اشتهر هوشي شينئيتشي بإبداعه الأدبي الغزير، إذ ألّف أكثر من 1000 قصة قصيرة جدا، وظل على مدار أكثر من نصف قرن أحد أشهر الكتاب المفضلين لدى القراء في اليابان. ويوافق عام 2026 مرور 100 عام على ميلاده.
استشراف المستقبل
يوافق عام 2026 الذكرى المئوية لميلاد هوشي شينئيتشي. وقد أثارت هذه المناسبة البارزة للكاتب ذي الإنتاج الغزير، اهتمام وسائل الإعلام، كما دفعت المكتبات في مختلف أنحاء اليابان إلى تخصيص عروض لكتبه. فمنذ بدايته الأدبية عام 1957، ظل هوشي على مدى 50 عاما من بين الكتاب المفضلين لدى القراء اليابانيين، وهو ما يدلل على شعبيته المتواصلة عبر الأجيال، إذ نجح في استقطاب قراء جدد، وحافظ على مبيعات مستقرة لأعماله على مرّ العقود.
يشتهر هوشي بقصصه القصيرة جدا، التي تتسم بسهولة القراءة والخيال الخصب والطابع الممتع. وتمتاز هذه الأعمال القصصية المكثفة بخلوها من أسماء الأعلام الحقيقية والإشارات إلى الصيحات المعاصرة، كما تخلو من المشاهد الجنسية والعنيفة، ما يجعل قراءتها يسيرة حتى على الأطفال.
كثيرا ما ترد أعمال هوشي في الكتب المدرسية، ومن المرجح أن كثيرا من اليابانيين قد قرأوا قصتيه ”بوكّو-تشان“ أو ”هي! اخرج من هنا!“. وتتميز بعض أعماله، مثل رواية ”صوت عبر الشبكة“ وقصة ”سكرتير فوق الكتف“، بقدرة غريبة على استشراف المستقبل، إذ تستحضر، على سبيل المثال، شبكة الإنترنت أو التواصل عبر الذكاء الاصطناعي التوليدي.
ولفهم الأسباب التي دفعت هوشي إلى كتابة أكثر من 1001 قصة قصيرة جدا خلال حياته، من المفيد التعرف إلى خلفيته الشخصية.
روح المغامرة
كان والد هوشي، هاجيمي، المولود عام 1873، مؤسس شركة هوشي للصناعات الدوائية، كما كان عضوا في البرلمان الياباني. أما جده من جهة الأم، فكان عالم تشريح وأستاذا فخريا في جامعة طوكيو الإمبراطورية، التي أصبحت لاحقا جامعة طوكيو. وكانت جدته شقيقة الروائي موري أوغاي.
عاش هوشي مع جديه من جهة الأم في هونغو بطوكيو، نظرا إلى أن والده كان كثير الغياب بسبب انخراطه في العمل السياسي. وقد ألف هوشي كتابين عن والده وكتابا عن جده من جهة الأم، وهو ما يعكس –على الأرجح– رغبة عميقة لديه في فهم عائلته.
تأثرت القفزات الخيالية والنهايات المفاجئة في قصص هوشي بروح المغامرة التي تحلى بها والده. فقد ولد هاجيمي في أواخر القرن التاسع عشر، حين كانت اليابان تمضي بخطى سريعة نحو التغريب، ودرس في جامعة كولومبيا، كما أقام علاقات واسعة مع عدد من السياسيين، من بينهم غوتو شينبي، الذي تولى الشؤون المدنية في تايوان، التي كانت آنذاك مستعمرة يابانية. وكان هاجيمي صاحب موهبة استثنائية في التفكير الإبداعي، وقد عمل مساعدا مقربا لغوتو، وتميز بتفاؤله اللافت. ويقال إنه، بعدما تعرض ذات مرة لحادث تحطم طائرة، علق قائلا ”كنت قد قررت أن أجلي لم يحن بعد“.
