إدراك رقيق ورحيم بالحياة

لقد امتلك اليابانيون بشكل تقليدي شغفا طويلا تجاه الكائنات الحية. ويمكن ملاحظة ذلك، على سبيل المثال، في الكثير من المعالم والتماثيل البوذية المشيدة لتخليد ذكرى الحيوانات من كل الأنواع والتي حظت بمغزى خاص للإنسان. وحين كانت المبيدات الحشرية لا تزال غير معروفة، بنى المزارعون موشيزوكا ’’تلال الحشرات‘‘ لتخليد ذكرى الحشرات التي أجبروا على طردها من حقولهم لحماية المحاصيل. وكانت طقوس التضرع التي تمثل جزءاً لا يتجزأ من موشي-أوي (طرد الحشرات) للتخلص من الحشرات الضارة، ممارسة سائدة في أغلب القرى الزراعية في جميع أنحاء اليابان. وبينما كانت الحشرات تسبب مضايقة للمزارعين، كان ينظر إليها ككائنات حية تستحق الاحتفاء.

مشهد آخر شائع في اليابان، يتمثل في الأعمدة الحجرية والتماثيل البوذية التي أقيمت لتخليد ذكرى الحيوانات ذات النفع للإنسان، مثل الخيول والكلاب. كما توجد أيضاً نصب تذكارية مخصصة للحيوانات التي تذبح للاستهلاك الآدمي، ومنها الخنازير، الدجاج، الخنازير البرية، الطيور، الأسماك والظباء. وظلت جلود الكلاب والقطط تستخدم لفترة طويلة لعمل شاميسين وهي آلة موسيقية وترية تقليدية، وتوجد نصب تذكارية خصصت للحيوانات التي تم التضحية بها من أجل هذا الغرض. ففي مدينة ناسو في محافظة توتشيغي، نجد أوكيرا كويوتو، نصب مكرس خصيصاً للحشرات التي تم الإمساك بها وتقديمها حية ليتناولها صقور الشوغون (الإقطاع).

تأبين الحيتان

نصب تذكاري مكرس للحيتان في جزيرة أوميجيما، ناغاتو بمحافظة ياماغوتشي. (© أفلو)

كما وجد تقليد ياباني فريد يقضي ببناء مقابر للحيتان، تسمى كوجيرا باكا، داخل أراضي المعابد المحلية. وكان ذلك تقليدا شائعا في قرى الصيد التي تعتمد في معيشتها على صيد الحيتان. وفي رحلة قمت بها مؤخرا، زرت متحف ناغاتو للحيتان في مدينة ناغاتو، في تتبع لأثر الشاعرة كانيكو ميسوزو، التي كانت من إحدى قرى الصيد في محافظة ياماغوتشي، وتأثرت بشكل خاص بوجود مقابر للحيتان داخل أراضي كوغانجي، المعبد البوذي القريب.

ويقال إن مقبرة الحيتان بدأت كرمز لإبداء الندم والتعاطف الذي شعر به اليابانيون من صائدي الحيتان تجاه صغار الحيتان وأجنتها التي سقطت ضحية غير مباشرة لصيد وقتل أمهاتها. ويذكر أن مقبرة الحيتان في ناغاتو قد شيدت لتخليد ذكرى نهاية أكثر من 70 حوتا. ولا زال الناس يقومون بزيارة المقبرة وإشعال البخور حتى اليوم، على الرغم من كون الصيد التجاري للحيتان قد أصبح شيئا من الماضي في أغلب بلدان العالم.

ويضم معبد كوغانجي، بالإضافة لمقبرة الحيتان، ألواحا جنائزية وسجلات وفاة بها قوائم بتاريخ ومكان صيد الحوت وجنسه والأسماء البوذية لـ 242 حوتا بعد الوفاة، بالإضافة إلى أسماء فريق الصيد الذي قضى على أرواحهم. يتم تكريس هذه المخلوقات بنفس الطريقة مثل نظرائهم من البشر.

وكانت سينزاكي، التي تعد اليوم جزءاً من مدينة ناغاتو، هي المكان الذي ولدت وعاشت فيه كانيكو ميسوزو (1903-30) حتى موتها. وقتها، كانت سينزاكي قرية صيد تعيش على صيد الحيتان الشاطئية، لذا كان بعض أشعار كانيكو حول الحيتان، مثل ’’كوجيرا هوي‘‘ (تأبين الحيتان). و تتناول كانيكو في شعرها التبجيل والعرفان اللذين شعرت بهما إزاء التضحية العظيمة لتلك الحيوانات.

في نهاية الربيع، تأبين الحيتان.
حين تمسك تلك الأسماك الطائرة في البحر،
تقرع أجراس المعبد المطل على البحر
ويرن صداها فوق سطح المياه.
ومع ارتداء صيادي القرية لمعاطف هاؤري الرقيقة
ويسرع الجميع إلى المعبد على الشاطئ،
يوجد حوت صغير وحيد في الأفق
يسمع صوت أجراس المعبد
وينادي صارخاً على أبيه وأمه
’’أفتقدكما! أفتقدكما!‘‘
إلى أي مدى يصل الصدى
لتلك الأجراس عبر البحار؟

توجد النصب التذكارية المكرسة للحيتان في كل أنحاء اليابان. يقع هذا النصب في مقصورة كاغاتا في شيناغاوا، طوكيو. أفلو.

