ولادة الجابونيزم
صاغ الناقد الفني الفرنسي فيليب بورتي (١٨٣٠-١٨٩٠) مصطلح الجابونيزم (بالإنكليزية: Japonism) لوصف تأثير الجمالية اليابانية في الغرب. ويخضع هذا المصطلح لتفسيرات مختلفة، ولكن من الأفضل هنا استخدام التعريف المقدم من قبل مؤرخة الفن مابوتشي أكيكو (١٩٤٧-) في عملها ”الجابونيزم - اليابان الغامضة، ١٩٩٧“. تعريف مابوتشي هو كما يلي:
”يشير ’الجابونيزم‘ إلى التأثير الياباني على الفن الأوروبي والأمريكي في النصف الأخير من القرن التاسع عشر وهذا النفوذ يغطي كل نوع من الفنون حيث نجد أمثلة على ذلك في اللوحات الفنية والنحت والطباعة، والرسم، والحرف، والهندسة المعمارية، والأزياء، والتصوير الفوتوغرافي، وكذلك في الدراما والموسيقى والأدب، وحتى الطبخ“.
وقد أصدرت جمعية لدراسة الجابونيزم في طوكيو برئاسة مابوتشي، كتاب ”مقدمة للجابونيزم“، الذي يصور صعود وسقوط الجابونيزم على النحو التالي:
”يمكننا اعتبار الجابونيزم في سياق الغرائبية بوصفه شكلا من الاستشراق في القرن التاسع عشر والذي كان حافزا قويا لإعادة تشكيل القيم والمناهج الفنية في العديد من أنواع الفن الغربي عبر نصف القرن، بعد ذلك توقف عن أداء هذا الدور حيث فقد نضارته“.
وكانت فرنسا حيث مارس الفن الياباني التأثير الأكبر في الغرب في القرن التاسع عشر، كما كان بعض الفرنسيين فاعليين في تناول مدخلات الجمالية من اليابان. مثل جامع التحف الفنية هنري سيرنوتشي (١٨٢١-١٨٩٦) الذي سافر إلى اليابان من فرنسا مع الناقد الفني تيودور ديوريه (١٨٣٨-١٩٢٧) عام ١٨٧١. وهنالك جامع فرنسي آخر للتحف الفنية، إميل إتيان غيميه (١٨٣٦-١٩٢٧)، سافر إلى اليابان أيضا عام ١٨٧٦. وتاجر الفن صموئيل بنج (١٨٣٨-١٩٠٥) الذي سافر إلى اليابان من فرنسا عام ١٨٨٠. حيث أسفرت الزيارات الثلاث عن شراء كميات كبيرة من الأعمال الفنية اليابانية، الأمر الذي غذى طفرة الجابونيزم مرة أخرى في فرنسا.
وقد أخذ اليابانيون صفة استباقية وعلى قدم المساواة في رعاية الجابونيزم في أوروبا. وكان لليابان وجود رفيع المستوى، على سبيل المثال، في المعارض الدولية في باريس عام ١٨٦٧ وعام ١٨٧٨. وقد أنعشت حكومة الشوغن وإقطاعيات ساغا (محافظة ساغا اليوم، التي سيطرت عليها عشيرة نابيشيما) وساتسوما (محافظة كاغوشيما ومحافظة ميازاكي اليوم) معرض ١٨٦٧ بمعروضات واسعة من الأوكييو-أي، ومن مخطوطات معلقة، والكيمونو، واللك برسومات الماكي والخزف وغيرها من المنتجات. وعلاوة على ذلك، باع اليابانيون بعد انتهاء المعرض كافة المواد المعروضة للمشترين المتحمسين من أوروبا وأماكن أخرى.
وقد شملت المعروضات في معرض عام ١٨٧٨، الذي نظمته حكومة ميجي المسكوكة حديثا في اليابان مزرعة أقيمت في حديقة تروكاديرو في باريس. واحتشد الزوار في المزرعة وكانوا مسرورين جدا للاطلاع على أساليب الحياة اليابانية.وكانت هذه هي ذروة الجابونيزم في فرنسا.
