رواد التعلم العميق اليابانيون

ولكن مع ذلك فإنَّ لدى اليابان قوة لا يمكن الاستخفاف بها. سيما وأن الأفكار الأصلية التي كانت بمثابة الأساس للتعلم العميق جاءت من باحثين يابانيين. عام ١٩٨٠، منهم فوكوشيما كونيهيكو، وهو باحث في مختبرات NHK لأبحاث العلوم والتقنيات والذي أعلن عن نظام التعرف النمطي أطلق عليه اسم “neocognitron”. وعلى الرغم من أنه كان جيدا في التعرف على الحروف المكتوبة، فإنه لم يجذب الكثير من الانتباه. لكن مع مرور الوقت وظهور تكنولوجيا الحوسبة اليوم أصبحت القيمة الحقيقية لنظام فوكوشيما واضحة.

وهناك شخصية رئيسية أخرى تتمثل في أماري شونإتشي الذي هو الآن أستاذ فخري في جامعة طوكيو، والذي أجرى بحوثا رائدة على الشبكات العصبية، وعلى إيجاد قاعدة لتكنولوجيا التعلم العميق. أماري، ومع أنه سيبلغ عمره الثمانين عام ٢٠١٥، فإنه لا يزال مليئا بالحيوية، وغالبا ما يرد اسمه في العروض التقديمية في المؤتمرات الأكاديمية على التعلم العميق.

هل هؤلاء مجرد أمثلة إضافية لهذه الظاهرة التي تتم ملاحظتها في كثير من الأحيان عن أفراد يابانيين يلعبون أدوارا رئيسية على الساحة العالمية؟ في الواقع هناك المزيد حول هذه القصة. لذا دعونا نأخذ بعين الاعتبار المقطع التالي:

”سنقوم برفع مستوى الإنتاجية لذوي الياقات البيضاء لذا سنعمل على الاستفادة ليس من النص وحده فحسب بل من الصور والأصوات أيضا“.

وقد يبدو هذا للوهلة الأولى وكأنه بيان لشركة ناشئة، ولربما تكون واحدة من المحصول الحالي من الأعمال الجديدة التي تهدف إلى الاستفادة من التعلم العميق. كما تذكر بعض القراء بمهمة غوغل وهي: ”تنظيم المعلومات حول العالم وجعلها مفيدة وفي متناول الجميع“.

في الواقع تم أخذ هذا الاقتباس من وثيقة تعود لعام ١٩٨٢ تقترح إطلاق مشروع الجيل الخامس لأنظمة الكمبيوتر في اليابان. وقد تلقى هذا المشروع، الذي تم توليه قبل أجهزة الكمبيوتر الشخصية، تمويلاً من وزارة التجارة الدولية والصناعة (وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة حاليا) وصل إلى ٥٧ مليار ين، وذلك بإجراء أبحاث على الذكاء الاصطناعي. كما زار العديد من الباحثين الكبار اليابان، وقيل إن الولايات المتحدة والدول الأوروبية على السواء أجرت مناقشات جدية حول استراتيجيات للاستجابة لهذه المبادرة اليابانية.

وبدا أنّ هذا المشروع الذي وُضِع عام ١٩٨٢ كان متقدما جدا آنذاك ولعل هذا المفهوم من شأنه أن يحظى بالموافقة عليه حتى اليوم. أو ربما سيكون من الأفضل القول إنه تم الموافقة عليه أخيرا .وقد يقول الناس إن المشروع فشل لأنه كان متقدما جدا، وبالتالي انتهى لعدم قدرته على العثور على الاتجاه الصحيح لتطوير التكنولوجيا حيث لم يكن في تلك الأيام ببساطة بيانات كافية. ولم يكن هناك إنترنت، ولا حتى World Wide Web، ولا وسيلة لزيادة إنتاجية ذوي الياقات البيضاء ولكن عندما نعود إلى الوراء وننظر في المشروع، أعتقد أننا يمكن القول إنه في الواقع كان يهدف في الاتجاه الصحيح.

