الهوة المتنامية بين وسائل الإعلام والشعب
يقدم مسح معهد رويترز لدراسة الصحافة بيانات تؤكد الهوة بين وسائل الإعلام اليابانية والمجتمع. فقد تم سؤال يابانيين عما إذا كانوا قد تحدثوا مع الأصدقاء والزملاء حول قصة إخبارية خلال الأسبوع الماضي، قال 19% فقط من المستجيبين للمسح في اليابان نعم، وهذا أقل بكثير من نسبة 40% في الولايات المتحدة و 37% في بريطانيا. ويظهر اختلاف مماثل في النسب المئوية لأولئك الذين يقولون إنهم شاركوا أو ناقشوا الأخبار على الإنترنت، حيث بلغت تلك النسب 5% فقط في اليابان مقابل 20% في الولايات المتحدة و 12% في بريطانيا. وفيما يتعلق بالمشاركة أو التعليق على الأخبار بانتظام عبر شبكة الإنترنت، جاءت اليابان في المركز الأخير من بين المناطق الـ36 التي شملها الاستطلاع بنسبة 13%.
في تقرير الأنباء الإلكترونية لعام 2016 الذي شمل 26 منطقة، أدرج معهد رويترز لدراسة الصحافة نتائج مقارنة بين الاهتمام بالأخبار ’’الجادة‘‘ التي تشمل السياسات والاقتصاد و’’الخفيفة‘‘ التي تشير إلى مواضيع ترفيهية. كانت نسبة اليابانيين الذين صرحوا بأنهم مهتمون بالأخبار ’’الجادة‘‘ أكثر من ’’الخفيفة‘‘ 49% وهي الأدنى بين جميع المناطق التي شملها الاستطلاع. أما البلدان التي فيها توقع اجتماعي قوي بأن الناس يجب أن يبدو اهتماما بالأخبار السياسية والاقتصادية، فمن المرجح أن تكون نسبة الذين يجيبون بأنهم أكثر اهتماما بالأخبار ’’الجادة‘‘ مقارنة بالأخبار ’’الخفيفة‘‘ أعلى بغض النظر عن ميولهم الفعلية. ولكن هذا النوع من المعايير الاجتماعية – وهي الفكرة التي تتمحور حول وجوب بقاء المواطنين مطلعين على مواضيع الأخبار الجادة – ينقصه الدافع في اليابان، ومستوى الاهتمام بالأخبار الجادة في واقع الأمر متدنٍ. يبدو من المنطقي أن نتكهن أن الناس ليسوا مهتمين بالكيفية التي يتعين على وسائل الإعلام أن تتعامل بها في تغطيتها الإخبارية.
بالمقارنة مع بلدان أخرى، فإن اليابان لا تزال تشهد مستوى مرتفعا من توزيع الصحف، كما أن نسبة مشاهدة التلفاز لم تشهد انخفاضا سريعا هنا كما هو الحال في أماكن أخرى. وقد يعكس هذا نجاح استراتيجية الإعلام الطويلة الأمد في تجنب المحتوى المثير للجدل. لكن هذه الظاهرة تشير إلى وجود فجوة بين الحالة الفعلية للمجتمع الياباني وصورة المجتمع الذي تطرحه وسائل الإعلام. لا نجد في اليابان ذلك الاستقطاب داخل وسائل الإعلام والذي يبرز في مكان آخر، ولكن المسافة بين وسائل الإعلام والمجتمع تتزايد باضطراد.
ظهور إعلام متحزب في اليابان
ومع ذلك، أود أن أشير إلى أن اليابان شهدت في الآونة الأخيرة ظهور أجهزة إعلام لا تتجنب إثارة الجدل. على عكس معظم الصحف الرئيسية التي تستمر في اتخاذ موقف حذر وتقوم تبث تقارير تشمل طرفي النقاش حول قضايا مثيرة للجدل في الوقت الذي تنأى فيه بنفسها عن النزاع، تظهر بعض الصحف حاليا تحزبا واضحا، وتخاطب آراء القراء الشخصية بمحتوى يعرض قضية مع أو ضد الحكومة وأحزاب سياسية محددة. ومن النماذج الرئيسية على تلك الصحف جريدتي سانكيي شيمبون وطوكيو شيمبون. فقد تبنت الأولى موقفاً محافظاً يميل إلى اليمين وتعرض وجهات نظر مؤيدين لمراجعة التاريخ وتعرب عن تأييدها لإدارة رئيس الوزراء آبي شينزو، بينما اتجهت الأخيرة نحو اليسار حيث تقوم بمعارضة استخدام الطاقة النووية وتنتقد إدارة آبي.