مجلة Le Japon Artistique
كان ”بنج“ قوة مؤثرة في نشر الجابونيزم من خلال عمله كتاجر فن، ناقد وصحفي. تجسد تأثيره على وجه الخصوص في مجلة Le Japon Artistique الشهرية التي نشرها باللغات الفرنسية والإنكليزية والألمانية. وكانت المجلة، التي استخدمت ورق وطباعة من الدرجة الممتازة، تعج بالنسخ الفنية الملونة ومقالات عن أنواع مختلفة من الفن الياباني، مثل الأكييو-إي، والأعمال الفنية المعدنية والخزف والهندسة المعمارية، والكابوكي. وتم توزيع ٣٦ عدداً منها من عام ١٨٨٨ إلى عام ١٨٩١. عرض بنج أنشودة ثناء لمشاعر الفن الياباني في العدد الخامس من المجلة الذي نُشر عام ١٨٨٨: ”إن الفنان الياباني يعرف جيدا أن الطبيعة تستوعب أهم العناصر من جميع الظواهر. وفقا لذلك، هو أو هي تعتقد أن كل شيء، حتى شيء صغير مثل شفرة واحدة من العشب تحتل مكانا محددا في إطار المفاهيم الذي يكمن وراء العملية الإبداعية.“
لدى تعليق بنج بالثناء على الخزف الياباني كان هنالك صدىً من قبل الناقد الفني البريطاني جون روبنسون الذي كتب تعليقاً ثاقباً حول الخزف الصيني والياباني، أثنى فيه بشكل خاص على الأعمال الفنية اليابانية لا سيما ما يتعلق منها بنقاء الزخارف التصويرية المستخدمة، واستقامة وأناقة الهندسة، وجودة الحرفية.
ولعل ثناء بنج وروبنسون يتنبأ بالإعجاب التي اكتسبته السلع المصنعة في اليابان في النصف الأخير من القرن العشرين. وهكذا يمكننا اعتبار الجابونيزم كتعبير عن الصفات الثقافية نفسها التي تكمن وراء تصنيع أشياء ذات جودة عالية.
وكان هدف بنج الرئيسي في إطلاق ونشر مجلة Le Japon Artistique توسيع سوق الفن الياباني. ومع ذلك، حققت المجلة فائدة إضافية، تمثلت في صحوة الفنانين الأوروبيين لاتساع وجاذبية حساسية الفن الياباني. ونلاحظ باهتمام أن بنج عمّد نشر ”اليابان الفني“ وليس ”الفن الياباني“. وسعى إلى إبراز القيم الجمالية التي تتخلل الحياة اليابانية، وقد نجح بشكل لافت.
ذبول الزهرة
ويبدو تأثير الجابونيزم اللاحق على الفن الأوروبي والتصميم جَليّاً وواضحاً في عمل أعضاء مجموعة Les Nabi من الرسامين ما بعد الانطباعيين، في مطبوعات وملصقات زخرفية أوروبية، وخزف وعمارة الفن الجديد. وهي نكتشف أن التأثير في الزخارف النباتية والحشرات المستخدمة من قبل فنان الزجاج المقيم في نانسي إميل جالي (١٨٤٦-١٩٠٤) في الأعمال الفنية الجديدة الخاصة به، ونواجه سمك الشبوط وأزهار التي أحبها هوكوساي في أواني زجاجية متقنة من استوديو صنع الزجاج في باريس الذي كان يديره فرانسوا أوجين روسو (١٨٢٧-١٨٩٠).
ومن المثير للاهتمام أن الشركة الأمريكية تيفاني، التي أسسها والد لويس كومفورت تيفاني (١٨٤٨-١٩٣٣)، فتحت متجرا في باريس عام ١٨٥٠ وذلك المتجر متخصص منذ فترة ستينات القرن التاسع عشرة في بيع الأعمال التي فيها زخارف يابانية. وقد ظهر اليعسوب، والزهور، وغيرها من المواضيع المقدمة حسب الأسلوب الياباني على منتجات تيفاني مثل أواني القهوة، وأقداح الشاي، أوعية الحليب والسكر.
وقد انتشرت الجابونيزم خارج أوروبا الغربية أيضاً وأثرّت على الفنون والحرف اليدوية في أوروبا الشرقية وروسيا وأمريكا الشمالية وأستراليا ونيوزيلندا. ولكن مع ذلك تضاءل الحماس العلني لعلم الجمال اليابانية إلى حد كبير خلال حقبة ثلاثينات القرن العشرين. حيث أصبحت صورة اليابان آنذاك أكثر عدوانية مع استعراض قوتها العسكرية وغابت هالة الفن الحساس. ولربما كان ذلك اِيْذاناً بأنّ أزهار الجابونيزم قد ذبلت.
(المقالة الأصلية باللغة اليابانية، بتاريخ ٢ يوليو/تموز ٢٠١٥. الترجمة من الإنكليزية. عنوان الصورة: منزل كلود مونيه في ضاحية جيفرني في باريس).

