في اليابان، كما في دول أخرى، تتسارع سياسات الأمن القومي لمواكبة الفرص المتنامية والمخاطر المتصاعدة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي. ومع انتقال اليابان نحو تعزيز قدراتها في مجال الدفاع السيبراني واعتماد تشريعات جديدة، تتزايد الأسئلة حول كيفية توظيف هذه التقنيات لحماية الأمن القومي. وفي هذه المقابلة الحصرية، يستعرض تايرا ماساكي، المسؤول السابق عن الأمن السيبراني، مع تاكيناكا هاروكاتا، استجابة اليابان لهذه التحولات وتحدياتها المستقبلية.
الذكاء الاصطناعي باعتباره حجر الزاوية للأمن القومي
تاكينـاكا هاروكاتا: أحدثت الحكومة الأمريكية صدمة في مختلف أنحاء العالم في يونيو/حزيران الماضي، عندما أمرت شركة الذكاء الاصطناعي أنثروبيك مؤقتا بتعليق الوصول العالمي إلى نماذج الذكاء الاصطناعي التي أطلقتها حديثا، ”فابل 5“ و”ميثوس 5“، مُعللة ذلك بمخاطر تتعلق بالأمن القومي. ويثير التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي مخاوف من ظهور هجمات إلكترونية أكثر تطورا من أي وقت مضى، في الوقت الذي يؤدي فيه الذكاء الاصطناعي دورا متزايد الأهمية في أمننا القومي، بدءا من تحليل صور الأقمار الاصطناعية ووصولا إلى عمليات المحاكاة العسكرية.
تايرا ماساكي: إذا أدى حصار إلى وقف شحنات النفط المارة عبر مضيق هرمز، فإن الدول المستوردة للنفط لا تزال قادرة على الصمود لبضعة أشهر. أما إذا أمرت الحكومة الأمريكية بإيقاف ”فابل 5“، فسيتوقف الوصول إليه على الفور. لقد أصبحت نماذج الذكاء الاصطناعي المتطورة شريان الحياة للأمن القومي. هذا هو العالم الذي نعيش فيه الآن، وعلينا أن نجد سبلا لتنويع المخاطر وضمان استقلاليتنا في ظل هذا الواقع.
تاكينـاكا: انطلاقا من هدف تحقيق الاستقلالية، يدعو البعض اليابان إلى السعي نحو ”ذكاء اصطناعي سيادي“، من خلال تطوير نماذج ذكاء اصطناعي محلية خاصة بنا، بدلا من الاعتماد على الأنظمة الأجنبية. ومن ناحية أخرى، ترى النسخة الثانية من الورقة البيضاء للذكاء الاصطناعي الصادرة عن الحزب الليبرالي الديمقراطي في مايو/أيار الماضي، أن على اليابان أن تركز على نقاط قوتها، بدلا من محاولة بناء نظام ذكاء اصطناعي محلي بنسبة 100% من الصفر. وبصفتك نائب رئيس فريق العمل الذي أعد تلك التوصيات، هل يمكنك أن تشرح وجهة نظرك بمزيد من التفصيل؟
تايرا: إن فكرة تطوير ذكاء اصطناعي محلي مصنوع في اليابان، جذابة للغاية من الناحية السياسية. لكن لنتأمل في مكونات أنظمة الذكاء الاصطناعي العاملة حاليا. فهي تحتاج إلى أشباه موصلات فائقة التطور، مثل وحدات معالجة الرسومات ووحدات المعالجة المركزية، وهذه بدورها تحتاج إلى معادن نادرة وعناصر أرضية نادرة. كما تحتاج إلى مراكز بيانات، وخدمات حوسبة سحابية، ونماذج أساسية، وتطبيقات، وغير ذلك. ولذلك، نحتاج إلى التفكير بموضوعية فيما سيتطلبه فعليا بناء نموذج ذكاء اصطناعي محلي خالص.
