ما هي ”مشكلة أوكيناوا“؟

وسط هذه المشاعر المعقدة، التبعية الاقتصادية، التطرف الفكري ومحاولات التشويه المتعمد، وسوء الفهم الشامل، أصبح من غير الواضح التعرف على ماهية مشكلة أوكيناوا. وقد كان هذا صحيحا في الماضي لكنه ازداد تدهورا وتعقيدا اليوم.

وقد أجريت دراسة استقصائية في أوكيناوا منذ أكثر من عشرة أعوام وسألت ما يقرب من مئة شخص من جميع مناحي الحياة عما يدور في خاطرهم عند سماع هذه العبارة: ”مشكلة أوكيناوا“. كانت الأجوبة متنوعة جدا.فقد يعتقد معظم القراء أن مشكلة أوكيناوا تعني مشكلة القاعدة العسكرية ولكن في واقع الأمر المشكلة أكثر تعقيدا بكثير. تلقيت مجموعة متنوعة من الإجابات خلال مقابلاتي في ذلك الوقت، مثل مشكلة الحكم الذاتي المحلي ومشكلة التبعية السياسية والاقتصادية ومنهم من قال أنها نتيجة خسارة الحرب العالمية الثانية أو أنها نتيجة التمييز (من الأراضي اليابانية الأخرى)، ثم هناك من قال أنها مشكلة متعلقة بعدم القدرة على العيش بسلام أو نتيجة تشكيل حكومة يابانية ضعيفة الارادة وما الى ذلك. كما أشار آخرون إلى المشاكل الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة وانخفاض الدخل ومحدودية التعليم وغيرها. وعلى أية حال، كان ”عدم الثقة في الحكومة المركزية“ ومشاعر التمييز الهيكلي الموضوع المشترك بين هؤلاء من ذوي الاتجاهات السياسية.

هناك بطبيعة الحال من قال أن القاعدة العسكرية هي مشكلة أوكيناوا الحقيقية. ومن بعض القضايا المستند لها والمذكورة عادة هي: وجود عدد كبير من القواعد الأمريكية والجنود الأمريكيين في أوكيناوا ومعدل عال من الجرائم والحوادث.(*3)

سوف نناقش هذه القضايا بشيء من التفصيل أدناه ولكن في البداية هناك نقطتين هامتين لابد من توضيحهما. أولا، إن النظرة إلى القضايا ذات الصلة ليست بالضرورة صحيحة فهناك جانبان لكل قصة والقصة في كثير من الأحيان التي تم الإبلاغ عنها في الصحف ليست دقيقة تماما وحرفت عمدا. ثانيا، هناك العديد من الإجراءات الملموسة المأخوذ بها حتى الآن لمعالجة الشواغل الفعلية للسكان المحليين والتي ليست هي بالضرورة معروفة على نطاق واسع أو أقر بها القادة السياسيين ووسائل الإعلام. سيما وانّ هذه التدابيرعديدة وتتطلب وجود مقالة مستقلة في حد ذاتها.

الحقيقة والخيال

تبدو القضايا المذكورة أعلاه معضلة كبيرة قد يخيل للقارئ أنه من المستحيل حلها. ولكن في الحقيقة ولأسباب عديدة مازال الوضع بعيدا كل البعد عن اليأس وهذا أمر يدعي للسخرية خاصة لمن يشاهد كيف أن هذه القضية تستحوذ على اهتمام كبير من السياسة الوطنية في اليابان وتطغى على القضايا الأخرى المتعلقة بالقضايا الثنائية مع الولايات المتحدة -الشريك والحليف الوحيد لليابان- هو في الحقيقة البلد المساء فهمه حيث لا يعتمد هذا الفهم بالضرورة على الواقع ولكن أكثر على الخطاب المعادي للقاعدة والمناهضين للحكومة الأمريكية.

يعتبر هذا الوضع في الحقيقة جوهر المشكلة في أوكيناوا- الفشل في تمييز الواقع من الخيال مما يخلق بالتالي احتكاكاً لا داعي له ولكنه شديد على الصعيدين الثنائي والمحلي، وعدم القدرة على تطوير خطط ذكية أقل كلفة ماليا وسياسيا على حد سواء. وتكمن المشكلة أساسا في عدم وجود ”مشكلة أوكيناوا“- على الأقل لا يوجد شيء ذو أهمية كبيرة في الوقت الحاضر يبرره الثروة الوطنية والطاقة ومدى الوقت المكرس من كلا البلدين لأوكيناوا حتى الآن، الذي لم يجلب أي شيء حتى الآن في المقابل.

على سبيل المثال، هناك قضية نقل محطة قاعدة فوتينما الجوية مؤخرا والتي تعتبر أكبر قضية معروفة بين القضايا الأخرى. قد تكون القضية الأكثر شهرة إلاّ أنها تبقى الأقل تفهما واستيعابا. حضرت مؤخرا مؤتمرا حول العلاقات بين الولايات المتحدة واليابان بعد عملية توموداتشي- والتي بينت الجهود الهائلة المبذولة من قبل الولايات المتحدة لدعم اليابان بعد الزلزال المروع وكارثة تسونامي ١١ مارس/ آذار- واستمعت  إلى حديث اثنين من الأكاديميين، الأول أمريكي والاخر ياباني. أشار كل منهما إلى قاعدة فوتينما ولكن تم استخدام الاسم بشكل مختلف تماما. حيث استخدم الأول كلمة فوتينما عندما تحدث عن المحطة الجوية أما الآخر فقد استخدم نفس الكلمة ولكنه قصد بها مشكلة نقل القاعدة. لم يدرك كلاهما أنهما كانا يستخدمان هذا المصطلح بشكل مختلف. أشك فيما إذا استطاع الحاضرون إدراك ذلك أيضا.

