تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام ١٩٧٠ بشأن التعليم العالي في اليابان

بهذه الطريقة، حلت ’’الحرية والمنافسة ‘‘محل ’’الحماية والتنظيم‘‘ بوصفها الشعارات الجديدة لسياسة التعليم اليابانية. وهذا يعيد إلى الذاكرة مقتطفات من تقرير ’’مراجعة السياسات الوطنية للتعليم: اليابان‘‘ والذي نشر بعد زيارة بحثية إلى اليابان قام بها فريق من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD عام ١٩٧٠. والذي جاء فيه: ’’على الرغم من أن الجامعات تقاسمت الرصيد الجيد مع مؤسسات أخرى، بسبب معدل اليابان في النمو الاقتصادي والتحديث الذي لا مثيل له، ولكن هذا التقدم يدعو للانتباه إلى استمرارها في تصلبها....‘‘ و’’نظام التعليم العالي في اليابان هو نظام هرمي متميز وقد تغير هيكليا بشكل طفيف هذا القرن، وذلك على الرغم من نموه السريع. وقد تمايز عدد قليل من الجامعات اليابانية عن الجامعات الأخرى من حيث مواردها المالية وهيبتها ونوعية التعليم الذي تقدمه. كَمَا أن هيكل الجامعة الناتج هو أقرب ما يكون إلى هرم بقمة ضيقة جدا وبحركة ضئيلة جدا بين المستويات..‘‘. وكذلك: ’’لقد اصبح من الواضح أن الهيكل الجامعي الحالي الهرمي من جانب وغير المرن من جانب آخر لا يُمكن أن يلبي الحد المقبول بوجهٍ عامٍ من الأهداف التربوية والتعليمية لمجتمع عالي التقنية والموجود حالياً في اليابان(*2)‘‘.

وهذه القضايا التي أثارها هذا التقرير منذ نصف قرن تقريبا هي نفس القضايا التي واجهت المصلحين على مدى السنوات العشر الماضية. ولكن إلى أي حد نجحت السياسة الجديدة المتمثلة بـ’’الحرية والمنافسة‘‘ في تحويل الهيكل ’’الصلب والهرمي‘‘ للجامعات اليابانية إلى هيكل أكثر’’مرونة وتنوعا‘‘؟ - فلربما عشر سنوات فقط كانت فترة قصيرة جدا للحكم على نتائج الإصلاح، نظرا لأن الأنظمة السابقة استمرت منذ بداية التحديث في اليابان في أواخر القرن التاسع عشر وصولا إلى السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين. بالإضافة إلى حقيقة أن الإصلاحات لا تزال جارية. ولكن بشكل عام، من الإنصاف القول أن سياسات الحرية والمنافسة في السنوات العشر الماضية أدت إلى جعل المشكلات الجديدة أوضح بشكل أكبر من إيجاد حل للقضايا القائمة.

الحاجة للتحول إلى جامعات دولية

ومن القضايا الجديدة التي طفت على السطح على مدى السنوات العشر الماضية أو نحو ذلك، والتي تعتبر من القضايا الأكثر أهمية في الوقت الحاضر هي قضية ’’عالمية‘‘ الجامعات التي رافقت ظهور العولمة. وتتجلى أكثر المظاهر وضوحا في هذا التوجه بالاهتمام المتزايد في تصنيف الجامعات العالمي والذي سبق ذكره، وقد نشأ بالتوازي مع خصخصة الجامعات الوطنية اليابانية، ومع المناقشات التي تتوضح بشكل متزايد حول الحاجة إلى تطوير وتعزيز جامعات الأبحاث في البلاد. وكما رأينا فإن أداء اليابان في تصنيفات الجامعات العالمية ليس ضعيفا بشكل خاص. وبالتالي ليس هناك حاجة لتكرار إنجاز اليابان باعتبارها الدولة الوحيدة خارج أوروبا وأمريكا الشمالية الحاصلة على العديد من جوائز نوبل. ومع ذلك، فإنه لا يزال صحيحا القول إن التدريس والبحث في الجامعات اليابانية لا يتطابق مع معايير أفضل الجامعات في بريطانيا والولايات المتحدة، ويمكن اعتبار أن هنالك عدد قليل فقط من الجامعات اليابانية من بين أفضل الجامعات في العالم. وعلاوة على ذلك، يتراجع تصنيف الجامعات اليابانية في الوقت الذي تصعد فيه جامعات في أماكن أخرى في شرق آسيا. فبالطبع المعيار الأهم في تقييم جامعة ما هو معيار أساليبها في التدريس والابحاث. ولكن من الملاحظ أن اليابان ضعيفة بشكل خاص فيما يتعلق بمعدل العوامل المرتبطة بـ ’’النظرة الدولية‘‘ وخصوصا فيما يتعلق بنسبة أعضاء هيئة التدريس والطلاب الدوليين. وهذا معترف به على نطاق واسع باعتباره عاملا رئيسيا يؤدي إلى هبوط درجات اليابان.

