عدم مشاركة الصين بمثابة وصمة عار لأولمبياد طوكيو ١٩٦٤

وكالعادة كانت مشاركة جمهورية الصين (تايوان) وجمهورية الصين الشعبية (الصين) في الأولمبياد قضية رئيسية. وقد تم السماح بمشاركة الطرفين في الاجتماع العمومي للجنة الاولمبية الدولية التي عقدت قبل افتتاح أولمبياد ”هلسنكي“ ١٩٥٢بقليل، وبدأت المشكلة عندما استاءت ”تايوان“ من ذلك وقاطعت الدورة. وعند مسيرة دخول اللاعبين في حفل افتتاح أولمبياد طوكيو، ظهر اللاعبون من تايوان حاملين لافتة عجيبة باسم ”تايوان جمهورية الصين“. ولم تشارك الصين كما لم تشارك فيتنام الشمالية لهذا السبب.

صورة تجمع بين رئيس الوزراء الياباني (آنذاك) ”إيكيدا هاياتو“ والرئيس الإندونيسي ”أحمد سوكارنو“ في يناير/كانون الثاني عام ١٩٦٤ وقبل انعقاد الأولمبياد (جيجي برس)

بالإضافة إلى ذلك فقد ثار الجدل أيضاً بعدما قرر الرئيس الإندونيسي ”أحمد سوكارنو“ عام ١٩٦٢ استبعاد كلاً من تايوان وإسرائيل من دورة الألعاب الآسيوية الرابعة، التي عقدت في تلك السنة بـ”جاكرتا“. وكان يجب على اليابان بعد مشاركة بعض لاعبيها في تلك الدورة المثيرة للجدل بسبب قرار إندونيسيا المنافي للقوانين الرياضية، أن تضحي بالأمين العام ورئيس اللجنة المنظمة لأولمبياد طوكيو لتفادي إلغاء أولمبياد طوكيو التي كان من المقرر عقدها بعد عامين. كما تفاقم الصراع بين اللجنة الأولمبية الدولية وإندونيسيا عندما قامت هذه الأخيرة باتخاذ خطوة مثيرة للجدل بإيقاف اللاعبين الذين شاركوا في GANEFO (منافسات الدول الصاعدة)، وهذا ما دفع باللجنة الاولمبية الدولية لمنع إندونيسيا من المنافسة في ألعاب طوكيو وإعادة البعثة الإندونيسية من حيث أتت بعد وصولها إلى طوكيو. وكانت كوريا الشمالية أرسلت بعثتها الرياضية إلى اليابان على متن سفينة من طراز ”مانغيونغبوغ“ الشهير، ولكن لأسباب مماثلة لإندونيسيا انسحبت البلاد عشية الألعاب الأولمبية. وأدى ذلك إلى مأساة مزدوجة للعدّاءة ”سين كيم دان“ حاملة الرقم القياسي لسباق ٨٠٠ متر والتي كان من المتوقع حصولها على الميدالية الذهبية في تلك الدورة حيث أنها اضطرت للعودة إلى بلادها بعد اجتماع استمر فقط لمدة ١٥ دقيقة مع والدها، الذي كان قد فر من كوريا الشمالية قبل ذلك.

استقالة رئيس الوزراء ”إيكيدا“ - بسبب مرضه بعد حفل الختام مباشرة، وأوضاع مَحلّية ودولية مليئة بالصعوبات

وفي أوج فترة الحرب الباردة، كانت فترة عقد دورة ألعاب طوكيو منخرطة كلياً في الشأن الداخلي والخارجي. ففي اليوم السابع من افتتاح الدورة، أجرت الصين تجربتها النووية الأولى. وكان ذلك تجاهلاً لروح الأولمبياد التي تدعو للسلام سيما وأنها أُجريت وكأنها تَحّدٍ للدورة الثامنة عشر للألعاب الأولمبية في ذلك التاريخ وتشويهاً لسمعة ”أول أولمبياد يُقام بآسيا“. ولن أنسى أبداً الإحباط والمفاجأة لدى الصحفيين واللاعبين والمدراء التنفيذيين للاعبين من كافة البلدان في معسكرات التدريب أو المركز الإعلامي في الأولمبياد.