تم بناء المحطة الجوية كقاعدة لطائرات B-29 في ربيع عام ١٩٤٥ خلال معركة أوكيناوا، وهي واحدة من ما يقرب من عشر قواعد جوية في الجزيرة في ذلك الوقت. أغلقت على مر السنين معظم هذه المطارات وأعيدت الأراضي إلى أوكيناوا أو تم استخدامها لأغراض عسكرية أخرى، أما اليوم فهناك اثنتان فقط من القواعد التشغيلية الجوية الأمريكية في أوكيناوا. في عام ١٩٧٦، اختيرت فوتينما لتصبح القاعدة الجوية ايضا لسلاح البحرية حيث تلعب اليوم مجموعة متنوعة من الأدوار المهمة بما في ذلك: دعم طائرات مشاة البحرية (طائرات الهليكوبتر والجناح الثابت)، فضلا عن الخدمات الأخرى؛ مطار لقيادة الأمم المتحدة (خلفي)؛ كما تستخدم القاعدة كمطار تحويلي لقاعدة كادينا العسكرية الجوية ومطار ناها المخصص للطائرات التجارية، كما تستخدم كمركز للطوارئ في حال وقوع كارثة تسونامي في أوكيناوا (على سبيل المثال هناك مطار ناها الذي يقع على الشاطئ والذي من المرجح أن يتضرر بشدة مثل مطار سينداي في زلزال مارس/ آذار عام ٢٠١١).

تسمح الطائرات في قاعدة فوتينما الجوية لمشاة البحرية بالتدريب والانتشار معا حيث أن القاعدة تشترك في موقعها في أوكيناوا مع القوات البرية وهذا أمر ضروري لقوات المهمات التابعة لها البحرية والبرية والجوية (MAGTF). كما يمتد مدرج مطار قاعدة فوتينا ليصل إلى ٩٠٠٠ قدم وهذا أمر غير عادي، فهذا المطار قادر على دعم أكبر طائرة نقل في العالم وبالتالي يعد رصيدا استراتيجيا إلى حد كبير ليس فقط بالنسبة للولايات المتحدة والأمم المتحدة حيث ترفرف أعلامهما أمام مبنى المقر، ولكن بالنسبة لليابان أيضا حيث يمكن للزائر رؤية علمها الوطني عند الدخول إلى القاعدة. وكما رأينا أعلاه، لدى هذه القاعدة أهمية كبيرة بالنسبة لأوكيناوا أيضا نظرا لدورها في حالات الطوارئ في حال وقوع كوارث محلية.(*4)

يتم نشر العديد من الطائرات في أي وقت كان حيث تضم القاعدة حاليا حوالي ٧٤ طائرة مستأجرة مسندة إليها. وقد أطلق أنصار رئيس البلدية السابق لمدينة جينوان (تحيط مدينة جينوان بالقاعدة الجوية وقد تعدت تدريجيا عليها نظرا لعدم وجود قوانين تنص على تقسيم المناطق المحلية) والمعارض لوجود القاعدة لكونها أخطر مطار في العالم، مع العلم أنها تتمتع بسجل عال من الأمان وبإجراءات معمول بها بشكل جيد (على الرغم من إطلاق جماعات المعارضة البالونات وطرح رافعات لعرقلة النهج المتبع في المدرج). في الواقع، هناك العديد من القيود خلال ساعات محددة من العمليات ومسارات الطيران والعطلات والامتحانات وأيام أخرى حساسة. أعيش وأعمل من مكان قريب جدا من فوتينما. تقدم الشكاوي المتعلقة بالضوضاء بشكل نادر جدا مع العلم أنها ليست قاعدة مفعمة بالضجيج. وقد وصفت مجموعة من الصحفيين التي زارت المحطة الجوية في وقت لاحق وعلى النقيض من التعليق السابق أنها تملك أهدأ مطار في العالم.(*5)

مع هذا وافق مسؤولون أمريكيون على السعي لنقل القاعدة داخل المحافظة، قرار اتخذ في ديسمبر/ كانون الاول عام ١٩٩٦ كجزء من مجموعة من التوصيات التي أعلنت عنها لجنة العمل الخاصة بين اليابان والولايات المتحدة في أوكيناوا وهي هيئة رسمية أنشئت في نوفمبر/ تشرين الثاني عام ١٩٩٥ في أعقاب حادث الاغتصاب المؤسف وطلب حكومة محافظة اوكيناوا نقل قاعدة فوتينما. وقد أعيد ذكر استعداد الولايات المتحدة للعمل مع الحكومة اليابانية لنقل قاعدة فوتينما عدة مرات خلال السنوات ال ١٥ الماضية ولكن لم يكن هناك أي حركة ملموسة من جانب الحكومة اليابانية في تلك الأثناء. تحاول أوكيناوا واليابان إيجاد حل سياسي لمشكلة التشغيل التي يبدو أنهم لم يفهموها بعد.