وانطلاقا من ذلك، فإن إحدى النقاط التي شددنا عليها هي ضرورة تخصيص الموارد بما يضمن ألا تتمكن دول أخرى من السيطرة على ما قد يتيح ممارسة الضغط علينا. وإلى أولئك الذين يقولون ”لنفعل كل شيء محليا“، أردنا أن نوجه رسالة مفادها أن هذا أمر يتطلب قدرا أكبر من التفكير المتأني. والنقطة الأخرى التي أردنا التأكيد عليها هي أن الشركات اليابانية تكاد لا تملك أي فرصة للفوز في مواجهة مباشرة مع النماذج الأساسية العملاقة، مثل جيميني من غوغل.
ولكن هناك سبلا أخرى يمكن لليابان من خلالها أن تجعل نفسها طرفا لا غنى عنه، وأن تطور تقنيات محلية ذات أهمية بالغة للأمن القومي. وبدلا من التركيز على نماذج اللغات الكبيرة (LLMs)، نقترح استراتيجية لتوجيه مواردنا العامة والخاصة –في شراكة وثيقة– نحو تطوير نماذج أساسية للرؤية واللغة والفعل (VLA)، لدعم ذلك النوع من تقنيات الذكاء الاصطناعي المادي اللازمة لتطبيقات مثل الروبوتات والطائرات المسيرة والقيادة الذاتية. وهناك مجال واعد آخر يتمثل في الذكاء الاصطناعي المتخصص، أي النماذج التي تتخصص في مجالات مثل الطب، وتستخدم بيانات آنية تحصل عليها من أجهزة الاستشعار، بدلا من المعلومات التي سبق نشرها على الإنترنت. وهذه مجالات تتوافق بصورة وثيقة مع نقاط القوة التي تتمتع بها اليابان.
نحو بالانتير مصنوع في اليابان
تايرا: فيما يتعلق بالسياسة الدفاعية، علينا اتخاذ بعض القرارات بشأن استخدامنا لبالانتير(*1). ونرى أن اليابان لا تملك خيارا سوى الاستفادة منه، ما دامت ترتيباتنا الأمنية مع الولايات المتحدة تقوم على افتراض تنفيذ عمليات عسكرية مشتركة. لكننا لا نعتقد أن من الحكمة أن تعتمد اليابان على بالانتير بشكل حصري. ولهذا أوصينا بتطوير نوع من بالانتير مصنوع في اليابان، يكون أقرب ما يمكن إلى الذكاء الاصطناعي السيادي. فهذا ذكاء اصطناعي مصمم خصيصا لقطاع الأمن، ولذلك فهو يختلف عن تطوير نموذج لغوي ضخم متعدد الأغراض.
وفي مجالي الأمن القومي والاستخبارات، ما زلنا ملتزمين إلى حد كبير بتطوير ذكاء اصطناعي مصنوع في اليابان. ونحن نميز بين هذا المجال وغيره. ولسنا بصدد خوض معارك في مجالات لا نملك فيها أي فرصة للفوز، لكن أمامنا عدة مسارات تتيح لنا تحقيق تفوق في مجالات متخصصة، وهذا هو المجال الذي نريد أن نركز جهودنا عليه.
استقطبت معضلة ”المفارقة المعلوماتية العكسية“ اهتماما كبيرا في الآونة الأخيرة. وتتمثل الفكرة في أنه في الوقت الذي يدفع فيه العملاء رسوما باهظة مقابل استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي متعدد الأغراض، تظل المعلومات التي يمكنهم إدخالها محدودة لأسباب أمنية. وفي الوقت نفسه، يشارك العملاء بياناتهم الخاصة في كل مرة يستخدمون فيها النموذج. ويبدو أن هذا الوضع غير قابل للاستمرار. ولذلك، بدلا من استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي المتطورة متعددة الأغراض في كل شيء، سنبدأ في رؤية تقسيم للعمل بين نماذج اللغات الكبيرة متعددة الأغراض من جهة، وبدائل أكثر تخصصا من جهة أخرى، مثل النماذج الموجهة للاستخدام المحلي وتلك التي يمكن تشغيلها في بيئة مغلقة. وإذا ازداد الطلب على الذكاء الاصطناعي المتخصص الموجه إلى مجالات محددة، فسيكون ذلك مجالا يمكن لليابان أن تسعى فيه إلى المنافسة.
