نظرة عن كثب على علاقة افتراضية بين الإنترنت والتطرف اليميني

ويبدو ان السؤال الأهم هو كيف يمكن لعدد كبير من سكان المدن من الطبقة المتوسطة أن يقعوا فريسة للأفكار المناهضة للكوريين ولوسائل الإعلام الرئيسية المنتشرة في الفضاء الإلكتروني.

ويمكن أن نجد دليلاً على نفسيتهم في فيلم الخيال العلمي الناجح الذي أنتج عام ١٩٩٩ ”المصفوفة/الماتريكس “ حيث تقوم فرضية الفيلم على أن الإنسانية هي في الواقع في حالة سبات عميق، وما يؤمن معظم الناس بأنه الحقيقة هو مجرد حلم متقن تسيطر عليه آلات ذكية. وتتكشف المؤامرة عندما يستفيق بطل الفيلم ”نيو“، وهو مبرمج كمبيوتر، من الحلم، ليتعرف على الحقيقة، وينضم إلى التمرد ضد هذه الأسياد من غير البشر.

وفي نهاية موازية لفرضية مصفوفة، يتحدث اليمينيون المنتمون للإنترنت عن ”الاستيقاظ“ لحقائق الوطنية والمناهضة للكوريين حيث أن القوى المتمثلة بوسائل الإعلام الرئيسية في المقام الأول تكبدت العناء من أجل إخفاءها عن الناس وبناءً على ذلك وحسب اعتقادهم فإن شبكة الإنترنت فقط تجعل من الممكن رفع هذا الحجاب عن الباطل.

هذه إذاً هي عقلية اليمينيين المنتمين للإنترنت ومع ذلك فانه يحق لنا أن نتساءل ما الذي قد يجعل سكان المدن المتعلمين نسبياً عرضة لمثل هذا الهراء.

ملء فجوة فارغة في التاريخ

الجواب المختصر هو أن تعليم التاريخ في المدارس الحكومية اليابانية غير كاف البتّه، والتعليمات على التاريخ الحديث والمعاصر متناثرة بشكل خاص. وتحت مظلة نظام امتحان القبول، يصبح بإمكان الطلاب الذين يفتقرون حتى إلى المعرفة الابتدائية عن التاريخ الياباني الحديث الحصول على قبول وبالتالي التخرج من جامعة مرموقة بعد دراسة لمدة أربع سنوات. ونتيجة لذلك، تتضاءل الفرصة أو الحافز لتعزيز المعرفة التاريخية فيما يتعلق باليابان الحديثة.

ونظراً لأن المنهج الدراسي سطحي لا سيما ما يتعلق بالحرب العالمية الثانية، بما في ذلك أسبابها وتداعياتها. وحرصا على تجنب الجدل والنقاش، فقد اختار مديرو التعليم في اليابان تسريع تعليم الطلاب من خلال تدريس تاريخ مختصر بشكل حاد حول حقبة الثلاثينيات والأربعينيات. ونتيجة لذلك، فإن عددا مذهلاً من المتعلمين من الطبقة المتوسطة اليابانية يجهلون تقريباً الظروف المحيطة بغزو اليابان لشمال الصين، وإنشاء دولة صنيعة في منشوريا، والحملة العسكرية في جنوب شرق آسيا والمحيط الهادئ، أو السنوات التي تلت الحرب مباشرة تحت الاحتلال الأمريكي - رغم معرفة الجميع تقريباً عن قصف هيروشيما وناغاساكي.

وهكذا فإن تعليم غير كاف للتاريخ في المدارس يترك عدة فجواتٍ يستطيع المناهضون للكوريين والمتطرفون من خلالها أن يرسخوا وجودهم وينموا أنفسهم ويتغذون على حساب عدم المقدرة على مجابهة ما تتدفق في وفرة عبر الإنترنت ولعل هذا هو الأساس للواقع البديل الذي ”استفاق“ عليه اليمينيون المنتمون للإنترنت في نهاية المطاف، وذلك تماماً على غرار شخصية ”نيو“ الخيالية في سلسلة أفلام المصفوفة.

العلاقة مع اليمين بفترة ما بعد الحرب

إذن، من أين نشأت هذه الديماغوجية على الإنترنت في الأساس؟ بكل بساطة، فقد امتدت من اليمين ما بعد الحرب العالمية الثانية في اليابان، والتي يرجع تاريخها إلى ما قبل كأس العالم ٢٠٠٢.

كما كان الخطاب الفكري اليميني في فترة ما بعد الحرب ظاهرة متنامية للغاية أيضاً وقائمة بذاتها، وهو نوع من صالون شبه أرستقراطي يرتكز على منتديين اثنين: الأول صحيفة سانكي شيمبون، التي ظهرت كإحدى الصحف القومية في الخمسينيات، والثاني مجلة سيرون، وهي مجلة شهرية مليئة بتعليقات سياسية واجتماعية بدأت في السبعينيات. حيث أيّدَ كلاهما إيديولوجياً المسار اليميني المحافظ لا سيما رفض وجهات النظر السائدة حول الحرب العالمية الثانية واعتبارها على أنها تشويه لحقائق التاريخ قام بذلك المنتصرون بدءاً من سرد محكمة جرائم الحرب في طوكيو.