وبعد الحرب العالمية الثانية، سافر هاجيمي إلى الولايات المتحدة لجمع الأموال اللازمة لشركة هوشي للصناعات الدوائية، لكنه توفي فجأة، تاركا لابنه مسؤولية إدارة الشركة. وعلى الرغم من تعقد العلاقة بين هوشي ووالده، إلا أنه كتب لاحقا ”أنا محظوظ لأنني ورثت عن أبي جوهر أفكاري. وأنا أؤمن بذلك إيمانا صادقا“.
هوشي والحرب
من الأدلة التي تساعد على فهم نظرة هوشي إلى المجتمع هو سنة ميلاده في عام 1926. ففي اليابان زمن الحرب، جرى تجنيد كثير من الشبان وإرسالهم إلى ساحات القتال، وكان من بينهم بعض زملاء هوشي. غير أن هوشي، الذي كان يدرس الكيمياء الزراعية، أُعفي من التجنيد، وقضى سنوات الحرب كعامل. وخلال بحثي لإعداد سيرة ذاتية عن هوشي، ظلت كلمات أحد أصدقائه من المرحلة الابتدائية عالقة في ذهني:
”كان هناك دائما من يعرف ما يجري. فقد كان الكبار يقولون ’ستخسر اليابان الحرب، لقد خسرنا معركة ميدواي‘. وأظن أن هوشي كان قد سمع الكثير من التفاصيل من والده..... ولذلك، عندما انتهت الحرب، لم يكن الأمر بالنسبة إلينا سوى انتهاء الحرب فحسب. وكان هذا فارقا هائلا بيننا وبين الذين قاتلوا. فالذين ذهبوا إلى الجبهة أو أبحروا على متن سفينة حربية، ثم عادوا أحياء، كانوا يريدون التكفير عما حدث. وكانت هناك فجوة كبيرة بيننا وبين من كانوا يسبقوننا في الدراسة بخمس سنوات. لكن المرء يستطيع التكيف حين يكون شابا.“
كان هوشي في الثامنة عشرة من عمره، ويدرس في جامعة طوكيو الإمبراطورية، عندما انتهت الحرب. وبعد أن استمع في قاعة ياسودا بالجامعة إلى إعلان الإمبراطور استسلام اليابان، سارع إلى القصر الإمبراطوري في وسط طوكيو. ولم يكن يعلم أن الرسالة قد سُجلت مسبقا، فافترض أن الإمبراطور سيعود إلى القصر بعد إلقاء خطابه من مكان آخر.
كتب هوشي لاحقا عن حيرته كلما شاهد صورا أو لقطات سينمائية لحشود تبكي بحرقة وتسجد أمام القصر الإمبراطوري وقت إعلان الاستسلام، إذ إنه لم يشهد مثل هذه المشاهد عندما ذهب إلى هناك. ويكشف فضوله الذي دفعه إلى التوجه إلى القصر لمعرفة ما كان يحدث، إلى جانب تحليله الهادئ للموقف، عن ملامح الأسلوب الذي سيتسم به أدبه لاحقا، حين راح يرصد المجتمع من منظور غير عادي.
”كان هناك دائما من يعرف ما يجري. فقد كان الكبار يقولون ’ستخسر اليابان الحرب، لقد خسرنا معركة ميدواي‘. وأظن أن هوشي كان قد سمع الكثير من التفاصيل من والده..... ولذلك، عندما انتهت الحرب، لم يكن الأمر بالنسبة إلينا سوى انتهاء الحرب فحسب. وكان هذا فارقا هائلا بيننا وبين الذين قاتلوا. فالذين ذهبوا إلى الجبهة أو أبحروا على متن سفينة حربية، ثم عادوا أحياء، كانوا يريدون التكفير عما حدث. وكانت هناك فجوة كبيرة بيننا وبين من كانوا يسبقوننا في الدراسة بخمس سنوات. لكن المرء يستطيع التكيف حين يكون شابا.“
فراغ دام 6 سنوات
في تلك الفترة تقريبا، بدأ هوشي يعمل سكرتيرا لوالده ويرافقه في مهام العمل. وعندما التحق بالدراسات العليا، عُين مديرا للمبيعات في شركة هوشي للصناعات الدوائية. ولكن لم يكتب شيئا عن الفترة الممتدة من وفاة والده عام 1951 إلى بيع الشركة بعد 6 سنوات.