البشر كعنصر من عناصر الطبيعة

لاحظ الراحل ناكامورا تيري، الأستاذ الفخري السابق بجامعة ريشُو، أنه بينما يوجد 67 رواية حول تحول البشر إلى حيوانات في روايات غريمز، يوجد فقط 6 منها تصف حيوانات تتحول إلى بشر. وفي المقابل، نجد 42 قصة حول بشر تحولوا إلى حيوانات و92 لحيوانات تحولوا إلى بشر في نيهون موكاشي باناشي (روايات قديمة من اليابان).

كذلك بينما كان السحر عاملا أساسيا في قصص التحول في روايات غريمز، لم يكن الأمر كذلك في نيهون موكاشي باناشي. يؤكد ناكامورا أن هذا يوضح التقارب الكبير بين البشر والحيوانات في التراث الياباني، بخلاف الغرب، حيث يوجد تمييز بشكل واضح بينهما.

ففي اليابان، يتخذ تانوكي (كلب الراكون)، الشكل الآدمي، ويبعث البطل الآدمي الأسطوري ياماتو تاكيرو في هيئة بجعة، وفي الرواية التراثية ’’تسورو أونغائيشي‘‘ (طائر الكركي المقّر بالجميل)، يتخذ طائر كركي هيئة امرأة لشكر فاعل خير آدمي. وهكذا فهناك رشاقة وانسيابية في عملية التحول بين الحيوان والإنسان، في إدراك للمساواة التي تخلو من تفوق أي من تلك الهيئات على الأخرى. وربما كان ذلك مظهرا على حس اليابانيين بالاتحاد، الهوية، والتكامل مع الطبيعة.

كلاب الهاسكي في نهاية العالم

وقع في خمسينات القرن الماضي حدث جلل، أحيا الوعي لدى اليابانيين بقوة التقارب مع الحيوانات. ففي عام 1956، غادر أول فريق بحثي ياباني إلى قارة أنتاركتيكا على متن مركبة الأبحاث القطبية سويا، واصطحبوا معهم 22 من كلاب سخالين هاسكي، من بينها كلبان سميا تارو وجيرو. وكان من المخطط أن يقوم الباحثون بقضاء الشتاء في قاعدة شووا أنتاركتيكا حتى وصول الفريق الثاني، ولكن حين تعذر ذلك بسبب سوء حالة الطقس، اضطروا إلى المغادرة تاركين وراءهم 15 كلبا.

ثم استطاع فريق البحث الثالث في يناير/ كانون الثاني عام 1959، من خلال طائرة هليكوبتر العثور على كلبين أحياء في قاعدة شووا القديمة. وأخبرني أحد الرجال الذين كانوا في البعثة لاحقاً أنه كان يخشى الاقتراب منهما في البداية لأنه تصور أنهما لابد وأن قد أصبحا شرسين مع الوقت. وقد تأكدا لاحقا أن الكلبتين هما تارو وجيرو ، وأنهما كانا الناجين الوحيدين من فريق الكلاب الذي تم التخلي عنه. وكان ذلك خبراً كبيراً في اليابان، وعمت الاحتفالات في كل الأنحاء. وأقيمت النصب التذكارية والتماثيل للكلاب في كل أنحاء اليابان، حتى أنه تم كتابة أغنية للاحتفاء بهما.

وفي عام 1983، تدافع أكثر من 12 مليون ياباني لمشاهدة فيلم نانكيوكو مونوغاتاري (أنتاركتيكا) الذي شارك فيه تارو وجيرو، ليتصدر العمل مبيعات التذاكر لهذا العام. وصدر إعادة إنتاج للفيلم الشعبي في الولايات المتحدة عام 2006، تحت اسم إيت بيلو.

وكتب كيكوتشي تورو، أحد الأعضاء الأصليين من حملة استكشاف أنتاركتيكا، كتاباً أسماه إينوتاتشي نو نانكيكو (كلاب أنتاركتيكا). ويتذكر كيف أن صويا انهالت عليها برقيات التلغراف المعترضة على القرار القاسي بترك الكلاب وحدها. وقالت الأصوات المعترضة إنه ’’لا يجب قتل أعضاء الحملة الاستكشافية الذين لا يستطيعون التحدث عن مشاعرهم‘‘. و ’’يجب ارجاعهم إلى الوطن بأي ثمن‘‘. و ’’كيف تجروء على نسيان جميل هذه الكلاب؟ ولا يجب عليكم العودة إلى الوطن إن قررتم تركها وحدها‘‘.

حتى ذهب البعض إلى التأكيد أنه كان من الأفضل قتل الكلاب بدلا من تركها وحدها بتلك الطريقة. كانت هذه وجهة نظر خاصة من الناس في الدول الغربية واليابانيين الذين لديهم خبرة في العيش في الخارج. ويبدو أن الحملة كانت تخطط لموت رحيم لتلك الكلاب، ولكن لم يمهلهم الموقف الوقت الكافي لإتمام تلك الخطة.