وقد جاءت نقطة التحول الهامة مع تأسيس قناة ساكورا الثقافية اليابانية المستقلة على شبكة الإنترنت عام ٢٠٠٤. وكان هذا جهداً منظماً من اليمين السياسي لاستغلال وسائل الإعلام الجديدة، والاستفادة ليس فقط من القنوات الفضائية ولكن أيضاً من خدمات تبادل ملفات الفيديو على الإنترنت مثل اليوتيوب ونيكو نيكو للوصول إلى جمهور جديد وأصغر سنا. وكانت قناة ساكورا الثقافية اليابانية بمثابة الجسر الذي عبرته أفكار اليمين السياسي ما بعد الحرب، حيث اقتصرت في السابق على عدد قليل من المنافذ في وسائل الإعلام المطبوعة، ولكنها وجدت فيما بعد طريقها إلى الفضاء الإلكتروني.

إلاّ أنَّ الآثار المتوسطة للرسالة، كما نعرفها هي أن هجرة الخطاب اليميني من وسائل الإعلام المطبوعة إلى وسائل الإعلام الجديدة غيرت طبيعة المحتوى كمأ أن الفهم المحدود للجمهور بالمستوى الأقل فكريا في القراءة والكتابة خلق مزيداً من التشوهات. وهكذا تآكلت الأسس النظرية لليمين بعد الحرب داخل الأوساط الإلكترونية، لكن وقبل القيام بأي شيء حيال ذلك، بدأ المجتمعان بالاندماج ببعضه البعض فعلى الرغم من تمايز أصولهما التاريخية، إلا أنهما أصبحا الآن متشابكان لا ينفصلان، وهذا ما يجعل من ميول اليمينيين المنتمين للإنترنت نحو المناهض للكوريين والصينيين، والمعادية للأجانب جلية وواضحة في كثير من الأحيان.

فترة الغسَق للقومية الالكترونية

لكن عصر القومية الإلكترونية غير المقيدة والعنصرية أخذ - في ظل إدارة شينزو آبي الثانية - يُشارف على الانتهاء سيما وأن الحكومة والمحكمة كانتا قد إتخذتا موقفًا عدائياً واضحاً تجاه هؤلاء المتطرفين. في نوفمبر/ تشرين الثاني ٢٠١٤، حيث أطلقت وزارة العدل حملة عامة للقضاء على خطاب الكراهية. وفي ديسمبر/ كانون الأول التالي أصدرت المحكمة قراراً لصالح مدرسة كورية في أوساكا ورفعت دعوى ضد الجماعة المتطرفة زايتوكوكاي لبثها خطاب الكراهية خارج المدرسة.

كما تحركت الحكومات في جميع أنحاء العالم لتجريم وتشديد العقوبات على خطاب الكراهية. إن حكومة آبي تواجه تحدياً خطيراً، ما لم تتحرك لوقف وباء ازدياد التعصب القومي المتطرف المنتشر على شبكات الإنترنت، وقد تواجه خسارة مدمرة للمكانة العالمية حتى ولو سعت إلى القيام بدور المبادرة في استقرار الأمن الدولي.

وفي تلك الأثناء أي في شهر أكتوبر/تشرين الأول ٢٠١٥، خسر حزب أجيال المستقبل الممثل الوحيد للجناح اليميني الإلكتروني على المستوى السياسي القومي مقاعده الضئيلة في مجلس النواب وذلك بعدما انضم عضوان منه إلى الحزب الديمقراطي الليبرالي. ومع بقاء أربعة أعضاء فقط في مجلس المستشارين، فإن الحزب على ما يبدو يوشك على الانحلال.

وتشير هذه التطورات على أن نهاية الجماعات اليمينية الإلكترونية ليست ببعيدة. ويتوقع البعض أن العنصرية القومية المتطرفة التي انتشرت في الفضاء الإلكتروني سوف تستبدل تدريجياً بشعار ياباني محافظ أكثر عقلانية واعتدالاً، يكون أكثر اتصالاً بالعالم الحقيقي وليس فقط مجرد نسخة افتراضية منه. بقدر ما قد يكون صوت متطرفي الشبكات الإلكترونية مزعجاً، إلا أن تأثيره على المجتمع والسياسة اليابانية يظل محدوداً، حيث بدأ أَوُجُهُ يشارف على النهاية.

(النص الأصلي باللغة اليابانية، ونشر في ١٧ نوفمبر/تشرين الثاني ٢٠١٥. الترجمة من الإنكليزية. صورة العنوان: المتظاهرون في جادة أوكوبو- دوري بطوكيو يطالبون بطرد الكوريين، ٢١ أبريل/ نيسان ٢٠١٣. جيجي برس)