مواضيع التأمل النفسي

إن حقيقة عدم ظهور موجة من المخرجين الذين يقومون بكل شيء بأنفسهم حتى الآن تحاكي نجاح شينكاي، توضح أن نجاح فيلم ”أصوات من نجم بعيد“ يعود للفيلم بحد ذاته أكثر من قيام شينكاي بكل شيء بنفسه. وعلى الرغم من ذلك، يبدو من المرجح أن هذا النهج كان مناسبا بشكل مثالي لتأملات شينكاي النفسية حول طبيعة الوحدة وإمكانية وجود صلات هادفة بين البشر.

أحد المواضيع التي سادت في فيلم ”أصوات من نجم بعيد“ هو إلى حد يمكن لشخصين أن يبقيا قريبين من بعضهما بفضل الرسائل النصية بالرغم من أنهما بعيدين جسديا عن بعضهما. كما عالج شينكاي قضية الألم المصاحب لعدم القدرة على اللقاء وجها لوجه في فيلم ”بيوسوكو ٥ سينتشيميترو (بسرعة ٥ سنتيمترات في الثانية)“ لعام ٢٠٠٧ وآخر أعماله ”كيمي نو نا وا. (اسمك.)“. وعلى الرغم من أن أساليب الطرح كانت مختلفة فإن محور الاهتمام يبقى ذاته. وهذا هو صلب العنصر الشعوري في أعماله وهو ما يفتن المشاهدين. كان لأول أعمال شينكاي عام ٢٠٠٢ مثل هذا التأثير الدرامي بسبب الطريقة التي تناول فيها قلق الناس بشكل مباشر، الأمر الذي أشعل إحساسا قويا بالإدراك والتعاطف لدى الكثير من المشاهدين.

عندما كانت رسائل البريد الإلكتروني بحد ذاتها جديدة نسبيا، سلط فيلم شينكاي ضوءا جديدا على المشكلة التقليدية والعالمية المتمثلة في بعد البشر عن بعضهم، حيث تناولها من داخل دوامة العالم الآخذ في التحول نحو عصر الديجيتال. لقد ذُهل المتفرجون من أن شينكاي كان يبدع كل هذه الصور بنفسه وتملكهم إحساس بالقرب نحوه.

اجعل المناظر الطبيعية تتكلم

لا تعبر شخصيات أفلام شينكاي عادة عن مشاعرها بصورة مباشرة كما أنه لا يكتب مشاهد ذات أفعال وردود أفعال بسيطة، بل يتم توصيل المشاعر من خلال الجو الإجمالي للفيلم وذلك من خلال المشاهد التي تتبدل فيها سحب السماء بصورة جميلة، وفي تغير الضوء بصورة طفيفة، وفي المونولوجات الشعرية، وفي الموسيقى التي تعزف بصورة متواصلة على مدار الفيلم. وهناك صفة مميزة أخرى تتمثل في أنه على الرغم من أن الكثير من الأفلام هي قصص حب، هناك عدد محدود جدا من المشاهد التي يظهر فيها الشخصيتان الرئيسيتان معا أو متقاربين جسديا. كما أن اللحظات الحاسمة نادرة في أفلامه. وهذا يعني أن للمشاهدين الحرية في إطلاق أفكارهم ومشاعرهم في قصة الفيلم. وبالاعتماد على هذا النوع من التفاعل الكيميائي مع مشاعر المشاهدين، غدت أفلام شينكاي أقرب ما تكون إلى الشعر.

وإذا كانت الأمور قد سارت بصورة مختلفة، فمن الممكن أن شينكاي واصل إنتاج أفلامه بمفرده. ولكن اعتبارا من ثاني أفلامه وطوله ٩١ دقيقة ”كومو نو موكو ياكوسوكو نو باشو (المكان الموعود، وراء الغيوم)“ عام ٢٠٠٤، تحول شينكاي إلى نهج جديد. فبينما حافظ على موقفه في الاستقلالية وأبقى على مسافة بينه والاتجاه السائد في صناعة الأنيمي، بدأ في صناعة أفلام مشاركة مع فريق مختار ممن يتشاركون معه إدراكاً حسياً أساسياً. يميل فيلم ”المكان الموعود، وراء الغيوم“ بقوة لأن يكون فيلم خيال علمي، وصُنع في ”عالم“ خيالي أكثر إتقانا من أفلام شينكاي السابقة. ولكن في فيلم ”بسرعة ٥ سنتيمترات في الثانية“ القصير المكون من عدة مقاطع مصورة لعام ٢٠٠٧ عاد شينكاي إلى موضوع المشاعر المخفية من خلال استخدام خلفية وموضوع أكثر واقعية.

