنظمة الدستورية الدولية. وإننا لنناشد الجميع بالحصول على دعم وانخراط الناس من جميع أنحاء العالم على أساس قيم عالمية ومبادئ أخلاقية. ومن أهمها حقوق الإنسان، كما عرفتها المواثيق الدولية مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، والتي صادقت اليابان عليها جميعا.

وقد خلصت لجنة الأمم المتحدة بشأن القضاء على التمييز العنصري عام ٢٠١٠ إلى أن التركيز غير المتناسب للقواعد الأمريكية في أوكيناوا يشكل ”نوعا معاصرا من العنصرية“. كما أكد تقرير خاص لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ورأي صادر عن لجنة الأمم المتحدة المّعنيّة بحقوق الإنسان على وجهة النظر المتمثلة في أن الحقوق الإنسانية لسكان أوكيناوا تُنتهك. كما أوصت في الآونة الأخيرة، لجنة القضاء على التمييز العنصري في ”ملاحظاتها الختامية“ وفي العبارة المتعلقة باليابان والصادرة في أغسطس/آب ٢٠١٤ بأن تقوم الحكومة اليابانية ”بدراسة الاعتراف بشعب ريوكيو على أنهم السكان الأصليون واتخاذ خطوات ملموسة لحماية حقوقهم“. ويسعى ”مجلس كامل أوكيناوا“ الاستفادة من تلك الآراء لحشد التعاطف والدعم من جميع أنحاء العالم لموقف شعب أوكيناوا.

ويكمن صلب الموضوع - كما نراه - في حرية شعب أوكيناوا حول تقرير وضعهم السياسي، سواء كدولة مستقلة أو ككيان يتمتع بالحكم الذاتي ضمن اليابان أو يبقى محافظةً كما هو الوضع الحالي. وهكذا فإنّ الشيء المهم هو أن يكون للأوكيناويين الحق في تقرير مصيرهم السياسي بإرادتهم الحرة.

تحدي الدعم القائم على المحسوبيات

تنص المادة ١ من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية على أن ”جميع الشعوب لديها الحق في تقرير مصيرها. وبفضل ذلك الحق فالشعوب هي التي تُقرر حرية اختيار أوضاعها السياسية وتطبق بِحُرِّية تنميتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية“.

وتتمثل إحدى القضايا الرئيسية الحالية المتصلة بحق الأوكيناويين في تقرير مصيرهم بانتقاص حريتهم بما يتعلق بالتنمية الاقتصادية. فالحكومة اليابانية تمتلك سلطة إعداد مسار تلك التنمية من خلال ”خطتها لتطوير أوكيناوا“، وعلى الرغم من أنها تدعي أنها تعمل من أجل مصلحة المحافظة، إلاّ أنَّ برنامج التنمية يجب أن يصمم بناء على الاحتياجات اللغوية والثقافية والبيئية والإنسانية للمنطقة، لا أن يتم تقريره من قبل البيروقراطيين في طوكيو.

منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي، تعرضت الحكومة المركزية لانتقادات متزايدة جاء الكثير منها من مجتمع الأعمال في أوكيناوا وذلك بسبب اتباع أسلوب المحسوبية في توزيع الميزانية لتعويض المجتمعات عن وجود القواعد الأمريكية وكسب الدعم المحلي. وقد خلص الكثير من رجال الأعمال إلى أنه من خلال الحيلولة دون وقوف أوكيناوا على قدميها، فإن سياسة التنمية الحكومية لا تدمر المصالح الاقتصادية للمحافظة فحسب بل وتنتهك حريتها الاقتصادية. وهذا هو السبب وراء الكسب الذي حققه أوناغا في الحملة الانتخابية عام ٢٠١٤ والذي تمثل في دعم الكثير من الشركات المحلية، منها شركات إنشاءات كانت قد سبق واستفادت من معظم منح التنمية المقدمة من الحكومة المركزية.

وكما يشير هذا المثال، فإن سكان أوكيناوا كجماعة هم أكثر وعيا اليوم من أي وقت مضى بأُمورٍ تتعلق بالتمييز الهيكلي الذي طالما عانوا منه، وبشكل خاص فيما يتعلق بعبء وجود القواعد الأمريكية.

أسس ”هوية أوكيناوا“

لعل أكثر الأمثلة وضوحا على التمييز في حقبة ما بعد الحرب كان قانون الاستخدام المؤقت للأراضي في أوكيناوا الذي دخل حيز التنفيذ عند إعادة أوكيناوا إلى الحكم الياباني في مايو/أيار عام ١٩٧٢. ويخول هذا القانون قيام الحكومة - لغرض الاستخدام العام - بمصادرة جميع الأراضي في أوكيناوا التي كانت سابقا تحت سيطرة الجيش الأمريكي دون تقديم أي عُذرٍ أو تبرير. وقد شَكّل تطبيق القانون آنف الذكر انتهاكا صارخا للمادة ٩٥ من الدستور التي تنص على وجوب حصول البرلمان على موافقة أغلبية المصوتين من كيان عام محلي من أجل تمرير قانون خاص يتعلق بتلك المنطقة. حيث أنّ قانونٍ كهذا يجب ألاّ يُسَّن دون عرضه على الناس لكي يحصل على موافقة محلية عبر استفتاء شعبي

