اليابان يمكنها المساهمة في استقرار الشرق الأوسط
في ديسمبر/ كانون الأول 2017، زار كونو إسرائيل والمناطق الخاضع لحكم السلطة الفلسطينية، وهي ثالث زيارة له إلى الشرق الأوسط منذ توليه منصبه كوزير للخارجية في أغسطس/ آب الماضي. لم يقم أي وزير خارجية آخر، بما في ذلك سلفه المباشر كيشيدا فوميو، بالكثير من الرحلات إلى الشرق الأوسط في مثل هذا الوقت القصير.
يعتقد البعض أن اهتمام كونو بالشرق الأوسط ينبع من محاولة والده يوهي الفاشلة لتجديد عقد نفطي بين شركة النفط العربية اليابانية والمملكة العربية السعودية في عام 2000، عندما كان وزيراً للخارجية، مما أدى إلى فقدان اليابان حقوقها النفطية في المملكة العربية السعودية. عند رؤية الصعوبات التي واجهها والده، يبدو أنه قد أثار إعجابه مما جعله يشعر بضرورة بناء شبكة قوية من العلاقات في المنطقة.
وكمثل جانبي، خلال حرب الخليج عام 1991، لم يغادر العاملون في حقل شركة النفط العربية الواقعة على الحدود السعودية الكويتية. كنت في الجبهة السعودية كمراسل صحفي وأجريت مكالمة هاتفية وقمت بحثهم على المغادرة، لكن رئيس الحقل رفض سماع النصيحة، حيث أصر على أن السفارة اليابانية في المملكة العربية السعودية قد أصدرت مجرد نصيحة بالإخلاء، وليس أمر إخلاء.
أفترض أنه مع تجديد محادثات تجديد العقد، قرر مدير الحقل البقاء في مكانه لأنه شعر بالحاجة لإثبات الولاء للمملكة العربية السعودية. لكن الحقل تعرض للهجوم بعد وقت قصير من بدء الحرب، وهرب الجميع إلى بر الأمان. لقد كانت معجزة أنه لم يصب أحد أو يُقتل، وإلا لأصبحت الحكومة اليابانية أقل حماسة بشأن التعاون الدولي وتقديم المساعدات بعد حرب الخليج. الأمر أكثر من مجرد مصالح نفطية في المنطقة، هذا هو جوهر المشكلة التي تواجه اليابان في مجال العلاقات الدولية.
ويشدد كونو على أن هناك شيئًا يمكنه فعله بشأن دبلوماسية اليابان في الشرق الأوسط. فاليابان ليست دولة دينية مقارنة مع دول الشرق الأوسط، وليس لديها تاريخ استعماري في المنطقة، فلم تحتل أو تستعمر أي دولة من دول الوطن العربي، مما يعطي تحركاتها قوة إضافية من أجل دفع عملية الاستقرار الشرق الأوسط من منطلق محايد بعيدا عن التجاذبات والاستقطاب المعقد الذي يعصف بالمنطقة.
المساهمة في إقرار السلام في الشرق الأوسط؟
جرى الحوار السياسي بين اليابان والعالم العربي لأول مرة في القاهرة في سبتمبر/ أيلول 2017، حيث تمت مناقشة أربع موضوعات رئيسية. تطرق كونو إلى هذه الموضوعات، ”المبادئ الأربعة لكونو“- دعم الناس والأفكار، الاستثمار في الموارد البشرية، اتخاذ نهج طويل الأجل، وتعزيز المبادرات السياسية - عندما تحدث إلى البرلمان حول الدبلوماسية. وفي كلمته أكد كونو على أن اليابان سوف تعمق مشاركتها السياسية في الشرق الأوسط وتلعب دورا أكبر في إحلال السلام والاستقرار في المنطقة.
وفي مؤتمر دولي عقد في العاصمة البحرينية المنامة في 27 أكتوبر/ تشرين الأول 2018، طرح كونو ثلاث مجالات قال فيها إن اليابان يمكنها الاستفادة من خبرتها لدعم التغيير في الشرق الأوسط. وبناءً على المبادئ الأربعة، تعهد كونو بمساعدة الشباب الذين يرغبون في إحداث تغيير في المنطقة من خلال دعم التغييرات في النظام التعليمي وتخطيط التدريب المهني، بما في ذلك دعم الشباب الذين يرغبون بالدراسة في اليابان.
