هل هو حقا قتال لا يمكن الانتصار فيه؟
ولكن كيف يمكنك أن تخرج عبقرية أدبية مثل شكسبير؟ سوسيكي علق مرة على عدم جدوى تحليل الأدب من خلال مجرد التفكير في الأعمال الأدبية. فللوصول إلى قلب الأدب - من الحياة نفسها - تحتاج إلى أن تكون ملما بكل المواضيع المتعلقة بالحياة. لذلك ألقى سوسيكي بنفسه في الدراسات الاجتماعية والنفسية والتاريخية والعلمية. واستكشف الفلسفة الأوروبية والشعر الصيني والرسم الغربي، وكل شيء من أنواع مختلفة من الزهور إلى نظرية الألوان المعاصرة (التأثيرات البصرية الناتجة عن دمج ألوان محددة).
وبمجرد أن تحول إلى الكتابة الإبداعية، كان قادراً على إضفاء روحه الأدبية برؤىً وأفكارا ثرية وشاملة، واستعارات ندُر وجودها في تاريخ الأدب العالمي. إن عقدين من المنح الدراسية التي سبقت ظهوره الأدبي المتفجر نقلت لسوسيكي لأول مرة عمقاً واتساعا رؤية واندماجاً فريداً من الأفكار التي حيرت المفكرين في القرن الماضي.
شكسبير كان بالطبع كاتب درامي لا نظير له، فلا يوجد أي كاتب قبله أو منذ نشأة العالم الأدبي يزخر بمثل تلك الشخصيات المعقدة الغنية التي رسمها. سوسيكي لا يمكن أن يضاهي ما قام به شكسبير ”البطل“، ولكن ما استطاع فعله هو تركيز قدراته الأدبية ليس على الشكل الظاهري، بل داخل مكنونات الوعي البشري والمراقبة الدقيقة للظروف المحلية اليومية. كان سوسيكي قادراً على إظهار أنه للوصول إلى أكثر الأعمال الأدبية عمقا لست مضطرا لتروي حكايات الأمراء المسكونين والملوك المجانين، ولكن ببساطة المراقبة، كما هو الحال في روايته عام 1910 (Mon) (البوابة)، التي تصف وضع زوجين بلا أطفال يعيشون أسفل جرف صخري.
وكان سوسيكي يتدريب طوال حياته المهنية في الكتابة استعدادا للمواجهة الكبيرة مع البطل. وأخيرا تقابالا وجها لوجه في رواية (Kokoro) (كوكورو) عام (1914)، وهو العمل الذي لا يحتوي على أي ذكر صريح لأيا من الخصائص الشكسبيرية ولكن من الرائع اعتبارها ذات صلة بشكسبير.
ففي رواية تاجر البندقية وكوكورو، شكسبير وسوسيكي كانا يفكران في كيف يمكن لشخص ما أن يطالب بقلب شخص آخر - أحد المعاني الحرفية لعنوان رواية سوسيكي. في حين أن شكسبير يفعل ذلك من خلال التمثيل الفعلي المادي لمحاولة نزع عضو قلب أحد الأشخاص. أما مع سوسيكي، فكل شيء يتم على المستوى النفسي. جزء من السبب هو أن الرواية في جوهرها هي وسيلة أكثر استيعابية من المسرحية. فعلى المسرح نحن بحاجة إلى أن يظهر التفاعل الدرامي من الشخصيات. أما في الرواية يمكننا التعمق في أفكار الناس الداخلية.
وعندما طُلب من سوسيكي، في لندن، أن يقدم تقريراً عن التقدم الذي أحرزه في دراسته إلى وزارة التعليم اليابانية، أرسل تلك الورقة البيضاء الشهيرة الخالية. وبعد بضع سنوات، رفض جائزة الحكومة بمنحه درجة الدكتوره في الآداب. حيث لم يكن سوسيكي يريد أي شهادة أو صك قبول من الدولة، بل أنه نفى العلاقة بين الدولة والأدب. ولم يكن هذا قراراً تقنياً يمنحه بعض النقاط. ولكنه قرار يجعله على مقربة من النزال مع الأفضل.
لم يكن طموح سوسيكي يقتصر على مثل هذا الفكر الضيق كأن يصبح مثلا ”مؤلفا وطنيا“ لليابان. وقد أشار مرة مازحا في رسالة إلى الروائي والمترجم موريتا سوهي إلى كتابة أعمال من شأنها أن ”تفوق هاملت وتسطع في سماء هذا العالم“. كانت الرغبة الحقيقية لدى سوسيكي تكمن في اعتلاء قمة منصة الأدب العالمي مع شكسبير نفسه.
الأدب العظيم تواق دائما للكمال. والكتَّاب العظماء يتخطوا دائما حدود امكانياتهم. فمن أجل الوصول إلى قلب الأشياء والحصول على الأفضل يدفعوا بأنفسهم إلى حافة الهاوية، يخوضوا فيها معركة داخلية، مهتمين بأدق التفاصيل التي لا تجول بخاطر من هم خارج هذا المعترك الفكري. وهكذا هو ناتسومي سوسيكي تنهال ضرباته واحدة تلو الأخرى، كما يجب أن يفعل كل الكتَّاب العظام لاقتناص بطولة العالم.
(النص الأصلي باللغة الإنكليزية. صورة الموضوع: تمثال لناتسومي سوسيكي في منطقة واسيدا مينامي تشو بحي شينجوكو في طوكيو)