وكذلك في نفس الوقت الذي قام الاتحاد السوفيتي بإرسال عدد كبير من اللاعبين، كانت طائرات حربية مقاتلة سوفيتية تحلّق مرات عديدة في المجال الجوي الياباني، مما دفع قوات الدفاع الذاتي الجوي الياباني للتعامل معها على الفور. وفي تلك الأثناء، تم تنحية ”نيكيتا خروتشوف“ السكرتير العام للحزب الشيوعي السوفيتي ورئيس مجلس السوفييت الأعلى عن كافة مناصبه.

وكانت اقامة الأولمبياد عقب هدم ”جدار برلين“، وشارك فريق ألمانيا الشرقية والغربية الموحد. وقد تم في اللجنة المنظمة للأولمبياد إعداد علم للفريق الموحد بالحلقات الخمس البيضاء للأولمبياد في المنتصف وتم تلوينه بألوان العلم الأفقية الثلاثة الأسود والأحمر والأصفر المشتركة بين البلدين. فقد كان علم ألمانيا الشرقية في ذلك الوقت يتكون من المطرقة والفرجار وسنابل القمح بينما يتكون علم ألمانيا الغربية من الألوان الثلاثة الأفقية آنفة الذكر.

رئيس الوزراء (آنذاك) ”إكيدا هاياتو“ وهو يدخل المركز القومي للسرطان للعلاج (صورة مقدمة من جيجي برس)

أما في اليابان، ففي اليوم التالي من حفل اختتام الألعاب الأولمبية، استقال ”إيكيدا هاياتو“ رئيس الوزراء من منصبه بسبب المرض.إن رئيس الوزراء الياباني ”ساتو إيساكو“ الذي جاء بعده، حقق إحياء العلاقات الديبلوماسية بين اليابان وكوريا الجنوبية كما عمل على عودة جزيرتي ”أوغاساوارا“ و”أوكيناوا“ إلى اليابان. وكان هناك من اليابانيين من يستغرب منح ”ساتو إيساكو“ جائزة نوبل للسلام عام ١٩٧٢، ولكن كان هناك قناعة كافية بأن جائزة نوبل مُنحت لتعزيز المجتمع الياباني كليةً لجعله اليابان مجتمعا مستقرا كدولة محبة للسلام خالية من الأسلحة النووية في مرحلة ما بعد الحرب. وأعتقد شخصيا أن ما نَجَم عن تراث أولمبياد طوكيو ترك عظيم الأثر في ذلك.

وأنا شخصياً من مواليد عام ١٩٤١، أي من الجيل الذي شهد اليابان في مرحلتين، الأولى مرحلة أن تكون اليابان أكبر دولة متلقية للمساعدات، والثانية مرحلة أن تكون أكبر دولة مانحة. وأعتقد أن هذا الأمر نادر في المجتمع الدولي، ولا يقتصر هذا على الثقافة والرياضة فقط بل هناك مسؤولية يجب على اليابان أن تعيدها من أجل رخاء واستقرار دول العالم.

وعلى أي حال فأن الوقت المتبقي حتى عام ٢٠٢٠ ليس كافيا، ولكن نجاح الأولمبياد أو فشلها أمرٌ متوقفٌ على استقرار الوضع الدولي في المقام الأول. وللأسف لم تخمد بعد نيران الحرب في أجزاء كثيرة في العالم مثل أوكرانيا وسوريا والعراق وبما أن دورة الألعاب الأولمبية ليست مجرد ”مهرجان رياضي كبير“ فإنني أتمنى أن تكون بمثابة فرصةٍ تُنتهز كي تُساهمَ وبشكلٍ كبيرٍ في إحلال السلام والاستقرار في العالم.

(المقال الأصلي باللغة اليابانية بتاريخ ٢ اكتوبر/تشرين الأول ٢٠١٤. الصورة: تَقَدُّم أعمال البناء في طوكيو استعدادًا لأولمبياد طوكيو تم تصويرها في يناير/كانون الثاني عام ١٩٦٤، صورة مقدمة من جيجي برس)