العمل وسط حديقة الديناصورات

وقد حدث بعض التقدم عند النظر فيما ذكر حتى الآن، ومع ذلك فقد كان رد الفعل الغريزي للعديد من النساء اليابانيات تجاه الأحداث الأخيرة متمثلاً بالاشمئزاز والإحباط تجاه ذلك السلوك العتيق ذو الجذور العميقة الكامنة وراء مثل هذه الحوادث. وكانت مقاطعة أعضاء منتخبين في مجلس العاصمة طوكيو أثناء طرح سؤال مشروع لعضوة زميلة بشأن مسألة انخفاض عدد السكان والصياح في وجهها كي تتزوج وتنجب هي أطفالاً إحدى الدلائل عن عدم احترامهم لها ولمنصبها كموظفة حكومية، ناهيك عن حريتها في الاختيار وكذلك الحق في الخصوصية. ولنأخذ أيضا بعين الاعتبار اولئك الموظفين الذكور الذين دفعوا وعلى مدى أشهر عِدَّة مرؤوستهما إلى حافة الاستقالة من خلال توجبه تعليقات جنسية بذيئة، ثم بعد ذلك كله تمادوا وذهبا إلى حد رفع دعوى قضائية ضد صاحب العمل لقيام الأخير بتأديبهما وتأنيبهما على ”المزاح الغير مؤذي“. تم ماذا عن سلسلة مراكز الأزياء التي من المفترض أن تكون خبيرة بالحياة والناس بعد أن قررت أن تظهر ”دعمها للمرأة العاملة“ وتحثهن على الظهور بصورة أجمل بين الرجال في المكتب عن طريق مكياج جديد أو تسريحة شعر جديدة؟ ولعل استمرار مثل هذه المواقف والأفكار حتى يومنا هذا ستدعو العديد من النساء للتساؤل فيما إذا كانت الأمور سوف تتغير حقا في المستقبل.

وقد تكون الإجابة ”نعم“، حيث يعرف الجميع كلمة sekuhara في هذه الأيام، والجميع يعلم أن sekuhara هو ضد القانون. ومع ذلك، فعندما يتعلق الأمر بالتعامل مع النساء واقعياً في مكان العمل، فإن الكثير من الرجال لا يزالون غير مدركين لتصرفاتهم التي ربما تندرج تحت بند التحرش. ولربما يبدو أنه ليس لديهم فهم أساسي لماذا تستاء المرأة بسبب تعليقاتهم الجنسية والتلميحات المبطنة أو السبب في كونها مشكلة اجتماعية.

وبطريقة ما لم يخطر على ذهن أي من هؤلاء الجناة بأن سلوكهم يمكن أن يُعَّد تحرشاً بعد كل ما قيل، وبأنّ لديهم شعبية مع الفتيات في العمل ولا أحد سيعترض على القليل من اللمس وعلى تعليقاتهم البذيئة دائماً والتي تثير ضحكة مكتومة. وعلى أي حال، ما هو الخطأ في القول لامرأة أنه يجب أن تتزوج؟ أليست سعادة المرأة تدور حول الزواج والأطفال؟ أو ليست كلمة ”جميلة“ مجاملة أبضا يمكن أن تُقال لامرأة شابة؟ ولعل هذه المواقف الذكورية هي أقوى بكثير وذات جذور أعمق من أي فهم عن التحرش الجنسي. وهذا يترك فجوة إدراك شاسعة بين الرجال اليابانيين واليابانيات، علماُ أن الغالبية سبق وان رفضت منذ أمد بعيد الأفكار الضيقة للرجال حول الأنوثة، سواء كان السعي وراء ممارسة المهن بأنفسهم أم غير ذلك.

النساء اللواتي لا يستطعن قول ”لا“

كما أنني أعرف عضوة مجلس محافظة تحملت الكثير من المضايقات من بعض زملائها من الرجال حتى أصبحت تصف مكان عملها بحديقة الدينصورات. وكذلك بأن المجالس التشريعية المحلية ليست الأمكنة الوحيدة التي يتحكم بها مخلوقات أحفوريه ومفترسة بآنٍ واحد !!

لكن على الرغم من وجود تلك الهوة في السلوك على ما هو مقبول، يبقى السؤال وهو: لماذا تصمت النساء اليابانيات رغم هذا كله ؟ علماً بأنَّ المزيد منهن يقلن ”لا“ للأدوار الجنسية التي يفرضها الذكور عليهن ولكن ليس بصوت عالي الوتيرة.

وتجدر الإشارة بأنّ معظم المجتمعات تتوقع من المرأة أن تكون سلبية نسبيا واستيعابية ولكن اليابان تفرض توقعات مرتفعة بشكل غير عادي في هذا الصدد، ويرجع ذلك جزئيا إلى قيم الوئام والتعاون بين جميع أعضائها. لا تعتبر الصراحة سمة إيجابية في الرجال أو النساء، ولكن يتم تعليم المرأة بشكل خاص من سن مبكرة لتكون مطيعة ومراعية لمشاعر الآخرين. ولعل الدوافع وراء التعامل بِوّد ومراعاة مشاعر الآخرين، وتجنب الصراع هي مجرد ردود فعل بديهية وانعكاسات طبيعية.

وفي الواقع، فقد كان هذا الميل حالة واضحة في القضية التي وجدت طريقها إلى المحكمة العليا. حيث جادل الموظفون الذكور بأن مرؤوساتهم من الإناث لم يعترضن أو يخبرن بأنها تعليقات جنسية فجة وغير مرحب بها. وبالطبع فقد حاولن نقل استيائهن بشكل غير مباشر من خلال الصمت أو تعابير الوجوه، ولكن هذه الرسائل فشلت في الوصول بشكل واضح. وفي الواقع لم تظهر عضوة مجلس العاصمة طوكيو شيمومورا أياكا أي علامة تدل على الغضب تجاه صيحات الإساءة من زملائها، وطغى عليها الارتباك فقط. كما أن المرأة التي ظهرت في إعلان Lumine التجاري تمتعت بإبداء رد فعل مماثل للمزاح المهين من زميلها الذكر. وبما أن النساء اليابانيات تَربَيّن من مرحلة الطفولة ليكنّ ”فتيات لطيفات“ ومحبوبات، فأنهن يجدن صعوبة كبيرة للتعبير عن الغضب بطريقة مباشرة.

وتبدو هذه السلبية عميقة الجذور حتى أنها يمكن أن تمنع امرأة من مواجهة الرجل الذي يلمسها في قطار مزدحم. لكن أفضل ما يمكن أن تقوم به في معظم الحالات، هو مطالبة من يزعجها بأسلوب مؤدّب بالكف عما يقوم به أما إذا كانت تتسم ببعض الوقاحة فإنها ستصيح ”توقف عن ذلك!“ وفي مثل هذه الحالة، فإن كل ما ستحصل عليه هو حواجب مرفوعة تعلو سمات الناس من حولها، على الرغم من كونها الضحية المستهدفة. ولعل رد الفعل هذا هو ببساطة غير مهذب. فاللغة اليابانية نفسها تُنّظم الاستخدام المحدد بين الجنسين، وبالتالي فإنها أي قواعد اللغة تمنع المرأة من التعبير عن الرفض أو الغضب بشكل مباشرة.