مراحل تدريب المنافس
يدق الجرس معلناً بداية المباراة. دعونا الآن نضعها في سياقها التاريخي والثقافي. نحن الآن في عصر ميجي باليابان (1868-1912)، وهي الحقبة التي قررت فيها اليابان اللحاق بل وتخطي ركب الإنجازات العلمية والهندسية والفنية التي وصل إليها الغرب. ملاكمنا هو ناتسومي كيننوسوكي (1867-1916)، الذي أعاد اكتشاف نفسه ككاتب أصبح يعرف فيما بعد بإسم سوسيكي. وقد تم اكتشاف موهبته في وقت مبكر، وتم تمويل تدريبه المبكر من قبل الحكومة اليابانية، والتي أرسلته إلى لندن ما بين عامي 1900-1902 للحاق بالمعايير اللغوية لعلماء الأدب الإنجليزي. وكانت هذه الرحلة هي نشأة طموحه ليصبح (dai-bungakusha) ”الأديب العظيم“. ولكن كان هناك شخص مازال يتفوق على كل الآخرين، وكان ينوي اللحاق به بل وتخطيه. هذا الشخص هو وليم شكسبير.
هذا الوجه من حياة سوسيكي من المستبعد أن تقرأ عنه في أيا من كتب التاريخ الاعتيادية التي تتحدث عن الأدب الياباني. فعلماء الأدب الغربيون يحصرون دوره بشكل روتيني ليس أكثر من مجرد مقاتل عادي في نوادي القتال الأدبية، ووضعه في سرد زمني ممل للكتَّاب اليابانيبن متصلا كل منهم بالآخر. ولكن اسناد مثل ذلك الدور المهمش لسوسيكي كمجرد تسلسل لكتَّاب يابانيين أقل قيمة منه سيأتون من بعده لهو أمر يعد بمثابة صفعة تحط من قدر موهبته.
شارك سوسيكي بنفسه بشكل متعمق في معركة شخصية مع البطل، الأمر الذي سيترك معه مجالا كبيرا لتعليقات المحللين. استلهم جزء منها من معلمه الشخصي في لندن، وهو محرر لـ (Arden Shakespeare) (سلسلة طويلة من الإصدارات العلمية عن أعمال وليام شكسبير) يدعى ويليام كريغ الذي كرس عقودا طوال لتجميع المعجم الكبير لشكسبير (Shakespeare lexicon)، والكاتب الياباني كرس نفسه لمشروعه الضخم الخاص به، Bungakuron (نظرية الأدب). هذا العمل الذي نشر في عام 1907، وكان محاولة علمية لتشمل كل الأدب في نظرية موحدة. لقد كان عملا بحثيا هائلا، محاولا به اللحاق بأعمال شكسبير بل وتخطيها، حيث تغلغل في أعماق الأدب بشكل لم يصل إليه أي كاتب من قبل.
والآن، أطلق العنان لقدراته الإبداعية متسلحا بسنوات من المنح الدراسية، وكان بذلك سوسيكي على استعداد لمقارعة البطل. فمنذ بداية حياته المهنية في الكتابة الخيالية، كان يصارع ظل شكسبير. ففي بكورة أعماله القصصية القصيرة في عام 1905 ”Rondon Tō“ (”برج لندن“)، أعاد صياغة مشهد للأمراء في البرج مشيرا إلى ريتشارد الثالث (ملك انكلترا). أما في رواية Sanshirō (سانشيرو) عام (1908)، ففي المشهد الختامي بين العاشقين المحبطين (نونوميا ومينيكو)، اللذان قاما بأداء أدوار الشخصيات الرئيسية في الرواية، نجد أنه مستوحى من خلفية أحداث مشهد دير الراهبات بمسرحية هاملت.
وفي روايته عام 1907 Gubijinsō (الخشخاش)، كتب لأول مرة كروائي محترف لصحيفة أساهي شيمبون، فنجد الشخصية المحورية (Fujio) (فوجيو)، تقرأ بصوت عال مقاطع من رواية أنطونيو وكليوباترا، في إشارة قوية منها لتشبيه نفسها بملكة مصر في رواية شكسبير. كما أنها تموت أيضا في الرواية كما ماتت الملكة المصرية في مشهد ميلودراماي مؤثر. كانت هذه هي مرحلة سوسيكي الإحمائية، محاولا ًالخروج بمجموعات مختلفة من الأعمال ليسجل بها أولى ضرباته في عال الرواية.