في خمسينيات القرن الماضي، وثّق المصور هاغا هيديو المهرجانات الشعبية والتقاليد المحلية في مختلف أنحاء محافظة فوكوشيما، موثقًا في صوره ملامح من الحياة الثقافية التي بدأت تتلاشى مع مرور الزمن. واليوم، تعود تلك الذكريات المصورة إلى موطنها الأصلي، بعدما قُدّمت النسخ الرقمية من الصور إلى السكان المحليين، الذين شرعوا في الاستفادة منها لإحياء التقاليد التي وثّقها هاغا وإعادة نقلها إلى الأجيال الجديدة.
تقديس تانوكامي: إله الحصاد الوفير
قبل أن يصبح مصوراً محترفاً، عمل المصور الرائد في مجال الموروثات الشعبية، هاغا هيدييو (1921–2022)، مترجماً في إحدى وكالات الأنباء. وقد انتهت مسيرته المهنية تلك عام 1952 حين حُلَّت الوكالة، وسعياً لتغيير الأجواء، توجه إلى محافظة فوكوشيما، مسقط رأس والده. وخلال إقامته لدى أقاربه في المنطقة التي تُعرف اليوم بمدينة إيواكي، صادف طقساً خاصاً برأس السنة كانت تمارسه الأسر المشتغلة بالزراعة.
فقبل مرحلة التطور الاقتصادي السريع التي شهدتها اليابان في أعقاب الحرب العالمية الثانية، كانت المعتقدات الشعبية المرتبطة بإله الأرز تانوكامي لا تزال حية وراسخة في أجزاء عديدة من البلاد. ففي محافظة فوكوشيما، كان رب الأسرة وابنه الأكبر يجمعان قش الأرز الذي حُصد في الخريف السابق لصنع يوريشيرو، وهو شيء يُستخدم لاستحضار الأرواح الإلهية، وذلك ترحيباً بـ شوغاتسو-ساما، وهي الروح التي كان يُعتقد أنها تجلب الحصاد الوفير. وفي فصل الربيع، كانت هذه الروح تظهر مجدداً في حقول الأرز لتعمل على إنضاج المحاصيل، ثم تغادر بعد حصاد الخريف عائدةً إلى الجبال التي كانت تقطنها.
وقد ألهمت فكرة وجود إلهٍ غير مرئي يفيض بخيرات الطبيعة المصورَ هاغا، فحوّل عدسة كاميرته نحو المراسم المخصصة لاستقبال هذا الإله، وما يصاحبها من أدوات طقسية وقرابين أُعدّت بعناية فائقة. وبينما كان يتأمل عن كثب هذه الثقافة الروحية البسيطة والخالية من الزخارف المتكلفة، استعاد إلى ذهنه مفهوم ماريبوتو، وهو مصطلح يشير إلى روح إلهية تزور العالم من ”العالم الآخر“، والذي كان قد تعرّف عليه خلال دراسته الجامعية على يد الباحث في الفلكلور وعلم الأعراق البشرية أوريكوتشي شينوبو (1887–1953).
نقل تقاليد إيواكي
في مقدمة الكتاب المصور تانوكامي: نيهون نو إيناساكو غيري (إله حقول الأرز: طقوس زراعة الأرز في اليابان)، وهو أول مجموعة صور التقطها هاغا في مدينة إيواكي، أوضح السبب الذي دفعه لاختيار هذا الموقع للقيام بعمله.
فعلى مدى ألفي عام، دأب الشعب الياباني على زراعة الأرز، وهي ممارسة تبلورت حولها معتقدات تتعلق بإله حقول الأرز تانوكامي وما يرتبط به من طقوس. ولقد تأثرت العديد من العادات والأساطير اليابانية بمفهوم تانوكامي، مما يتيح فهماً أعمق لكيفية انعكاس طقوس زراعة الأرز على الحياة اليومية والبنى الاجتماعية. واليوم، أتاح العلم الحديث تحقيق محاصيل وفيرة دون الحاجة إلى تدخل تانوكامي، إذ يؤدي التقدم في التكنولوجيا الزراعية وعصرنة الحياة الريفية إلى تآكل سريع لمجتمع القرية التقليدي، الذي كانت تتشابك فيه المعتقدات الدينية وإنتاج المحاصيل وأشكال الترفيه. وتُعد هذه الفرصة الأخيرة لتوثيق الطقوس المرتبطة بإنتاج الأرز للأجيال القادمة.