على الرغم من أن المناطق التي وعدت اليابان بتقديم المساعدة فيها ليست جديدة، فقد جذبت تعليقات كونو الانتباه، لأنه في نهاية كلمته قال إن المبادئ الأربعة تضمنت دورًا نشطًا لليابان بصفتها وسيط صادق في محادثات السلام. يبدو أن هذا يشير إلى احتمال أن تحاول اليابان كسر المأزق في دبلوماسية الشرق الأوسط التي تطورت وتحولت تحت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
القيمة الحقيقية للدبلوماسية الذكية
يؤكد كونو بقوة على أن اليابان ليست تابعة للولايات المتحدة. في كتاب نُشر في عام 2012، يقول كونو إنه على عكس اليابان في حقبة الحرب الباردة، تحتاج البلاد إلى تبني نوع من الذكاء السياسي وأن تكون أكثر براغماتية في دبلوماسيتها الخارجية، ويجب عليها التخلص من عقلية التابع واتخاذ نهج أكثر استقلالية لترسيخ مكانتها في المنطقة الآسيوية في المجتمع الدولي.
لكن القول دائمًا أسهل من الفعل بخصوص انتهاج اليابان دبلوماسية ذكية. فعلى سبيل المثال، دعمت إدارة ترامب ضمنيًا ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بع قضية مقتل الصحفي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في تركيا، لكن اليابان بحاجة إلى الحفاظ على علاقات جيدة مع كل من الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية. لقد أسس كونو نفسه علاقة شخصية قوية مع ولي العهد، وحتى لو اتضح تورط الأمير في مقتل خاشقجي، فمن المشكوك فيه أن تكون اليابان في وضع يمكنها من انتقاد المملكة العربية السعودية بقوة.
علاوة على ذلك، عندما زار كونو القدس والسلطة الوطنية الفلسطينية في نهاية عام 2017، لم يوافق كونو على قرار الولايات المتحدة بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل. ومع ذلك، فقد فشل في إظهار دور اليابان كوسيط في عملية السلام لأنه لم يدع الولايات المتحدة للعدول عن هذا القرار ولم يوجه لها انتقاد قوي بخصوص هذا القرار.
لا يمكن لوزير خارجية اليابان أن يصنع المعجزات، لكن إدارة ترامب التي تعمل مع إسرائيل والسعودية، تحاول عزل إيران وإعادة رسم خريطة علاقات القوة والسلام في الشرق الأوسط. إذا حاولت الولايات المتحدة زيادة تشديد الخناق على إيران، فستواجه اليابان صعوبة في موازنة مصالحها، بالنظر إلى أن لها علاقة إيجابية مع إيران على مر السنين.
وعلى العكس من ذلك، بما أن الحزب الديمقراطي فاز بمقاعد الأغلبية في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في الولايات المتحدة الأمريكية، فقد يفقد الرئيس ترامب نفوذه حيث تزداد الخطوات الرامية إلى الحد من قوته. قد يعني ذلك المزيد من فقدان التواجد الأمريكي في الشرق الأوسط، وزيادة المبادرات الدبلوماسية العشوائية، وزيادة التوتر أو ربما يتطور الأمر للأسو فتندلع حرب هنا أو هناك في ظل الأجواء السائدة في المنطقة. وكما يمكننا أن نرى من خلال الأوضاع في المنطقة، يمكننا القول أن الشرق الأوسط يتجه نحو الاضطراب بدلاً من الاستقرار، لذلك فمن المؤكد أن القيمة الحقيقية لدبلوماسية كونو ستختبر عدة مرات في المستقبل.
(نشر النص الأصلي باللغة اليابانية في ديسمبر/17 كانون الأول عام 2018. صورة العنوان: وزير الخارجية كونو تارو في محادثات مع محمود عباس، في مدينة رام الله بتاريخ 25 ديسمبر / كانون الأول 2017. جيجي برس)