أنماط البلطجة في اليابان

عندما كان العنف والجريمة أمران شائعان نسبياً خلال السنوات العجاف في اليابان بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، كان فكر الترهيب إنعكاسا لعقلية ”البقاء للأقوى“ التي نوقشت أعلاه. حيث لا تعتبر البلطجة في مثل هذه المجتمعات أمراّ حتمياّ فحسب بل تتعداه لتصبح جزءا طبيعياً وأساسياً للنمو والاندماج مع المجتمع. حيث يتم تعليم الأطفال أنه من الأفضل ممارسة الضغط والإضطهاد عوضا عن تلقيهما، كما يخضع ضحايا البلطجة للوم بدلا من تلقي التعاطف والشفقة.

لقد ولى زمن ما بعد الحرب الذي خلف مجتمعاً يعاني من الحرمان وانعدام القوانين، إلا أنّ الفوارق الاقتصادية التي نجمت عن انفجار الفقاعة الاقتصادية (تدهور النمو الإقتصادي) في الثمانينات خلقت من جديد مجتمعاً غير متجانس تتفاوت فيه الطبقات الإجتماعية تفاوتاً حاداً. ترعرع  فيه الأطفال الناشئين في بيئة يزدهر فيها أغنيائها على حساب فقرائها، والذي يتسم بكون الضعفاء أكثر عرضة للاضطهاد المنهجي. ولعل هذا النوع من البلطجة أو الإضطهاد هو الذي أدى إلى انتحار طالب في الصف الثاني الإعدادي بأوتسو/ Ōtsu (محافظة شيغا/ Shiga prefecture) في أكتوبر/ تشرين الأول ٢٠١١، وطالب آخر في الصف الثالث الثانوي بكوبي Kobe عام ٢٠٠٧. وكانت الدوافع وراء هذين الانتحارين سلسلة من الاعتداءات الجسدية يجدر نعتها بالسلوك الإجرامي. ويسمى هذا في بعض الأحيان ”ببلطجة النقر السلمي“. يشير اللفظ النقر السلمي إلى التسلسل الهرمي الاجتماعي الملاحظ بين الدجاج، أيّ يُعبَر عن الهيمنة بالنقر، حيث تنقر أقوى الطيور الأضعف، وتنقر هذه الأخيرة بدورها، الطيور الأضعف منها. وفي وقت التغذية، يطرد أقوى الطيور الضعفاء، وبذلك يحدد نظام النقر السلمي الترتيب الذي يأكل فيه الدجاج. ويظهر هذا السلوك خاصة عندما يكون هنالك نقص في الغذاء (أو الموارد في المجتمع البشري).

بالإضافة إلى الاعتداء الجسدي أو على ممتلكات الضحية (الأكثر شيوعا عند الأولاد)، كثيرا ما يأخذ الترهيب شكل العدوان السلبي (أكثر شيوعا بين الفتيات)، الذي ينطوي على إبعاد الضحية من المجموعة من خلال النبذ​​، النميمة، أو ”التجاهل“ أي بعبارة اخرى المعاملة الصامتة. تميل الفتيات في مرحلة الدراسة إلى الاعتماد بشكل كبيرعلى علاقاتهن داخل مجموعة من الأقران بحثا عن السعادة والشعور بالأمان ، كما يعتبرنَ تبادل الكلام مع أصدقائهن وصديقاتهن بشكل شبه مستمرعلى قدر كبير من الأهمية. في حين يبحث الأولاد بدورهم أيضا على الأمن ضمن مجموعة الأقران لكنهم على الأرجح يدعمون ويؤكدون تلك العلاقات من خلال النشاط البدني، مثل المشاركة في الألعاب الرياضية، بدلا من الحديث. وتؤكد نظرة سريعة على الشكل ١ أن التجاهل والعزلة هي وسيلة بلطجة شائعة بين الفتيات أكثر مما هي بين الأولاد.

يكشف الشكل ١ أيضا أن النبذ من المجموعة بالأخص شائع في اليابان. في مجتمع يركز كثيرا على مكانة الفرد ضمن الجماعة فإن أي شكل من أشكال البلطجة التي تسبب أضراراً في علاقات الشخص مع الجماعة مرهقة للغاية وقوية على وجه الخصوص. قد يحدث هذا النبذ ضرراً أقل للأشخاص الذين ليست لهم مشاكل في التصرف على انفراد وكذلك للناشئة ممن يؤمن بفكرة أن كل شخص فريد من نوعه وبالتالي نجد طريقة التفكير هذه أكثر انتشاراً عند المجتمعات الغربية.

تعالج الدراسة التي أجريت على فترة طويلة (من ٢٠٠٤ حتى ٢٠٠٩) والتي أجراها المعهد الوطني للبحوث في السياسة التعليمية لمعرفة عدد الطلاب اليابانيين من الصف السابع (المرحلة الاعدادية) ممن عانوا من التجاهل أو النبذ ​​اعتبارا من يونيو/ حزيران ٢٠٠٤. ومن ثم تلى ذلك فَحص نفس المجموعة من الأطفال وبنفس الطريقة بعد عامين في نوفمبر/ تشرين الثاني ٢٠٠٦. أظهرت الدراسة أن النسبة قد ارتفعت من ٤١٫٦٪ إلى ٨٠٫٣٪. كما استنتجت الدراسة ان نحو ٩٠٫٣ ٪ من احدى العيّنات من طلبة الصف الرابع، ممن شملهم الاستطلاع في عام ٢٠٠٤ تعرّض للنبذ من المجموعة منذ تلك السنة وحتى ٢٠٠٩ عندما أصبحوا في الصف التاسع.