وكما توقع هاغا، كانت الطقوس المرتبطة بزراعة الأرز تشهد تبسيطاً متسارعاً أو اندثاراً تاماً. وفي المقابل، حظيت الطقوس التي تتمحور حول تانوكامي مثل طقس ميبو نو هانا تاوي في محافظة هيروشيما وطقس أوكو-نوتو أينوكوتو في محافظة إيشيكاوا بالاعتراف بقيمتها، وذلك من خلال إدراجها بشكل جماعي ضمن قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي. وقد توفي هاغا الذي كرس حياته لتوثيق التراث الشعبي للأجيال القادمة في عام 2022 عن عمر ناهز 101 عام.
وتواجه مدينة إيواكي التي شهدت بدايات هاغا كمصور فوتوغرافي يوثق التراث الشعبي خطر فقدان ثقافتها الزراعية التقليدية في الوقت الراهن. ومن هذا المنطلق، يقود متحف إيواكي للتراث الشعبي والمساكن التقليدية الذي افتُتح عام 1999 جهوداً للحفاظ على ما تبقى من تلك التقاليد، حيث يعمل المتحف على جمع وعرض شتى أنواع المقتنيات المرتبطة بالحياة المحلية.
وقد أُعيد تشييد خمسة منازل تقليدية ذات أسقف من القش، كانت قد فُككت ونُقلت من مناطق متفرقة في إيواكي داخل المساحات الشاسعة للمتحف، حيث جرى الحفاظ عليها بعناية فائقة لتعكس صورة إحدى القرى الزراعية من حقبة ما قبل العصر الحديث. وتضم المنازل من الداخل معروضات لأدوات زراعية كانت تُستخدم في تلك الحقبة، كما يُتاح للزوار تجربة العمل بأنفسهم في حقول الأرز الخارجية. ويقصد تلاميذ المدارس في إيواكي هذا المكان في إطار دروس الدراسات الاجتماعية، بينما يمكن للبالغين المشاركة في عطلات نهاية الأسبوع في ورش عمل تتيح لهم التعرف على الثقافة المحلية.
في صيف عام 2026، زار هاغا هيناتا ابن هاغا متحف التراث الشعبي للتبرع ببيانات صور رقمية تعادل محتوى 46 بكرة فيلم، وذلك للمساهمة في تدريس التاريخ المحلي. ومن خلال فرز هذه المجموعة، اختار المتحف صوراً لعروض ترفيهية شعبية كانت قد اندثرت منذ أكثر من 30 عاماً، وعرضها ضمن معرض خاص أقيم خلال فصل الصيف.
ويقول أمين المتحف أوتا يوهي: ”تُعد الصور التي توثق أعمال الزراعة في مدينة إيواكي خلال حقبة ما بعد الحرب نادرة للغاية، وهي ذات قيمة لا تُقدّر بثمن بالنسبة للبحوث العلمية. فعلى سبيل المثال، أشار الباحث في التراث الشعبي سيكي كيغو (1899–1990) إلى أنه كان قد كوّن فكرة عن طقس ناريكيزيمي، وهو ممارسة تتمثل في ضرب إحدى شجرات الفاكهة بسكين كتعويذة لضمان وفرة المحصول، من خلال الأوصاف المكتوبة، إلا أن صورة هاغا كانت المرة الأولى التي يشاهد فيها هذه الممارسة تُؤدَّى بالفعل“.
ويُقام في فصل الخريف معرض خاص يتمحور حول موضوع ”القش“، حيث يضم صوراً مُتبرَّعاً بها توثّق طقوس مثل شوغاتسو-ساما وتوريغويا وغيرها من العادات. وستُستخدم هذه الصور أيضاً في محاضرات مدرسية يلقيها متحدثون من خارج المدرسة، كما ستُدرج ضمن متحف إيواكي الرقمي الذي يعرض الموارد الثقافية للمنطقة. وفي هذا الصدد، يقول هاغا: ”أشعر بسعادة غامرة لأن متحف التراث الشعبي يولي اهتماماً وتقديراً للتراث المحلي، ولأنني تمكنت من ائتمان المتحف على صور والدي“.