يمكن للمرء أن يتصور أنه إذا كانت شبكة الإنترنت قد ظهرت قبل ١٠ عاما، لكانت اليابان قد اتخذت المكان الذي يحتله وادي السيليكون اليوم. ويمكن النظر إلى مشروع الجيل الخامس لأنظمة الكمبيوتر، الذي أجري عندما كانت اليابان تزدهر وتنمو بسرعة، بمثابة الجزء الأفضل من نهج بلادنا للوصول إلى مكانة ”رقم واحد“. كما أننيّ بعد أن علمت عن وجود هذا المشروع وقمت ببعض البحوث بصدد ذلك، لم أتأثر كثيرا بالمحتوى التكنولوجي وإنمّا بالطموح القوي والاتجاه الاستراتيجي الكامن وراءه، والسعي للوصول إلى مكانة ”رقم واحد“.

آفاق الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في اليابان

يمكننا أن نتوقع استمراراً في تطوير الذكاء الاصطناعي وأن يترك ذلك تأثيراتٍ كبيرة على مجموعة واسعة من القطاعات، مثل تصنيع السيارات والآلات الصناعية وكذلك في البنية التحتية الاجتماعية كمجالات النقل والخدمات اللوجستية، والأمن، بما في ذلك منع الجريمة، والروبوتات، ووسائل الرعاية الطبية والتمريضية ومن المرجح. أن تكون القيمة المضافة من هذا التأثير هائلة.

وهكذا فإنّ الذكاء الاصطناعي هو في الواقع حقل مناسب تماما لليابان. واسمحوا لي ذكر بعض الأسباب:

١- احتياجات قوية بسبب الانكماش السكاني والشيخوخة

مع انخفاض عدد سكان اليابان، يجب أن يتم زيادة الإنتاجية، وهناك مطالب اجتماعية قوية للذكاء الاصطناعي وتطوير الروبوتات المجهزة بالذكاء الاصطناعي.

٢- توفير إمدادات كافية من الموارد البشرية ذات الصلة بالذكاء الصناعي

بفضل مشروع أنظمة الكمبيوتر للجيل الخامس، أضحى لدى اليابان موارداً بشرية وافرة للذكاء الاصطناعي. وأصبح الذين كانوا طلبة في الجامعة في ذلك الوقت من المشروع يخدمون الآن كأساتذة جامعات ويعلمون المحصول القادم من الخبراء. مع التنويه إلى الجمعية اليابانية للذكاء الاصطناعي التي لديها ٣٠٠٠ عضو، والتي تقترب في الحجم مع منظمة الذكاء الاصطناعي العالمية للنهوض بالذكاء الاصطناعي التي يتراوح أعضاءها بين ٥٠٠٠-٦٠٠٠ عضو. (في المقابل، فإن هناك أيضاً جمعيات متعلقة بتكنولوجيا المعلومات في اليابان ولديها أعداداً أقل من الأعضاء). وعلاوة على ذلك، يوجد في اليابان الكثير من الناس ممن عاصروا بشكل مباشر الطفرة الأولى والثانية للذكاء الاصطناعي، كما أن مستوى فهم هذا الحقل مرتفع.

٣- التكنولوجيا التي تتطلب الذكاء والجدية

ولعل الربط بين مختلف مصادر المعلومات هو ما يعطي قيمة لشبكة الإنترنت، والشركات التي تنجح هي تلك التي تستجيب لاحتياجات اليوم. أما بشأن الذكاء الاصطناعي تتم مشاركة منظومة القيم، وما هو مطلوب هو ذكاء لفهم كامل للأسس الرياضية، جنبا إلى جنب مع الاجتهاد في صقل المعلومات والتي هي بالتحديد المواهب التي يتمتع بها مهندسو الإنتاج.

٤- اللغة لا تهم

في لغة الإنترنت، كان حاجز اللغة بين اليابانية والإنكليزية عقبة رئيسية أمام اليابان ولكن في حالة الذكاء الاصطناعي، ما يهم هو مفهوم الخوارزميات، وبالتالي فإن المقدرة اللغوية ليست عاملا رئيسيا.

٥- علاقة قوية مع الأجهزة

بواسطة الذكاء الاصطناعي، توجد هناك فرصة قوية يمكن فيها لليابان من أن تطبق نمطها التقليدي الناجح وهو دمج التكنولوجيا في المنتجات وبيعها. ويرتبط التعلم العميق بشكل وثيق مع تكنولوجيا الاستشعار والروبوتات، والتي ستساعد على تعزيز قوة اليابان في هذا المجال.