مرّت سبعة عقود منذ أن حمل المصوّر هاغا هيدييو كاميرته وتوجّه بها إلى جزر أمامي في محافظة كاغوشيما، في رحلة لم تكن مجرد توثيق بصري، بل محاولة لالتقاط روح مكان وزمن آخذين في التلاشي. هناك، سجّل بعدسته أنماط حياة يومية بسيطة، وعادات وتقاليد متجذّرة، ووجوهًا تحمل ملامح عصرٍ لم يعد موجودًا. واليوم، لا تزال تلك الصور، التي لا تُقدَّر بثمن، تشكّل ذاكرة حيّة لسكان المنطقة؛ إذ يستعيدون من خلالها ماضيهم، ويتعرّفون على أنفسهم في سنوات الشباب، وكأن أرشيف هاغا تحوّل إلى مرآة زمنية تحفظ تفاصيل حياة كادت تُنسى.
الجزر التي توقف فيها الزمن
تمتد جزر «أمامي» جنوب غرب محافظة كاغوشيما على مسافة تتراوح بين 370 و560 كيلومترًا، وتضم ثماني جزر مأهولة يقطنها نحو 100 ألف نسمة. وعلى مرّ القرون، تشكّلت في هذه الجزر ثقافة فريدة تمزج بين ملامح الثقافة اليابانية التقليدية والتأثيرات الأوكيناوية، ما أضفى عليها طابعًا خاصًا يميّزها عن غيرها من مناطق الأرخبيل الياباني.
وحتى عودة هذه الجزر إلى الإدارة اليابانية بعد انتهاء الحكم العسكري الأمريكي عام 1953، وفي الوقت الذي بدأت فيه الجزر الرئيسية لليابان تشهد سنوات النمو الاقتصادي السريع، ظلّت الحياة في جزر أمامي محافظة على إيقاعاتها السابقة على الحداثة. فقد كانت النساء يحملن الأمتعة على رؤوسهن، ويُخزَّن الأرز في مخازن حبوب مرتفعة، كما استُخدمت حمّامات الطين لصبغ الألياف التي تُنسج منها المنسوجات التقليدية، في مشاهد بدت وكأنها مستحضَرة من زمنٍ بعيد. كذلك شكّلت العادات المتوارثة، مثل الدفن بالتعريض للعوامل الطبيعية، ثم جمع العظام وغسلها ضمن طقوس خاصة، إضافة إلى الإيمان بتلبّس الأرواح، دليلاً واضحًا على عمق الروابط الثقافية التي تجمع هذه الجزر بثقافات جنوب المحيط الهادئ.
وقد أجرى «اتحاد الجمعيات العلمية التسع»، وهو إطار أكاديمي متعدد التخصصات يضم باحثين في الفولكلور والدين واللغة وغيرها من المجالات، أربع دراسات استقصائية مشتركة في جزر «أمامي» خلال الفترة الممتدة بين عامي 1955 و1957، وذلك بعد فترة وجيزة من عودة الجزر إلى الحكم الياباني. وأسندت مهمة التوثيق الفوتوغرافي إلى هاغا هيدييو، الذي أصبح لاحقًا أحد أبرز المصورين في مجال دراسات الفولكلور. وعلى مدى ثلاث سنوات من العمل الميداني، استخدم أكثر من 500 بكرة فيلم، أنتج من خلالها ما يقرب من 20 ألف صورة شكّلت سجلًا بصريًا نادرًا لحياة الجزر وثقافتها في تلك المرحلة.
صور من 70 عاماً مضت تعود إلى أرض الجزيرة
حتى وفاته عام 2022، واصل هاغا مسيرته المهنية في توثيق العادات والتقاليد الشعبية بعدسته، مكرسًا عمله لتسجيل مظاهر الحياة اليومية والثقافة المحلية في مختلف المناطق. وقد أسس «مكتبة هاغا»، وهي أرشيف فوتوغرافي تولّى إدارته لاحقًا ابنه هيناتا، الذي يشق بدوره طريقه كمصور فوتوغرافي محترف. وتُعدّ الصور التي التُقطت خلال دراسة جزر «أمامي» قبل نحو 70 عامًا أقدم سجل فوتوغرافي معروف للحياة في تلك الجزر، ولا تزال المكتبة تتلقى بانتظام طلبات للحصول على صور تعود إلى تلك الفترة.