إن الانعطاف نحو جناح اليمين لصحيفة سانكيي جلي في مقالتها حيث تبرز الآراء التي تخوف من الأجانب على صفحاتها. يبدو أن الصحيفة تستخدم هذا الاتجاه كنوع من أشكال العلامة التجارية. وقد ركزت بشكل كبير على القضايا المتعلقة بسلوك اليابان في زمن الحرب، ولا سيما ممارسة استغلال ’’نساء الترفيه‘‘ من كوريا وأماكن أخرى كعاهرات للجنود اليابانيين. دأبت سانكيي على توجيه انتقاداتها خاصة لما تصفه بالتقارير المتحيزة لصحيفة يومية أخرى هي ’’أساهي شيمبون‘‘، حيث تنشر مقالات تتهمها فيها بإشاعة معلومات خاطئة على المستوى الدولي حول هذه الممارسة، حتى أنها نشرت مجموعة من هذه الانتقادات على شكل كتاب.
كما دأبت صحيفة سانكيي أيضا على توجيه انتقادات لاذعة إلى معارضي إدارة آبي. وقد شنت هجوما عنيفا على صحيفتين محليتين يوميتين في محافظة أوكيناوا هما ريوكيكي شيمبون وأوكيناوا تايمز، بسبب تقارير خاطئة عن حادثة وقعت مؤخرا تتعلق بمشاة البحرية الأمريكية المتمركزة هناك، وعدم قيام الصحيفتين بنشر تقارير عن أخبار سارة حول مشاة البحرية. ولكن بعد ذلك تبين أن تغطية سانكيي كانت غير دقيقة، وسحبت الصحيفة قصتها وأصدرت اعتذارا في 8 فبراير/شباط 2018.
لذا فإن لدى اليابان الآن أيضا مقالات تقوي انعدام الثقة في وسائل الإعلام على أساس المعلومات المضللة والأحكام الجائرة، مع اتهام بعض أجهزة الإعلام لمعارضيها بالتحزب والانحياز. والسؤال هو كيف سيتفاعل هذا النوع الجديد من عدم الثقة المركزة مع انعدام الثقة الكلي في وسائل الإعلام في اليابان وما التأثير الذي سيحمله في المستقبل.
تحتل صحيفة سانكيي المرتبة الأخيرة بين الصحف القومية اليومية الخمس في اليابان، ويقال إنها تعاني من الناحية المالية. على مدى السنوات الثلاثين الماضية أو نحو ذلك، انطلاقا من الشعور بالأزمة فيما يتعلق بقابليتها للاستمرار، كانت تسعى إلى التواصل مع القراء من خلال تبني موقف تحريري مختلف عن نظيره في الصحف القومية الأخرى. لا تستهدف صحيفة سانكيي اليوم القراء المذعنين الذين يفتقرون إلى الاهتمام الجاد بالإعلام. وبدلا من ذلك فإنها تسعى بنشاط للحصول على دعم لمواقفها الخاصة من قرائها وتحثهم على عدم الثقة بمنافسيها الليبراليين.
ليس من الواضح بعد ما إذا كان هذا النوع من التحزب سيسود عالم الإعلام الياباني، لكن التغيير جار بالتأكيد. وسنحتاج إلى دراسة التطورات المستقبلية في هذا المجال مع طرح المؤشرات والأدوات الأخرى لقياس هذا التغيير.
في خبر صدر في 15 مارس/آذار، ذكرت وكالة كيودو اليابانية للأنباء أن رئيس الوزراء شينزو آبي يدرس مراجعة قانون البث لإلغاء بند يشترط أن تكون البرامج الإذاعية والتلفزيونية ’’منصفة من الناحية السياسية‘‘ مع فكرة السماح بحرية أكبر في البث. ومن المفترض أن يؤدي تخفيف القيود هذا إلى تعزيز مشاركة وسائل الإعلام الوافدة حديثا إلى هذه الصناعة. ولكن سيكون من الصعب على القادمين الجدد أن يتحدوا الهيمنة الراسخة منذ أمد طويل من قبل هيئات البث التجارية الخمس الرئيسية الموجودة في طوكيو. ولكن هناك خطر أن يؤدي مثل ذلك التخفيف للقيود إلى زيادة التحزب أيضا داخل صناعة البث المحتكرة.
(المقالة الأصلية منشورة باللغة اليابانية بتاريخ 26 مارس/ آذار عام 2018. الترجمة من الإنجليزية. صورة العنوان: توزيع ملحقات صحفية عن إطلاق صاروخي من قبل كوريا الشمالية. ملاحظة: الصورة ملتقطة في حي ميناتو في طوكيو بتاريخ 5 مايو/ أيار عام 2017، وليس لها اتصال مباشر بمحتوى هذه المقالة. جيجي برس).