وفي مجال الدفاع، طلبت أستراليا مؤخرا عددا من السفن الحربية من اليابان، كما تلقينا استفسارات من نيوزيلندا والفلبين. وفي ضوء هذا الاتجاه، يبدو لي أنه لا بد أن يكون هناك طلب عالمي على نظام بالانتير مصنوع في اليابان، يكون آمنا ولا يتسبب في تسرب البيانات، حتى لو كانت بعض مواصفاته المتقدمة أقل تطورا بعض الشيء.
التعاون مع الشركات الناشئة
تاكينـاكا: تصدّرت حرب الطائرات المسيرة المشهد في بؤر توتر مثل أوكرانيا وإيران. بل إن الطائرات المسيرة المزودة بقدرات للذكاء الاصطناعي، بما في ذلك التعرف على الصور، يمكنها أن تقود نفسها وتهاجم أهدافها بشكل مستقل، في حال تعرضت الإشارات اللاسلكية للتشويش. كيف يمكن لليابان أن تستخدم الذكاء الاصطناعي لتطوير أسلحة مبتكرة خاصة بها؟
تايرا: لا أملك معرفة كافية بتكنولوجيا الأسلحة تمكنني من الإجابة عن هذا السؤال بالتفصيل. لكن يمكنني أن أخبرك بأن وزير الدفاع كويزومي [شينجيرو] يعمل بنشاط على تعزيز اعتماد الطائرات المسيرة والروبوتات ذاتية التشغيل، بالتوازي مع تشجيع إقامة شراكات مع شركات ناشئة خاصة عاملة في مجال الذكاء الاصطناعي.
كانت الشركات الكبرى فقط –حتى الآن– هي من يتعامل مباشرة مع وزارة الدفاع، أما الشركات الصغيرة أو الناشئة، فقد اقتصرت مشاركتها بصفتها شركات متعاقدة من الباطن. لكن حسب ما فهمت، يعمل وزير الدفاع كويزومي بجد على بناء منظومة تتيح للشركات الصغيرة والناشئة طرح أفكارها المبتكرة ومناقشتها مباشرة مع وزارة الدفاع.
تحول جذري في الدفاع السيبراني
تاكينـاكا: في مايو/أيار 2025، عندما كنت وزير دولة مسؤولا عن الأمن السيبراني، أقررتم قانون تعزيز قدرات الاستجابة السيبرانية، الذي أرسى تحولا استراتيجيا نحو الدفاع السيبراني النشط. هل يمكن أن تحدثنا عن خلفيات القانون؟
تايرا: شهدت الحرب في أوكرانيا معارك ضارية في الفضاء السيبراني. ويبدو أن روسيا، قبل أن تبدأ غزوها في عام 2022، كانت قد تسللت خلسة إلى خادم السكك الحديدية الأوكرانية، بهدف السيطرة على النظام في الوقت الذي تختاره. وبفضل الدعم التقني من بريطانيا والولايات المتحدة، تم اكتشاف هذا التسلل وإحباطه استباقيا. وقد أتاح ذلك الرد الاستباقي للاجئين من أوكرانيا الفرار إلى البلدان المجاورة عبر السكك الحديدية عندما بدأت الأعمال القتالية.
وفي عام 2023، تعرضت اليابان لهجوم سيبراني أدى إلى شل حركة الخدمات اللوجستية في ميناء ناغويا. وفي البداية اعتقدنا أنه هجوم ببرمجيات الفدية، لكن المزيد من التحقيق أشار إلى أن الهجوم نفذه قراصنة يعملون لحساب قوة أجنبية. ومنذ ذلك الحين، وقعت هجمات من مختلف الأنواع، استهدفت شركات طيران ومؤسسات مالية وغير ذلك. ويسمح القانون الجديد للشرطة أو لقوات الدفاع الذاتي بتحديد الخوادم التي تشكل تهديدا وتحييدها قبل وقوع الهجوم.
وقد شكل ذلك تحديا تشريعيا، في ظل قوانين الخصوصية القائمة في اليابان. إذ تظل المضامين الفعلية للاتصالات خارج نطاق الوصول. وبدلا من ذلك، يستهدف الدفاع السيبراني الجديد الأوامر التي تنشئها الآلات وغيرها من البيانات الوصفية، بهدف تحديد طبيعة الجهة المرسلة والخادم. ويمكن أن توفر مقارنة هذه البيانات الوصفية مع أجزاء من اتصالات مجموعات قرصنة معروفة، بما في ذلك المعلومات التي تقدمها الدول الشريكة، مؤشرات تساعد على تحديد إن كان النشاط مشبوها أم لا.