ومع مرور الزمن، تتعرض الأفلام السلبية الضوئية (النيغاتيف) للتلف التدريجي، الأمر الذي دفع هاغا هيناتا وداعميه إلى التخطيط لمشروع شامل لرقمنة هذا الإرث البصري، على أمل توظيفه في تعليم التاريخ المحلي والحفاظ عليه للأجيال القادمة. وفي هذا السياق، تعاون موقع Nippon.com في تنفيذ المشروع، ورافق موظفوه هاغا هيناتا في يوليو/تموز 2025 خلال زيارته إلى جزر «أمامي» للتبرع بالمواد الرقمية.
وقد أُودعت مجموعة الصور الرقمية في «متحف أمامي» بمدينة أمامي، وهو المتحف العام الوحيد في جزر أمامي، كما جرى تسليم نسخ رقمية من الصور المحلية إلى قرية «أوكين» الواقعة في الجزء الغربي من جزيرة أمامي أوشيما، وإلى بلدتي تشينا ووادوماري في جزيرة أوكينويرابوجيما، حيث التقط هاغا معظم صوره، إضافة إلى تسليم المواد ذات الصلة إلى البلديات المعنية كلٌّ على حدة، في خطوة تهدف إلى إعادة هذا الإرث البصري إلى المجتمعات التي وُلد فيها.
وتستعيد إحدى سكان بلدة «أوكين»، وهي اليوم في عقدها التاسع، ذكرياتها قائلة: «كان السيد هاغا يزور منزلنا كثيرًا ويتناول المشروبات مع زوجي». وتوضح أنه في تلك الحقبة كان كل بيت في القرية يصنع مشروبه الكحولي الخاص، «لكن خوفًا من زيارات مفتشي الضرائب، كان الأهالي يحرصون على إقامة معامل التقطير في أعالي النهر، بعيدًا عن الأنظار».
ويتذكر أحد السكان صورة التُقطت لإحدى العائلات وهي تجدف في قارب صغير وسط النهر. ففي ذلك الزمن، كانت الكاميرات نادرة، ما دفع ربة الأسرة إلى الارتياب في أمر «هاغا»، خشية أن يكون مسؤولًا حكوميًا يسعى إلى جمع أدلة على تخمير الخمور بشكل غير مشروع. أما اليوم، فقد تحوّلت تلك الصورة إلى ذكرى ثمينة تعتز بها العائلة. ويستحضر هاغا هيدييو بحزن الظروف القاسية التي أجبرت هذه الأسرة على اصطحاب أطفالها للعمل في الحقول، قائلاً: «ومع ذلك، كانوا يشعرون بالسعادة لأن العائلة كانت معًا، مجتمعة تحت سقف واحد».
اللقاء مع أهل الجزيرة
في جزيرة أوكينويرابوجيما، لا يزال عدد كبير من أبناء جيل ما قبل الحرب على قيد الحياة حتى اليوم. وقد أعرب المؤرخ المحلي ساكيدا ميتسونوبو عن بالغ سعادته بتسلّم الصور الرقمية، قائلاً: «سنعتز بهذه الصور جميعًا، إذ لم يكن لدى أحد صور فوتوغرافية توثّق تلك الحقبة، ما يجعل هذا السجل للحياة اليومية بالغ القيمة». وأضاف: «أرغب في عرض هذه الصور ليتمكّن كبار السن من مشاهدتها واستعادة ذكريات تلك الأيام الخوالي».
وخلال زيارة حديثة، قدم ”ساكيدا“ ”هاغا هيناتا“ ومرافقيه إلى بعض كبار السن، الذين رووا ذكرياتهم.
وهناك مجموعة من الصور تظهر أطفالًا في المرحلة الابتدائية وهم يلعبون في ساحة المدرسة. وقد تسلم الرجل الذي كان يستعرض مهارته في لعبة اليويو نسخة من الصورة، الأمر الذي أسعده كثيراً.
