تبادل المذكرات اليومية لأول مرة مع صديق ياباني
قمت بزيارة اليابان وحدي عام ١٩٩٩ وكان عمري وقتها ١٦ عاماً. وقضيت عشرة أشهر في مدرسة حكومية في مدينة هيمجي بمحافظة هيوجو غربيّ اليابان. وكان مستواي في اللغة اليابانية مقتصراً على جمل بسيطة مثل ”إشتريت تفاحة“. أي أني لم أكن إستطيع غير أن أخمن موضوع الحوار من خلال بعض الكلمات القليلة التي إستطعت فهمها وتدويرها في عقلي حتى أضع يدي على الإطار العام للحوار. وكنت أقوم بتكوين جمل يابانية قائمة على ”قواعد نحوية صحيحة“ وكان هذا يؤدي إلى أني حينما أبدأ في الحديث تكون دفة الحديث قد تحولت لموضوع أخر. وهذا هو المسار الطبيعي لأي حوار. كما تمثلت لديّ تلك الرغبة في ”عدم الوقوع في أخطاء لغوية“ و”التحدث بلغة مضبوطة“ عائقاً أمام تقدم قدراتي اللغوية.
وفي خضم كل ذلك، فانّ أكثر ما مثل دعماً كبيرا لي، كانوا أصدقائي بالمدرسة والتلفزيون. وكان لي في المدرسة صديقين حميمين على وجه الخصوص، وقررت مبادلة مذكراتي اليومية مع احدهما. بحيث يكتب كل منا مذكراته اليومية باللغتين الإنجليزية واليابانية، ويقوم كل منا بتصحيح أخطاء الأخر وبكتابة خواطره وما يرغب في تعريفه للآخر. وبهذا تغلبت على مشكلتي في عدم القدرة على التوافق مع الإيقاع السريع للحوارات بالكتابة التي سمحت لي بصياغة الجمل اليابانية بالإيقاع الذي يناسبني. وساعد ذلك على تحسن لغتي اليابانية تدريجياً شيئاً فشيء.
وأثناء فترة دراستي في اليابان، لم تكن شبكة الإنترنت قد انتشرت بصورة كبيرة بعد، وكانت وسائل دراسة اللغة اليابانية هي بالأساس الكتب والقواميس. ولم يكن من الممكن وقتها القيام ببحث سريع في القاموس. وقد عوَّدت نفسي على التفكير بهدوء كيف يستخدم الجميع الكلمات والتعبيرات التي أسمعها لأول مرة وفي أي موقف تُقال منهم. أما بالنسبة للتلفاز، فقد كانت كتابة الحوار التي تظهر على الشاشة في برامج الأخبار وبرامج المنوعات، خير معين لي في الدراسة. فبعض من الكلمات، كان يكفي مشاهدتها في التلفاز لمعرفة طريقة نطقها وكتابتها في آن واحد. وعلى الرغم من وجود العديد من الطرق الأخرى الجيدة الأن، إلا أني لا أشعر بالندم على مجهود تلك الفترة. بفضل تلك الفترة إكتسبت ”أذن تسمع جيداً“ وعزيمة قوية.
اكتشاف ”متعة الكتابة باليابانية“ على مدونات الإنترنت
لقد درست اللغة اليابانية في جامعة بون. وذهبت للدراسة في جامعة واسيدا في السنة الثالثة من الدراسة الجامعية.
وكانت فترة الدراسة باليابان مخصصة بشكل أساسي لدراسة اللغة اليابانية .وبعد التمكن من أساسيات اللغة، يبدو إني كنت في على موعدٍ مع العائق الأكبر، ألا وهو الفارق الكبير بين القواعد النحوية التي درستها واللغة اليابانية المستخدمة في التحدث. فبالإضافة إلى لغة الحياة اليومية توجد مصطلحات الإحترام . مثلاً ما كان يقال في المدرسة بخصوص الإفراط في مصطلحات الاحترام من ”أنه خطأٌ نحوي ولا يجب استخدامه“ فإن ذلك كان يتعارض مع ما وجدت المجتمع يستخدمه على نطاق واسع. ولعل أكثر ما أظهر هذا الفرق الكبير لي بين المثالية والواقع تمثّل في المدونات التي كانت منتشرة وقتها. في البداية قمت بعمل مدونة باللغة اليابانية لتعريف أسرتي وأصدقائي بحياتي في اليابان وكانت باللغة الألمانية.
ولكن نظراً لأنّ أصدقائي اليابانيين رغبوا أيضاً في قراءة تلك المدونة، فقد قبلت التحدي بالبدء في الكتابة باللغة اليابانية أيضاً. وكانت تلك نقطة فارقة في اسلوبي لتعلم اللغة اليابانية. حيث تختلف المدونة عن الفروض المنزلية المطلوبة للمدرسة، فليس المطلوب الكتابة ”بشكل نحوي صحيح“ ولكن الكتابة ”بتعبيرات يابانية شيقة“ و”يابانية حقيقية تعكس مشاعري“ بشكل حر وحقيقي. وليس هذا بعملية منعزلة بل تتم بالتفاعل مع المحيط ومعرفة رأى الأخرين فيما نكتب. ونتيجة لذلك، استطعت بشكل واضح التعود على ”اليابانية المستخدمة في الحياة العادية“.
وقد غيرت تلك المدونة التي داومت على كتابتها لمدة خمس سنوات حياتي بشكل كبير، ليس فقط على مستوى تحسن اللغة اليابانية، بل اكتشفت ايضاً شعور ”سعادة الكتابة“. حيث يوجد الكثير من تعبيرات المشاعر في اللغة اليابانية التي لا توجد في اللغة الألمانية ولا أعرف لماذا أشعر بتقارب كبير مع هذه التعبيرات. وربما من الوارد ألا يكون إحساسي باللغة اليابانية متطابقاً مع اليابانيين، ولكن على العكس أعتقد أنني أستطيع إستخدام اللغة اليابانية في أفكار أكثر حرية من اليابانيين.
(المقالة الأصلية باللغة اليابانية، ٣٠ مايو/ أيار ٢٠١٣)