وجاءت نقطة التحول في حياة هوشي عندما كان منشغلا بتسوية شؤون الشركة، فحضر اجتماعا لجمعية أبحاث الأطباق الطائرة اليابانية، التي كان من بين أعضائها ميشيما يوكيو وإيشيهارا شينتارو. وكان أعضاء الجمعية يجتمعون ببساطة للحديث عن الأطباق الطائرة، من دون أن يتطفل أحدهم على الخلفية الشخصية للآخر.
وبالتعاون مع عدد من محبي أدب الخيال العلمي، أسس هوشي مجلة ”أوتشوجين (الغبار الكوني)“، وهي مجلة أدبية مستقلة كان أعضاؤها يتولون نشرها بأنفسهم. وقد لفتت قصته ”سيكسترا“، التي نشرها فيها، انتباه إيدوغاوا رانبو، الكاتب المعروف بأعمال الغموض والإثارة، ومثلت بداية مسيرته الأدبية.
ظهور بوكّو-تشان
بعد شهرين، أتم هوشي كتابة قصة ”بوكّو-تشان“، وهي هجاء لاذع تدور أحداثها حول نادل في حانة يصنع مضيفة آلية جميلة تدعى بوكّو، بهدف زيادة مبيعات المشروبات، لكن الأمور تنتهي بعواقب مميتة لم تكن في الحسبان. وقد استعاد هوشي تلك اللحظة لاحقا قائلا ”عندما انتهيت من كتابتها، قلت لنفسي ’هذا هو!‘. شعرت وكأنني اكتشفت ذاتي الحقيقية. وربما أكون أبالغ، لكنني أحسست أن قدرتي هي هبة من السماء“.
كتب هوشي القصة على ظهر ورقتين من أوراق المراسلات الرسمية للشركة، وكان عنوانها الأصلي ”أوسيجي أو إيواناي بوكّو-تشان (بوكّو-تشان التي لا تجامل أحدا)“. وفي وقت لاحق، اعتاد كتابة مسودات قصصه القصيرة جدا على ظهر أوراق المخطوطات المستعملة، مستخدما خطا بالغ الصغر يتيح له رؤية المسار العام للقصة بنظرة واحدة، وإن لم يكن قد استقر على هذه الطريقة بعد في تلك المرحلة.
لكن هوشي كان قد اكتشف أسلوبه الأدبي الخاص، القائم على جمل قصيرة وإيقاعية، تخلو من أي إشارات إلى الحقبة الزمنية أو المكان أو أسماء الشخصيات. وأصبح التفاعل بين الزبائن وبوكّو-تشان، وطريقتها في ترديد كلماتهم عليهم، سمة مميزة لأسلوبه الأدبي منذ ذلك الحين. وكتب هوشي لاحقا ”كنت أحب هذه القصة بنفسي، وكانت النموذج الأولي لجميع القصص القصيرة جدا التي كتبتها بعدها. لقد وجدت الأسلوب الذي يناسبني، وبالنسبة إلي، كانت بوكّو-تشان نقطة البداية لكل ما جاء لاحقا. فهي التي جعلتني الكاتب الذي أنا عليه اليوم“.
لكي يكون الكاتب فريدا من نوعه، عليه ألا يفعل ما يفعله الآخرون. ووفقا لصديق عرف هوشي عندما كان يعمل سكرتيرا لوالده، فقد كرس الكاتب جهوده لتطوير طابعه المتفرد، وكان يلتهم الصحف والمجلات الأمريكية التي حصل عليها من قوات الاحتلال بعد الحرب، بحثا عن أفكار جديدة. وتتخذ بعض أعماله، مثل قصة ”آخر إنسان على الأرض“، من موضوعات الكتاب المقدس محورا لها، كما تكشف يومياته أنه كان يحضر القداس الكنسي في إحدى مراحل حياته.