يعارض أغلب اليابانيين بقوة قتل الحيوانات بتلك الطريقة. وقاد ذلك في بعض الأماكن إلى خلل في النظام البيئي الطبيعي حيث تكاثرت الأرانب، الماعز، والقطط المتروكة بمعدلات مرعبة في بعض الجزر في أوكيناوا وأوغاساوارا. ولازال الكثير من الناس ينادي بالإمساك بها وترويضها بدلا من قتلها كدخلاء على ذلك النظام البيئي.

وفي المقابل، في دول أخرى يكثر النظر إلى ترك الحيوانات لتعاني، كخطيئة أكبر من قتلها. وقد يجادل الكثير من الغربيين أن قتل الكلاب كان من الممكن أن يكون أكثر رحمة من تركها لتتضور جوعاً. ولا زلت أتذكر اشمئزازي الفطري حين شاهدت القتل الغير رحيم للحمير الوحشية التي تسللت إلى جزر غالاباغوس.

رفاهية الحيوان والذبح

تملك المملكة المتحدة حزمة من القوانين ضد استخدام القسوة مع الحيوانات معمول بها منذ عام 1822، ولا تزال ألمانيا تنفذ قوانين حماية الحيوان التي سنت عام 1933. أما عن اليابان، فإنها سنت قانونا حول رفاهية وإدارة الأمور المتعلقة بالحيوانات فقط في عام 1973.

وقد يبدو الأمر على أن اليابان تتخلف عن الغرب في سنّ تشريعات لحماية الحيوانات. وبالطبع لم يكن لدى اليابان نفس التشريعات القانونية التي تنص على المعايير الخاصة بالمرافق الحيوانية، أو القواعد الخاصة بامتلاك الحيوانات الأليفة، أو تلك التي تسمح للحيوانات الأليفة بمرافقة أصحابها في المواصلات العامة. لكنها قامت باللحاق بهذا التأخير، بشكل سريع.

وتم انتقاد اليابان لعدة سنوات بسبب الأعداد الكبيرة من الكلاب والقطط التي يتم إحضارها لمراكز الصحة العامة ليتم قتلها بشكل رحيم. ووفقاً لوزارة البيئة، يوجد انخفاض حاد في أعداد الحيوانات التي قتلت من 1.2 مليون في عام 1974 إلى 83 ألف في عام 2015. وفي المقابل، ارتفعت نسب الكلاب والقطط التي تم تبنيها من قبل أصحاب جدد خلال نفس الفترة من 2% فقط إلى 39%. وتتراجع اليابان في التصنيف العالمي لعدد الحيوانات الأليفة التي تواجه القتل الرحيم سنوياً، والذي تبلغ نسبه 0% في ألمانيا، 7 ألاف في بريطانيا حتى حوالي 2 مليون في الولايات المتحدة.

وتشهد اليابان حالياً ازدهاراً غير مسبوق في اقتناء الحيوانات الأليفة، يرجع جزئياً لتراجع معدلات المواليد وارتفاع أعمار السكان، حيث يتزايد عدد البالغين من غير المنجبين الذين يسعون إلى رفقة الحيوانات، كما يتطلع كبار السن إلى مصادقة الحيوانات بعد أن يذهب أولادهم للسكن المنفصل، أو أن يتوفى شريكهم في الحياة. ويشير البعض كذلك إلى زيادة أعداد اليابانيين الذي يشعرون بالعزلة والوحدة. ويقول أكثر من نصف عدد مقتني الحيوانات الأليفة اليابانيين أن مرافقيهم من الحيوانات يمنحونهم التسرية والراحة، وأنهم ينظرون لهم كأفراد من الأسرة وشركاء.

وقاد ذلك إلى مشاكل جديدة من نوعها مع كبر سن الحيوانات الأليفة وأصحابها. من يجب عليه الاعتناء بهم؟ فتم مراجعة قانون رفاهية الحيوانات في عام 2016، ليتضمن فقرة غير ملزمة تطلب من أصحاب الحيوانات الأليفة أن يقدموا رعاية صحية طول العمر لحيواناتهم. وشهدت اليابان إنشاء دور رعاية للكلاب المسنّة، في خطوة ذات دلالة حول الطريقة التي يسعى بها المجتمع لمجابهة تلك القضايا الجديدة. ويختار عدد متزايد من كبار السن من أصحاب الحيوانات الأليفة في ذات الوقت، ترك حيواناتهم. ومن المؤكد أن التنمية المجتمعية في اليابان ستستمر في إثارة نقاشات جديدة حول العلاقة بين البشر والحيوانات.

(نشر النص الأصلي باللغة اليابانية في 20 يونيو/ حزيران عام 2017. الترجمة من الإنكليزية. صورة الغلاف: تماثيل برونزية تخص تارو وجيرو أمام مركبة أبحاث أنتاركتيكا، فوجي، التي ترسو بشكل دائم في ميناء ناغويا. أفلو).