تقاليد التراث الشعبي الغنية لا تزال حية
كما دعا هاغا متحف فوكوشيما في مدينة أيزو-واكاماتسو إلى التبرع بالمحتويات الرقمية لـ 138 بكرة فيلم تتضمن صوراً التُقطت في أنحاء المحافظة كافة. وكانت صور والده قد عُرضت ضمن معرضٍ طاف بمدينتي بكين وروما عام 2012، أي في العام التالي لوقوع زلزال شرق اليابان الكبير، وقد جاء عرض هاغا التقديمي بمناسبة عودة المعرض إلى متحف فوكوشيما.
وخلال الحفل، عرض أوساتو ماساكي أمين المتحف المسؤول عن قسم التراث الشعبي الأدوات الطقسية والمشغولات الحرفية الفعلية التي وثّقتها تلك الصور. وقد أوضح قائلاً: ”إلى جانب النماذج المادية الفعلية، تُعد الصور عنصراً حيوياً لشرح الطقوس التقليدية؛ وتكتسب صور ’هاغا هيدييو‘ ولا سيما تلك التي ركّز فيها على التقاط جوهر هذه الطقوس قيمةً لا تُقدّر بثمن“.
وبالإضافة إلى ذلك، جرت رقمنة العديد من شرائط الأفلام وفق تسلسلها الزمني، مما قدم صورة واضحة عن تتابع الأحداث، وتكتسب الصور التي التُقطت عام 1960 وتُظهر الاحتفالات في بلدة ميهارو أهمية خاصة.
وتُظهر إحدى سلاسل الصور لحظة دخول العروس إلى منزل العريس، وهي مناسبة لا تتكرر إلا مرة واحدة في العمر. ووفقاً لأوساتو، ”لا بد أن هاغا قد تفاوض مع العائلة مسبقاً، إذ إنه التقط صوراً من داخل المنزل“. وقد أبدى استغرابه من أن سلسلة الصور هذه ”تُظهر وسيط الزواج وإحدى الجارات وهما يزيلان غطاء الرأس المصنوع من الخيزران الذي يشبه المظلة عن رأس العروس، بينما ينشد الضيوف أغنية ’تاكاساغو‘ الاحتفالية المستوحاة من مسرحية النو التي تحمل الاسم نفسه، وهي صور توثق مراسم قد يتوقع المرء رؤيتها في الكتب المدرسية التي تتناول التراث الشعبي“.
وفي معرض تقديمه للمجموعة، قال هاغا: ”تُعد مهرجانات فوكوشيما عنصراً مهماً في العلاقات الإنسانية. ورغم أنها لم تعد تحظى باهتمام عام يذكر منذ زلزال مارس/ آذار 2011، إلا أنني آمل أن تبعث هذه الصور شعوراً بالفخر لدى السكان المحليين بثقافتهم الشعبية“.
وفي صيف عام 2025، قُدِّمت مجموعة مماثلة من الصور الرقمية التي التُقطت في خمسينيات القرن الماضي كهدية إلى جزيرة أمامي أوشيما في محافظة كاغوشيما، حيث تتواصل الأنشطة المتعلقة بهذه المجموعة. وقد أقام متحف أمامي معرضاً هذا الصيف احتفاءً بالتبرع بالصور، كما يخطط لتنظيم معرض متجول ينتقل إلى مناطق أخرى في اليابان، بدءاً من مدينة كوبي مستهدفاً السكان السابقين لجزيرة أوكينويرابوجيما، وهي إحدى جزر أمامي. ولعل من الممكن تنظيم نشاط مماثل في فوكوشيما لنقل الثقافة المحلية إلى الأجيال الشابة.
(النص الأصلي باللغة اليابانية، الترجمة من الإنكليزية. التقرير والمادة النصية من إعداد فوجيوارا تومويوكي من فريق عمل Nippon.com. صورة الموضوع: رجل يحمل حزم القش المستخدمة في طقوس رأس السنة الجديدة شوغاتسو-ساما، على اليسار، ورجل يضرب إحدى شجرات الفاكهة في طقوس ناريكيزيمي. © هاغا هيدييو)



