وكما رأينا في تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فقد ساهمت الجامعات اليابانية لسنوات عديدة بشكل كبير في النمو الاقتصادي للبلاد والتحديث. وبهذا المعنى، فمن الإنصاف القول إن الجامعات في اليابان نجحت في إنهاء اعتمادها على الغرب وتحقيق استقلالية وهوية وطنية خاصة بها في فترة قصيرة من الزمن. وفي وقت مبكر من أوائل القرن العشرين، كان التدريس في مرحلة التعليم العالي في اليابان يتم بالفعل باللغة اليابانية من قبل أعضاء هيئة تدريس يابانيين وقد بدأ التعليم العالي بإحراز أول إنجازاته التي تحظى بأهمية دولية في العلوم الطبيعية والهندسة والطب بالرغم من أنها كانت قليلة العدد.وحتّى قبل بدء الحرب العالمية الثانية مباشرة، كان من الطبيعي للأكاديميين قضاء سنتين أو ثلاث سنوات في الخارج في وقت مبكر من حياتهم المهنية. ومع ذلك، لم يكن بغرض نيل درجة علمية، ولكن لدراسة الأبحاث المتطورة بشكل مباشر، وكان عدد الطلاب الذين يذهبون إلى الخارج محدود للغاية وقد أدى هذا النجاح السريع في إنتاج نظام تعليم عالي ’’أصيل‘‘ إلى إمكانية تدريب أعداد كبيرة من العمال المهرة بسرعة وبتكاليف زهيدة، وكان عاملا رئيسيا في التحديث والتصنيع في اليابان. ولكن بنفس الوقت، إن هذا النجاح نفسه هو الذي يفسر كيف تراجعت البلاد للوراء في التعامل مع تحديات العولمة. فالهيكل المشار اليه والذي وُصف بأنه ’’صلب وهرمي‘‘ يمكن أنه يوصف أيضا بأنه ’’مغلق‘‘. ومن أجل زيادة عدد الجامعات المدرجة ضمن التصنيف العالمي كل عام وتحسين ترتيبها، سيكون حيويا تشجيع المنافسة بين الجامعات داخل اليابان. لكن هناك حاجة للقيام بأكثر من ذلك. فمن أجل أن تصبح الجامعات أكثر قدرة على المنافسة مع الجامعات في البلدان الأخرى، تحتاج اليابان إلى فتح جامعاتها وإلى العمل بإيجابية لاستقبال المزيد من الباحثين والطلاب الموهوبين من الخارج. كما تحتاج إلى زيادة عدد البرامج المُتوفّرة باللغة الإنجليزية التي هي فعليا لغة عالمية مشتركة. في الوقت نفسه اليابان بحاجة إلى إرسال المزيد من الباحثين والطلبة اليابانيين إلى الخارج لتحفيز أبحاثهم ولتحسين المعايير. ولقد نجحت الجامعات اليابانية في الماضي باتباع سياسة الأصالة. لكن في الوقت الحالي، لعله من المحتمل القول بأنهم يواجهون فترة رئيسية ثالثة من ’’الانفتاح‘‘ أو’’كايكوكو‘‘ وهي حاجة ملحة لفتح البلاد على العالم الخارجي بشكل مشابه للحظات سابقة من التاريخ مثل الأزمة في أوائل حقبة ميجي وبعد الحرب العالمية الثانية مباشرة.

قضايا جديدة متعلقة بالإصلاح: الإنفاق وتعليم البالغين وكليات الدراسات العليا

لا تتوقف العالمية ببساطة على مشكلة تصنيف الجامعات. فالبيانات المقارنة التي تنشرها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية كل عام تُستخدم لجعل الناس يدركون نقاط ضعف الجامعات اليابانية من وجهة نظر المعايير الدولية أو بطريقة أخرى، القضايا الجديدة التي تواجه أي محاولة لإجراء إصلاحات في الجامعات. وهكذا فالعولمة تمارس ضغوطا على نظام التعليم العالي الياباني وتؤكد على الحاجة لإجراء إصلاحات هيكلية. فعلى سبيل المثال، بالرغم من ضخامة القطاع الخاص في اليابان إلا أنها تمتلك أقل مستوى من الإنفاق العام كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي لأي دولة من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (الشكل ٤).