وفي عام ٢٠١١ أصدر شينكاي فيلم ”هوشي أو أوؤ كودومو (الطفلة التي تتبعت أصوات من قاع الأرض)“ وهو فيلم فنتازيا مظلمة. وفي تصوير الشخصية الذي تم وفقا لأسلوب استوديو جيبلي، بدا الفيلم وكأنه يقترح أن شينكاي كان مستعدا للانضمام لاستوديوهات كبرى، وشعر الكثيرون أن هذا الأمر كان خلافا لأسلوب شينكاي الفردي كمخرج أفلام. وبعد هذه المحاولة الرامية لإيجاد توجه جديد، أصدر شينكاي عام ٢٠١٣ فيلم ”كوتونوها نو نيوا (حديقة الكلمات)“ بطول ٤٦ دقيقة. وكان الفيلم تعبيرا حاسما عن طريقة شينكاي في تصوير المشاعر من خلال المشاهد. ويحظى الماء بحضور قوي في الفيلم. يرسم شينكاي بتحكم مذهل الكثير من الصور لنباتات متلألئة تتساقط منها قطرات خلال فصل ممطر وحار في الفترة التي تسبق فصل الصيف. ترمز شفافية الماء إلى نقاوة التفاعلات بين الشخصيتين الرئيسيتين في الفيلم وهما أستاذة مدرسة ثانوية وطالب. ويستحضر الفيلم بشكل مؤثر مشاعر لا يمكن ترجمتها إلى كلمات.

فيلم ”اسمك.“ خلاصة أسلوب شينكاي

إن فيلم ”اسمك.“ هو آخر أعمال شينكاي والذي صدر عام ٢٠١٦، وهو على ما يبدو قائم على فكرة أنه سيكون نوعا من ”أفضل“ توليفة من كل شيء يعطي أفلام شينكاي تميزها (حسب كلمات كاوامورا غينكي وهو مخرج في شركة Tōhō). يستفيد الفيلم من الدروس المستقاة على مدى عقد من الزمن، من المشاهد الجميلة التي ترمز إلى الروح البريئة لسن المراهقة إلى الدمج المتقن بين الموسيقى والصور التي تتغير بتناغم على الشاشة والدمج بين الجمالية اليابانية التقليدية والفنتازيا. يبدو أنه يضم جميع العناصر التي قد يحبها المرء في أعمال شينكاي.

المشهد النهائي من فيلم ”اسمك.“، عندما تلتقي الشخصيتان الرئيسيتان في الفيلم في النهاية. (الصورة من لجنة إنتاج فيلم ”كيمي نو نا وا.“ ٢٠١٦.).

يظهر الفيلم علامات على جهد متأن للتأكيد على أوراق اعتماده كعمل ترفيهي. إن تغير الأسلوب في الفيلم هو أيضا موضع إعجاب، بدءا من اللمسات الكوميدية قبل الانتقال إلى تصوير النضال المرير لشخصين متباعدين زمانيا ومكانيا.

كما يمتلك الكثير من طاقم إنتاج الفيلم سجلا مهنيا لامعا. ومن بينهم تاناكا ماسايوشي والمعروف بعمله في تصميم الشخصيات لعروض التلفزيون مثل ”تورادورا“ و”أنو هي ميتا هانا نو ناماي أو بوكوتاتشي وا مادا شيراناي (أنو هانا: الزهرة التي رأيناها في ذلك اليوم)“، وأندو ماساشي الذي عمل سابقا لفترات محددة كمشرف على التحريك في أفلام لاستوديو جيبلي حققت نجاحا مثل ”الأميرة مونونوكي“ و”سين تو تشيهيرو نو كاميكاكوشي (المخطوفة)“. ولذلك فالفيلم يجمع كل العناصر الرئيسية لعمل أحدث ما تم التوصل إليه في مجال أفلام الأنيمي في اليابان في وقتنا الراهن، حيث يجمع بين الأسلوب العصامي لمخرج أفلام مع أنيمي تعرض في وقت متأخر من الليل على التلفاز وتقاليد استوديو جيبلي. وتم استخدام هذه العناصر لإنجاح العمل بدون إذابة الصفات الفردية التي تجعل من أعمال شينكاي مميزة وبالتالي فقد كان إنجازا باهرا.

شينكاي وهوسودا

منذ فيلم ”الفتاة التي قفزت عبر الزمن“ لعام ٢٠٠٦، زاد هوسودا مامورو بصورة تدريجية من تعقيد مواضيع أفلامه فاتحا المجال أمام إمكانيات جديدة من خلال فنه. ولعل أعمال شينكاي ستسير على نفس النهج في السنوات المقبلة. وإذا كان سيتم التعبير عن النجاح الهائل لآخر أفلامه في قراره بالانفتاح على شعور أوسع زمانيا ومكانيا، فمن الممكن أن نراه يواصل شق طريقه وفتح آفاق جديدة في أعماله في المستقبل، حتى عندما يحافظ على أسلوبه الخاص به.

على الرغم من أن هوسودا مامورو بدأ مشواره المهني في استوديو كبير بينما شينكاي ماكوتو بدأ مشواره منطلقا من خلفية مستقلة قبل أن يحقق نجاحا، فإنهما متشابهان من حيث أنهما دائما يتطلعان لإبداع أنيمي تأسر عيون وقلوب المتفرجين. ومن المؤكد أن كلاهما سيواصل كفنانين ومخرجين كشف عوالم أوسع لنا في المستقبل. آمل في أن طموحهما وانفتاحهما على تحديات جدية سيجلب اهتماما جديدا واحتراما للأنيمي ككل في السنوات القادمة.

(المقالة الأصلية مكتوبة باليابانية ومنشورة في ١١ نوفمبر/تشرين الثاني ٢٠١٦. الترجمة من الإنكليزية. صورة العنوان من فيلم ”اسمك.“ لمخرجه شينكاي ماكوتو. الصورة من لجنة إنتاج فيلم ”كيمي نو نا وا.“ ٢٠١٦.).