لنفترض أننا نحاول حماية خادم حيوي تابع لشركة كهرباء من الهجمات السيبرانية. فإذا عثرنا على بيانات مشبوهة صادرة عن آلة داخل خادم شركة الكهرباء، واكتشفنا أدلة على العبث به، فيمكن للشرطة أو لقوات الدفاع الذاتي الوصول إلى الخادم الخبيث، أينما كان موقعه في العالم، وتغيير إعداداته أو حذف برمجيات منه، بهدف تحييد قدرته على شن هجوم سيبراني.
ممارسة مشروعة لسلطة الشرطة
تاكينـاكا: فهل يمكننا القول إذن إن القانون الجديد يسمح لليابان –عمليا– بشن هجوم سيبراني استباقي في حال وجود تهديد وشيك للبنية التحتية الحيوية، مثل محطات توليد الكهرباء أو المطارات أو السكك الحديدية؟ وهل يعد ذلك ممارسة مشروعة لسلطات الشرطة بموجب القانون الحالي؟
تايرا: نحن لا نعتبر مثل هذا الرد هجوما استباقيا. فضلا عن ذلك، فهو لا ينطوي على استخدام القوة.
تسمى تقنية التسلل خلسة إلى نظام للبنية التحتية الحيوية بهدف الاستيلاء عليه في وقت لاحق هجوم ”العيش من موارد النظام“، وهي آخذة في التحول إلى أسلوب شائع. ونحن نواجه أزمة سيبرانية لا يمكننا أن نأمل في السيطرة عليها إذا تمسكنا بالنهج القديم الذي يقتصر على التحرك بعد وقوع الحادث. وما لم نحيد الجهة المسؤولة بمجرد اكتشاف أدلة على وجود تهديد، فقد تكون العواقب وخيمة. ولذلك، فإننا نرى في ذلك ممارسة مشروعة لصلاحيات الشرطة.
تاكينـاكا: أعتقد أن مثل هذا الرد يتطلب معرفة تقنية متقدمة للغاية. ما مدى جاهزية الشرطة وقوات الدفاع الذاتي في الوقت الراهن لمثل ذلك؟
تايرا: ما زلنا في مرحلة بناء قدراتنا، ولذلك سنعمل بشكل وثيق مع شركائنا الأمنيين، والدول الأخرى التي تتبنى رؤى مماثلة، والشركات الخاصة العاملة في مجال التكنولوجيا.
ومن المهم الإشارة إلى أننا قادرون بالفعل –بشكل مستقل– على تحديد البيانات التي تنشئها الآلات وتحليلها ضمن الاتصالات التي تمر عبر اليابان في طريقها من دولة أجنبية إلى أخرى. وهذا أمر ذو قيمة كبيرة لشركائنا الأمنيين. فاليابان هي مركز الربط الرئيسي في شرق آسيا، ما يجعلها موقعا محوريا من منظور جمع المعلومات الاستخباراتية الإقليمية. ويستخدم تحالف ”العيون الخمس“ الأمني [الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وكندا، وأستراليا، ونيوزيلندا] هذا النوع من الاتصالات الرقمية تحديدا، ومن الناحية الجغرافية، تتمتع اليابان بموقع مثالي لاستكمال نطاق تغطيته. وفي هذا السياق أيضا، فإن تحول اليابان نحو اعتماد دفاع سيبراني نشط له آثار كبيرة على الأمن العالمي.
(المقالة الأصلية منشورة باللغة اليابانية استنادا إلى مقابلة أجريت في 3 أغسطس/آب عام 2026. الترجمة من الإنكليزية. صورة العنوان: وزير الدفاع كويزومي شينجيرو، يسارا، يتفقد مصنعا للطائرات المسيرة الصناعية في ناغويا بتاريخ 20 مايو/أيار عام 2026. © كيودو نيوز)
(*1) ^ بالانتير تكنولوجيز، شركة كبرى توفر منصات لتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي يستخدمها الجيش الأمريكي (المحرر).