منذ منتصف خمسينيات القرن العشرين، أدت مصادرة الجيش الأمريكي لأراض زراعية إلى تشكيل حركة ”النضال في كامل الجزيرة“، وكان سكان أوكيناوا يأملون - عبثا - في أن تشاركهم الأمة اليابانية آلامهم وأن تقف إلى جانبهم للدفاع عنهم، وتصاعدت تلك الآمال بشكل خاص مع اقتراب موعد إعادة أوكيناوا إلى السيادة اليابانية عام ١٩٧٢. ولكن وبدلا من أن تقوم الحكومة اليابانية بتخفيف العبء، مررت قانونا يُشَرِّع انتهاك حقوقهم. ومنذ ذلك الوقت، توالت حوادث ونزاعات وبلغت ذروتها بحادثة اختطاف واغتصاب طفلة أوكيناوية تبلغ من العمر ١٢ عاما من قبل جنود أمريكيين عام ١٩٩٥ حيث جعلت من قضية الوضع التمييزي أكثر وضوحا من أي وقت مضى وسلطت الضوء على وعي سكان أوكيناوا كونهم هم الضحايا.

تواصل الحكومة اليابانية حاليا مطالبة الأوكيناويين بتحمل التمييز الهيكلي باسم القواعد الأمريكية والمنافع التي تقدمها، كما لا تقوم وسائل الإعلام القومية والشعب الياباني إلا بالقليل في مخالفة موقف الحكومة. وفي الوقت الحالي، فإن صبر حتى القوى المحافظة في أوكيناوا والمصالح التجارية آخذ في النفاد.

ولمواجهة هذا التمييز الهيكلي، يجب الإقرار بأن تاريخ أوكيناوا منذ نشوء ما يٌعرف بحركة ”نضال كامل الجزيرة“ كان سعيا وراء أهدافٍ تتعلق بالحكم الذاتي وحقوق الإنسان والمضي قُدُما في هذه التوجهات وفي النهاية، كانت تلك - كما تقول الحركة -: أفضل طريقة للتأكيد على هويتنا ”أوتشينانتشو“. وبعد كل ذلك، فإن الهوية المشتركة التي يشدد عليها زعماء أوكيناوا هي أمر لا ينحدر من مملكة ريوكيو مباشرة. بل هي متجذرة في النضال المشترك خلال فترة ما بعد الحرب. وهي متأصلة في التضامن الاجتماعي الذي بناه سكان أوكيناوا خلال عملية مقاومة القمع الوحشي والانتهاك الصارخ لحقوقهم. فقد بدأت العملية في خمسينيات القرن العشرين، عندما وضعت حركة ”النضال في كامل الجزيرة“ الأساس من أجل الوحدة بعد أن اقتطع الجيش الأمريكي أوكيناوا من اليابان وعزز من سيطرته عليها، واكتسبت قوة في ستينيات القرن العشرين من خلال النضال المستمر مع المفوض السامي باول كاراوي الذي رفض الحكم الذاتي في أوكيناوا باعتباره ”خرافة“. كما يسود السكان شعورٌ كبير وعميق بالظلم والقمع التاريخي جعله في صميم الجدل الدائر حيال قاعدة فوتينما وقواعد أمريكية أخرى، ويكمن النضال من أجل التحرر من ذلك الظلم والقمع في صميم الهوية الأوكيناوية.

ينظر معظم السياسيين والنقاد الإعلاميين اليابانيين للقضية بشكل مختلف. فهم يعتقدون أنه من الطبيعي أن يتحمل الأوكيناويون القواعد الأمريكية، بالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية لتلك المنشآت، كذلك لا يوجد هناك أي احتمال لكي تخوض قوات مشاة البحرية المتمركزة في أوكيناوا معركة وشيكة مع قوات صينية، إضافة إلى اسهامها في أوجهٍ مختلفة من الاقتصاد المحلي وفي المنافع المضافة من نفقات الميزانية الخاصة المقدمة من الحكومة المركزية. ولذا لا بد من التنويه بإنّ رفض الاعتراف بالظلم والقمع الكامن في صميم معاناة الأوكيناويين بعد الحرب يسلط الضوء مجددا على الرفض واللامبالاة الذين شكلا مواقف اليابان تجاه أوكيناوا على مدى السنوات الـ٧٠ الماضية.

(المقالة الأصلية باللغة اليابانية بتاريخ ٣٠ يونيو/حزيران ٢٠١٥، ونُشرت في ١٠ يوليو/تموز ٢٠١٥. الترجمة من الإنكليزية. صورة العنوان: سفيرة الولايات المتحدة الأمريكية كارولين كيندي تزور قلعة شوري بأوكيناوا في فبراير/شباط ٢٠١٤.- جيجي برس)