لماذا يعود العاملون في مجال رعاية المسنين إلى بلدانهم
كما ذكر سابقا، فإن اليابان بالفعل تمتلك نظاماً لتدريب وتوظيف الممرضين الأجانب والعاملين في مجال رعاية المسنين تحت مظلة اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الثنائية (EPA) مع ثلاثة بلدان في المنطقة هي إندونيسيا، والفلبين، وفيتنام. وقد اُطلق هذا البرنامج عام ٢٠٠٨ وسط ضجة كبيرة، مقدماً دروساً مهمة لنا للمضي قدما.
لكن في إطار اتفاقيات الشراكة الاقتصادية، يحصل مقدمو الطلبات من المؤهلين على تدريب في اللغة اليابانية، بالإضافة إلى تدريب مهني في مركز طبي أو مركز للرعاية اليابانية. بعد اجتياز اختبار المجلس الوطني، ليصبحوا بذلك مؤهلين للعمل في اليابان إلى أجل غير مسمى، ويتم تجديد إقامتهم كل ثلاث سنوات. علماً ان المرشحين يستثمرون قدرا كبيرا من الوقت والجهد لإكمال تدريبهم وكسب الترخيص، وكذلك المرافق التي تتولى تدريبهم. فلماذا إذن يقرر حوالي ١٦٪ -٣۸٪ من الذين اجتازوا اختبار المجلس الوطني العودة إلى ديارهم بدلا من البقاء في اليابان؟
ذكر العديد من العاملين في مجال رعاية المسنين أسباب تركهم للمهنة ومغادرتهم اليابان، والمتمثلة في ظروف العمل الصعبة وساعات العمل الطويلة التي تعيق تحقيق التوازن بين العمل والأسرة والتي ثبت أنها تضر بصحتهم. وهذه هي نفس الأسباب التي دفعت الممرضين ومقدمي الرعاية من اليابانيين إلى ترك هذه المهنة. وبعبارة أخرى، فقد تضرر المتدربون من جنوب شرق آسيا من نفس الظروف القاسية التي دفعت باليابانيين من نساء ورجال إلى التخلي عن هذه المهنة. ومن ذلك نستنتج إذن أن أهم شرط لتأمين العاملين في مجال رعاية المسنين في اليابان هو تحسين ظروف عملهم بغَضِّ النظر عن جنسيتهم.
حاضر اليابان ومستقبل إندونيسيا
كما تجدر الإشارة إلى أن العديد من الممرضات من برنامج الشراكة الاقتصادية والعاملين المرخصين في مجال رعاية المسنين العائدين من الذين قابلتهم في إندونيسيا أكدوا على استفادتهم من البرنامج من وجهة نظرهم. حيث لم يشيروا إلى المال الذي اكتسبوه أو ادخروا كمتدربين بأجر مدفوع فقط وإنما إلى فرص الاتصال المباشر مع قطاع تمريض المسنين أيضا وكذلك خدمات رعاية كبار السن في اليابان. هذا ولا تملك حاليا أيٌّ من دول جنوب شرق آسيا المُشاركة مع اليابان في اتفاقات الشراكة الاقتصادية (EPA) برنامج توثيق موجه للمتخصصين في مجال رعاية كبار السن، مثل برنامج اليابان الوطني للعاملين المرخصين في قطاع رعاية المسنين. ويعود ذلك لأسباب عدة مثل الاختلاف الثقافي والتركيبة السكانية ومتوسط العمر المتوقع ونوع القضايا الصحية التي تواجه الناس، فرعاية كبار السن في تلك الدول هي مسؤولية العائلة في المقام الأول.
وقد أخبرني العائدون من برنامج الشراكة الاقتصادية ممن تحدثت إليهم أنه لا شيء مما تعلموه في مدرسة التمريض في بلادهم أسهم بشكلٍ أو بآخر في إعدادهم للتجربة التي خاضوها في اليابان، حيث تعلموا أن يعاملوا مرضاهم كما لو كانوا والديهم. وقالت ممرضة إندونيسية: ”إن تأمينات الرعاية طويلة الأجل في اليابان نظام رائع“. وقالت أيضا: ”قريبا سوف تواجه إندونيسيا نفس تحديات مجتمع الشيخوخة، وأود أن أشارك في تصميم نظاماً تأمينياً للرعاية طويلة الأجل هنا“. وقد تحدثت موظفة الرعاية الإندونيسية التي حصلت على الترخيص الوطني بحماس عن الرعاية المنزلية في اليابان كونها نموذجاً واعداً لإندونيسيا، لأن مثل هذه الخدمات تكاد تكون منعدمة في الوقت الحاضر.
كانت معظم التعليقات التي أبداها المتدربون الذين أكملوا دراستهم في مدرسة التمريض في إندونيسيا قبل مجيئهم إلى اليابان في نفس هذا السياق. فقد زادوا من احتمال أن تكون خبرة أمثال هؤلاء المتدربين بمثابة رأس الحربة التي ستساعد على دمج الأسلوب الياباني في رعاية كبار السن إلى مجال رعاية المسنين الجديد في إندونيسيا. وقالت لي ممرضة كانت قد حصلت على الرخصة الوطنية في اليابان إنها تريد إنشاء مدرسة لإعداد المرشحين الإندونيسيين لخوض تدريب رعاية المسنين في اليابان. فبعد أن أتيحت لها الفرصة للعمل على الخطوط الأمامية للمجتمع الياباني الذي يعاني من شيخوخة مفرطة، قد تمكن هؤلاء المتدربون من رؤية ما يخبئه المستقبل لإندونيسيا. هم الآن في موضع ممتاز يتيح لهم نقل خبراتهم إلى الأجيال القادمة من المتدربين بعد أن تسلحوا بمعرفة اللغة والثقافة اليابانية إضافة إلى عادات العمل.