وأثناء تصفّح الصور الجماعية لطلاب مدرسة «كونيغامي» الابتدائية، تعالت أصوات النساء بحماس ودهشة: «أوه، هذه أنا!» أو «انظروا، هذا زوجي!». وكانت الصور بمثابة نافذة أعادت إليهن لحظات من طفولتهن وشبابهن.
وتُظهر إحدى الصور لقاء «اليامين»، وهو اللقاء الأول الذي يجمع عائلتي العروسين في منزل العريس. وتستعيد العروس، الجالسة في الصف الأمامي وقد زيّنت شعرها بعصابة، تلك اللحظة قائلة: «في ذلك الوقت لم يكن هناك تلفاز أو أي وسيلة ترفيه أخرى، لذلك كان الحي بأكمله يتجمع لمشاهدة هذا اللقاء. كنت أشعر بخجل شديد». فقد كان الزواج آنذاك حدثًا محوريًا في حياة العائلات، ومناسبة اجتماعية بارزة تحتفي بها القرية بأكملها.
وفي إحدى أشهر صور المصوّر هاغا هيدييو، يظهر رجلٌ مُسنّ يسلّي الأطفال بسرد الحكايات الشعبية تحت ظلال أشجار البابايا وفاكهة الماراكويا. وكان هذا الرجل هو تايرا ماينوبو، الذي عُرف بكونه أفضل راوٍ للقصص في الجزيرة، إذ كان يحفظ نحو سبعين رواية شفهية محلية. وخلال خمسينيات القرن الماضي، أجرى معه سيكي كيغو، الباحث المتخصص في المرويات الشفوية التقليدية، مقابلة ميدانية ضمن دراساته عن جزر «أمامي».
ومن هذا الإرث الشفهي، تنطلق اليوم ماتسومورا يوكي، وهي من أقارب تايرا من فرع عائلي بعيد، في مساعيها للحفاظ على لغة «شيماموني» المحلية، كما تُعرف في المنطقة. وتعمل ماتسومورا على صون هذه اللغة من خلال إصدار كتب مصوّرة ومواد تعليمية متنوعة. وتُعد «شيماموني» إحدى لغات بلدة «كونيغامي»، والمُدرجة ضمن أطلس اليونسكو للغات العالم المهددة بالاندثار.
ومنذ عام 2019، تكثّفت الجهود الرامية إلى الحفاظ على هذه اللغة، وتشمل إعداد قاموس خاص بها، وتنظيم محاضرات، وتقديم عروض غنائية ومسرحية باللغة المحلية، وذلك تحت إشراف المعهد الوطني للغة اليابانية واللغويات. وتؤكد ماتسومورا أن السجل الفوتوغرافي الذي خلّفه هاغا شكّل مصدر إلهام قوي لها، ودافعًا لمواصلة العمل على حماية اللغة، مشيرةً إلى أنها تعتزم توظيف هذه المجموعة الفريدة لدعم أنشطتها الثقافية والتعليمية.
ذكريات الماضي تربطنا بالمستقبل
واليوم، يتركّز النشاط الزراعي في جزيرة «أوكينويرابوجيما» على المحاصيل النقدية مثل قصب السكر والزنابق، غير أنّ المشهد كان مختلفًا تمامًا في الماضي، حين كانت حقول الأرز تمتد على نطاق واسع في أرجاء الجزيرة. وكانت هذه الحقول تُفلح باستخدام معاول ذات أسنان خشبية، فيما تُخزَّن بالات الأرز داخل مخازن مرتفعة تعلوها أسقف من القش، في مشهد يعكس بساطة الحياة الزراعية آنذاك.