وهذا يشير إلى أن النسبة العالية من الإنفاق الأسري والتي تذهب إلى نفقات المدارس والعبء الشخصي الكبير الذي ينتج عنه. مما يؤدي إلى حدوث عدم مساواة في الفرص التعليمية وإلى معيار متدني نسبيا للبحث العلمي في الجامعات الخاصة التي يجب أن تعتمد على الرسوم الدراسية لتوفير مدخولاتها. وفي الحقيقة، على مدى عدة عقود كان التمويل العام للجامعات الخاصة يغطي مجرد ١٠٪ أو نحو ذلك من مصاريف تشغيل الجامعات. وكذلك بالنسبة للجامعات الحكومية أيضا حيث تم اقتطاع المنح التي تدعم تكلفة تشغيلها بحوالي ١٠٪ على مدى العقد الماضي. ولا يمكن إنكار أن مواصلة التحرك قدما نحو دخول عالمي بدون تحسين التمويل العام يمثل خطرا عن طريق إضعاف المساواة في التعليم والبحث بصورة أكبر.

عند إجراء مقارنة مع دول في أوروبا وأمريكا الشمالية يظهر اختلاف آخر وهو العدد المنخفض للطلاب البالغين كنسبة من العدد الإجمالي. وقد دأبت الجامعات اليابانية على نحو تقليدي بالتركيز على اختيار طلاب على أساس نتائج امتحانات الدخول للجامعة التي يخضع لها تقريبا بشكل حصري طلاب حديثو التخرج من المدارس الثانوية. ولذلك يشكل الشباب الأغلبية الساحقة من الطلاب وعدد الطلاب البَالغين محدود للغاية. ولم تُجرِ وزارة التربية في الوقت الراهن إحصاءات عن عدد الطلاب وفقا للفئة العمرية. وحتى اليوم، عندما انخفض عدد المواطنين الذين يبلغون ١٨عاما بشكل كبير، تواجه الكثير من الكليات صعوبات في ملئ برامجها الدراسية، إلا أن هذا الوضع يبقى ثابتاً بشكل أساسي. وعلى الرغم من محادثات ’’مجتمع قائم على التعليم مدى الحياة‘‘، ما يزال الشباب بصورة حصرية هم الذين يدرسون في الجامعات اليابانية، ويشكل هذا الاختلاف مع الوضع في جامعات غربية التي يتزايد فيها عدد الطلاب البالغين بثبات أمرا صادما. والأمر اللافت للنظر بشكل أكبر هو التطوير البطيء لنظام التعليم على مستوى الدراسات العليا في اليابان. فقد لعبت برامج المرحلة الجامعية لفترة طويلة الدور الرئيسي في التدريب المهني المتخصص، وتم اعتبار كليات الدراسات العليا أمكنة لتدريب أكاديمي في المستقبل. وعلى الرغم من أن الإصلاحات التي تم إجراؤها كانت على أساس النموذج الأمريكي، فانه لم يتم إدخال نظام مشابه لأمريكا فيه كليات مختصة بالحقوق والأعمال والمحاسبة حتى عام ٢٠٠٤، وحتى في الوقت الحالي، تشكل هذه الكليات ١٠٪ فقط من الطلاب المدرجين في برامج رسائل الماجستير. إن الطلب المتزايد على أشخاص بشهادات عالية أدى إلى زيادة عدد الأفراد الذين ينضمون إلى كليات الدراسات العليا من نسبة كانت ٦٫٤٪ من الخريجين عام ١٩٩٠ إلى ١٠٫٣٪ عام ٢٠٠٠ وإلى ١٢٫٩٪ عام ٢٠١٠. ولكن هذه النسب ما تزال منخفضة مقارنة مع الولايات المتحدة وأوروبا. حيث يتمثل العامل الأكبر في ذلك بافتقار فرص إجراء دراسات عليا في مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية. ففي عام ٢٠١٣، كان هنالك ١٧٫٨٪ فقط من الطلاب الذين يدرسون في كليات دراسات عليا وممن يختصون بمواضيع متعلقة بالعلوم الإنسانية والاجتماعية. مقابل ٥٦٫٦٪ من الطلاب الآخرين الذين يدرسون العلوم الطبيعية أو الهندسة أو الزراعة أو الطب، في حين شكل دارسو الهندسة لوحدهم نسبة ٤١٫٥٪ من إجمالي الطلاب. وهذا التركيب يعني أن كليات الدراسات العليا ضعيفة في تدريب الموارد البشرية في مجالات غير العلوم والهندسة وأنها تبقى منغلقة أمام الطلاب البالغين. ومن الإنصاف القول إن ندرة كليات الأعمال وغيرها من المؤسسات الاحترافية المختصة على مستوى الدراسات العليا في اليابان ترمز إلى مدى تخلف اليابان في هذه المجالات.