الآلام المصاحبة للتقوقع الذاتي
تنتقل روايات سوسيكي من دراسة الأنانية والعزلة والمعاناة جراء هذه الأسباب إلى محاولات التخلي عن الذات.
في الرواية الهزلية التي تحمل عنوان ’’أنا قطة‘‘، تراقب القطة عادات مجموعة من المفكرين الفضوليين الذين يتجمعون في منزل مربيها. وتستحوذ الفكرة الإبداعية في الرواية والمتمثلة في جعل الراوي قطة وفي الطرائف المفعمة بالحياة التي ترويها المتأثرة بقصص ’’راكوغو‘‘ على انتباه القارئ ما يجعل من سوسيكي كاتبا روائيا بشكل راسخ. كما تدور أحداث رواية مبكرة أخرى له وتدعى ’’كوساماكورا‘‘ لعام ١٩٠٦ حول فنان لا يستطيع تحمل الجو المتحضر بشكل مبالغ فيه في طوكيو. ليتوجه إلى منتجع للمياه الحارة بحثا عن خلاص لنفسه من انغماسها في العالم الآخذ في التطور بصورة سريعة لينخرط في فن مستقل من الناحية العاطفية.
أما رواية ’’سانشيرو‘‘ فتحكي قصة حب شاب ساذج يكافح الحيرة التي تتخلل مرحلة الشباب. ويصور الكتابان الآخران في أول سلسلة روائية ثلاثية لسوسيكي مثلثي حب (علاقة بين رجلين وامرأة). ففي رواية ’’ومن ثم‘‘، يقع مفكر مرفّه هو ابن لرجل ثري في غرام زوجة صديقه، ويقرر عيش حياة مستقلة. بينما بطل رواية ’’البوابة‘‘ فهو موظف حكومي يعيش بهدوء مع زوجته التي كانت متزوجة في السابق من صديقه المقرب، ويخوض صراعا مع مشاعر الإحساس بالذنب التي تنتابه.
بينما تسبر ثلاثيته الروائية الثانية بصورة أعمق موضوعي الأنانية والعزلة. وتصل ذروتها في رواية ’’كوكورو‘‘ وهي أكثر أعمال سوسيكي قراءة من قبل الناس. وتُدرّس مقتطفات من هذه الرواية في الكتب المدرسية الثانوية. ويتم سرد جوهر القصة في رسالة موجهة إلى الراوي المجهول، والرسالة مكتوبة من قبل شخصية ’’سينسيي‘‘ التي يشار إليها في الرواية بكلمة الاحترام هذه فقط. عندما كان ’’سينسيي‘‘ طالبا قام بخيانة صديقه ’’كيه‘‘ للفوز بقلب زوجته الحالية. وقد أقدم ’’كيه‘‘ على الانتحار مدفوعا بمشاعر اليأس. بينما عاش ’’سينسيي‘‘ بحالة من الألم جراء هذا التصرف لسنوات طويلة، وقد قادت وفاة الإمبراطور مييجي إلى قراره بالإقدام هو أيضا على الانتحار.
وفي آخر أيام حياته سعى سوسيكي لإيجاد طريقة للذهاب ما وراء حب الذات وعاش وفقا لقوانين الطبيعة في أعقاب فكرة سمّاها ’’شوكوتين كيوشي‘‘. ومن المعتقد أنه خطط في آخر رواياته ’’الضوء والظلام‘‘ – التي لم تكتمل – لأن يمتحن أولا الأنانية من خلال شخصين متزوجين يشعران بالسخط قبل أن يقوم بتصوير التخلي عن الذات. ويُعتقد أن تجاربه مع تأمل الزازين شكلت الأساس لمفهوم ’’شوكوتين كيوشي‘‘.
عالمية سوسيكي
بالرغم من الموقع المركزي الذي شغله سوسيكي في الأدب الياباني، استغرق الأمر بعض الوقت قبل أن يُعرف في الغرب حيث لا يزال غير معروف جيدا مقارنة بكتّاب مثل كاواباتا ياسوناري وميشيما يوكيو. ولكن ذاع صيته في السنوات الأخيرة مع صدور عدة ترجمات جديدة لأعماله إلى اللغة الإنكليزية وزيادة عدد الأبحاث.
ويقارن المترجم والناقد البريطاني داميان فلاناغان الذي نشر ترجمة لـ’’برج لندن‘‘ في عام ٢٠٠٥ بين سوسيكي وشكسبير. وقد صنف البروفيسور الأمريكي مايكل بورداغز أستاذ الأدب الياباني سوسيكي–جنبا إلى جنب مع لو شون وفرانتس كافكا وجيمس جويس باعتباره رائد الأدب في القرن العشرين. كما ينظر إلى ’’نظرية الأدب‘‘ باعتباره واحدا من أولى أعمال سوسيكي التي تنتهج مقاربة نفسية واجتماعية للإجابة على سؤال عن ماهية الأدب.
وعلى النقيض، فلطالما عُرف سوسيكي في الصين بأنه الكاتب الياباني الأكثر شهرة. وقد ترجم لو شون عملين له في أوائل القرن العشرين، كما قام أخاه الأصغر شو شورين بتقديم أدب سوسيكي. وتقريبا جميع أعماله مترجمة حاليا إلى الصينية، بما فيها نحو ٢٠ نسخة عن رواية ’’أنا قطة‘‘.
وقد ساهمت معرفة سوسيكي العميقة بالأدب الصيني وأكثر من ٢٠٠ قصيدة له وأعمال أخرى كتبت بالصينية الكلاسيكية في انتشار شعبيته داخل الصين. ويبدو أن اهتمامه الموضوعي بالدولة والمجتمع قد عزز من وجود شعور بالتقارب مع القراء الصينيين. كما أن كونه مفكرا يابانيا يعيش في فترة مضطربة اتسمت بالتوجه نحو الحداثة ومواكبة الغرب أكسبه تعاطفا.
بينما واجه الأدب الياباني طريقاً شاقاً لنيل القبول في كوريا الجنوبية بسبب الخلفية التاريخية الاستعمارية. فلم تحظَ أعمال سوسيكي بقراءة واسعة قبل تسعينيات القرن العشرين، ولكن كامل أعماله منشورة حاليا باللغة الكورية في ١٤ مجلدا.
ومع مرور ١٥٠ عاما على ولادته، عاد الكاتب إلى الأضواء مجددا. وهو ما شكل فرصة لإعادة تقييمه باعتباره كاتبا يابانيا وعالميا.
(المقالة الأصلية باللغة اليابانية بقلم إينوي يوسوكي. الترجمة من الإنكليزية).