وقد نُقل أحد هذه المخازن لاحقًا إلى متحف التراث الشعبي في بلدة «وادوماري»، حيث أُعيد بناؤه بعناية. وفي داخله، تُعرض أدوات زراعية قديمة وقطع أثرية متنوعة، إلى جانب صور التقطها هاغا هيدييو توثّق ممارسات زراعية اندثرت منذ زمن بعيد. ويشبه سلم المخزن في تصميمه السلالم التي كانت مستخدمة خلال حقبة يايوي، الممتدة من نحو 300 قبل الميلاد إلى 300 ميلادي، حين ترسّخت زراعة الأرز في اليابان. ولا شك أن هيدييو، الذي أفنى حياته في تصوير الطقوس المرتبطة بآلهة الأرز «تا نو كامي»، كان يستحضر وهو يضغط زر الكاميرا صورًا زراعية خالدة تعود إلى أعماق التاريخ.
في واحدة من الصور الشهيرة التي التقطها هاغا، تظهر نساء يصعدن الدرج الحجري وهنّ يحملن دلاء الماء على رؤوسهن أثناء خروجهن من كهف «سوميوشي كوراغو» الجيري شديد الظلمة. وعلى الرغم من أن المشهد يبدو للوهلة الأولى كأنه عمل فني مُتقن، فإنه في جوهره شهادة صامتة على قسوة الحياة في زمن لم يكن فيه ماء جارٍ.
وتُعد جزيرة «أوكينويرابوجيما» جزيرة من الحجر الجيري، تتخللها شبكة معقدة من الأنهار الجوفية، حيث تنبثق الينابيع في أماكن عديدة، مُشكّلة بركًا كانت تُستخدم كمورد مشترك للمجتمعات المحلية. وكان جلب الماء وغسل الأغراض من المهام اليومية التي تقع على عاتق النساء والأطفال، الذين تعلّموا منذ سن مبكرة كيفية موازنة الأحمال فوق رؤوسهم. فكل قطرة ماء تُسكب كانت تعني عناء العودة لجلبها من جديد، ما جعل إتقان حمل هذا المتاع الثمين ضرورة لا غنى عنها.
وحتى اليوم، لا تزال هذه الذاكرة حاضرة في الحياة المعاصرة للجزيرة، إذ تُقام مسابقة حمل المتاع على الرأس خلال اليوم الرياضي المدرسي، ويتعرّف الأطفال على نمط حياة أسلافهم من خلال جولات داخل كهف «كوراغو». وخارج الكهف، تعرض لوحة إرشادية صورًا التقطها هاغا، لتربط بين الماضي والحاضر، وتُبقي تفاصيل تلك الحياة الشاقة حيّة في الذاكرة الجماعية.
وقد امتدّ التطور الاقتصادي إلى جزر «أمامي» في السنوات التي أعقبت الدراسات الميدانية التي أجرتها الجمعيات العلمية، فغدت الحياة أكثر يسرًا، غير أن ذلك جاء على حساب كثير من العادات القديمة واللغة المحلية التي تراجعت تدريجيًا أمام مظاهر الحداثة.
ويستعيد هاغا هيناتا ذكرياته عن رحلته إلى جزر أمامي قائلًا: «إن مشاهدة المناظر الطبيعية التي التقطها والدي في صوره، ولقاء بعض الأشخاص الذين ظهروا فيها، جعلني أشعر وكأنني دخلت عالمًا من الخيال». ويضيف: «لقد كانت رحلة مدهشة، وأشعر أن أساليب الحياة القديمة، التي صمدت رغم قسوة الظروف، هي التي منحت سكان الجزر قدرتهم على الاستمرار حتى يومنا هذا». وبعد مئة عام من الآن، ستظل صور هاغا هيدييو، بلا شك، شاهدة بوضوح على المناظر الطبيعية البكر لجزر خمسينيات القرن الماضي، محافظة على حضورها كما لو أن الزمن لم يمسّها.
(النص الأصلي نُشر باللغة اليابانية، الترجمة من الإنكليزية. التقرير والمادة النصية من إعداد Nippon.com. صورة الموضوع: أطفال في الخمسينيات من القرن الماضي في مدرسة كونيغامي الابتدائية في جزيرة أوكينويرابوجيما. آنذاك بالأبيض والأسود [© هاغا هيدييو] والآن [© Nippon.com])





