كاتب لا يضاهيه أحد
من الواضح أيضا أن هوشي قرأ كثيرا من الأعمال الأدبية الأجنبية. وقد أشار إساكا يو، أحد تلاميذه الذي آلت إليه مكتبته الضخمة، إلى أن هوشي اقتنى مجموعات شبه كاملة من 3 مجلات يابانية رائدة في أدب الغموض والتحقيق: ”مجلة هيتشكوك“ و ”مانهانت“ والنسخة اليابانية من ”مجلة إليري كوين للغموض“. وأضاف إساكا أن هوشي كان كثيرا ما يشجعه على قراءة القصص القصيرة الأجنبية.
أما الكاتب أراماتا هيروشي، الذي تابع أعمال هوشي منذ بداياته الأولى، فقد علق قائلا ”يعتقد الجميع أنهم قادرون على الكتابة بأسلوب هوشي، فيحاولون ذلك، لكنهم سرعان ما يكتشفون أنهم لا يستطيعون مواصلة الكتابة على هذا النحو“. ويوصف أسلوب هوشي أحيانا بأنه متأثر بالغرب بشكل مفرط، غير أنه يمكن فهمه على نحو أدق إذا نظرنا إلى الطريقة التي أدخل بها، على حد تعبير أراماتا، ”روح الألفة والتكبر في الثقافة الأمريكية“.
وبعد أن اكتشف صوته الأدبي المتفرد من خلال قصة بوكّو-تشان، كان هوشي رائدا في إرساء نوع أدبي لا يشبهه فيه أحد، وهو القصة القصيرة جدا، ومضى ليصبح كاتبا مفضلا لدى شريحة واسعة من القراء.
في أكتوبر/تشرين الأول عام 1983، كتب هوشي قصة رفعت مجموع قصصه إلى الرقم القياسي 1001. وكان ينوي مواصلة النشر ما دام راضيا عن كتاباته، كما بدأ يتوسع في كتابة الحكايات الشعبية. وفي الوقت نفسه، واصل تحديث المفردات المستخدمة في أعماله القديمة.
عندما كنت أتفحص أوراق هوشي ووثائقه، شعرت بالذهول أمام الكم الهائل من المسودات ومخططات القصص والمخطوطات التي لم تحمل عناوين. وقد شكلت هذه المواد المكتوبة، على خلاف الذكاء الاصطناعي التوليدي القادر على إنتاج رواية في لحظة، دليلا ملموسا على صعوبة حرفة الكتابة. وفي هذا العام، الذي يوافق الذكرى المئوية لميلاد هوشي، عثرت ابنته مارينا على قصة غير منشورة له بعنوان ”الأرض المقدسة“. وفي تعليقها على القصة ضمن المجموعة الصادرة بمناسبة الذكرى المئوية، قالت ”يتحدث الجميع اليوم عن استهلاك الذكاء الاصطناعي للطاقة. وأظن أنه يمكن القول إن أبي استشرف عالما تصبح فيه الكهرباء ضرورية لكل ما نقوم به“.
وأنا أعمل على إعداد قاعدة بيانات تضم مجمل أعمال هوشي، أعتقد أن أوراقه قد لا تزال تخفي كثيرا من القصص التي لم تنشر بعد. وما قد يجعلني أبتسم هو أن أتخيل أن هوشي لا يزال، حتى يومنا هذا، يمارس ألاعيبه الأدبية المعهودة.
معلومات عن الأعمال المذكورة
- قصة ”بوكّو-تشان“ تمت ترجمتها من قبل سايتو نوريوشي
- قصة ”أوي، ديتي كوي“ تمت ترجمتها إلى الإنجليزية بعنوان ”هي! اخرج من هنا!“ من قبل ستانلي جونز
- رواية ”كوئي نو أمي“ تمت ترجمتها إلى الإنجليزية بعنوان ”صوت عبر الشبكة“، وقصة ”سايغو نو تشيكيوجين“ إلى ”آخر إنسان على وجه الأرض“ من قبل هوشي مارينا وكيم هاينز
- قصة ”كاتا نو أوي نو هيشو“ تمت ترجمتها إلى الإنجليزية بعنوان ”سكرتير فوق الكتف“ من قبل جاي روبن
- ”سيكسترا و”سييئتشي (الأرض المقدسة)“
(النص الأصلي باللغة اليابانية، الترجمة من الإنكليزية)