تسليط الضوء على المشكلة

وتجدر الإشارة أن اليابان كانت تعتبر كما هو متعارف عليه بأن الانتحار قضية شخصية. إلا أنه مع ازدياد أعداد الأشخاص الذين يقدمون على الانتحار، أخذت الحكومة اليابانية تعترف بأن تلك المأساة أصبحت قضية اجتماعية. فقد سَنَّت السلطات في عام ١٩٩٦ تشريعات لتعزيز جهود منع الانتحار وبدأت بتنفيذ البرامج في العام التالي. والتي شملت مبادرات لتعزيز الرعاية الصحية النفسية، ومساعدة الأشخاص الذين يعانون من الديون الثقيلة، ودعم أفراد الأسر الباقين على قيد الحياة.

وقد ساعدت هذه الجهود وغيرها على خفض معدل الانتحار في اليابان إلى مستوى كان سائداً قبل عام ١٩٩٨. وبلغ عدد حالات الانتحار عام ٢٠١٥ نحو ٢٤ ألف و٢٠٥ حالة، كما تشير الأرقام الأولية لعام ٢٠١٦ إلى استمرار هذا الاتجاه الآخذ في الهبوط. ومع أن هذا التراجع أمرٌ يبعث على الارتياح، إلا أن الحقيقة تظل تشير إلى احتمالية  موت اليابانيين بالإقدام على الانتحار بمعدل ستة أضعاف من أولئك الذين يلقون حتفهم من جراء حوادث مرور. ولعل هذا هو الأمر الذي يوضح أنه لايزال هناك الكثير مما ينبغي القيام به لخفض معدل الانتحار المرتفع في اليابان.

حول أسس رعاية الصحة النفسية

يؤكد الخبراء على مبدأين للوقاية من الانتحار يركزان بدورهما على الصحة النفسية إجمالاً.

١. الاعتراف المبكر:حيث إن الانتحار يمكن أن ينبع من مجموعة قضايا، منها المشاكل الاقتصادية، والقضايا الشخصية، والاضطرابات النفسية. وبالتالي فإنّ الخطوة الأولى هي التعرف بسرعة على علامات الإقدام على الانتحار.

٢. الدعم: مما لاشك فيه أن التقلبات المعيشية هي جزء من الحياة، ولكن المهم مساعدة الناس لفهم أنهم ليسوا وحدهم وكذلك من الضروري أيضا السماح لهم بمعرفة أين يمكنهم العثور على منظمات الدعم المناسبة لاحتياجاتهم.

العزلة المفروضة ذاتياً

لربما تكون العزلة كلمة رئيسية للأشخاص المعرضين لخطر الانتحار. فالأفراد الذين يعانون من الاكتئاب أو الاضطراب العقلي يشعرون في كثير من الأحيان بالوحدة، وأنه لا يوجد أحد يفهم ما يمرون به وغالبا ما تدفعهم مشاعر العزلة إلى الانسحاب من أفراد الأسرة والأصدقاء والزملاء وغيرهم ممن قد يكونون قادرين على تقديم الدعم. وهذا الانفصال ينبع من الشعور بعدم القيمة والذنب في الكثير من الأحيان أو بأن العالم سيكون أفضل حالا من دونهم.

إن إدراك هذه العلامات هو أمر جوهري لمنع الانتحار وفي مثل هذه الظروف، يتحتم على الأصدقاء والعائلة وغيرهم أن يعترفوا بسرعة بصرخات الشخص المستترة الطالبة للمساعدة وأن يبذلوا قصارى جهدهم للوصول للشخص وإعادة تأكيدهم لعلاقتهم به.

وحتى في عالم متزايد الترابط، يحجم الناس عن البحث عن المساعدة في معالجة المشاكل المالية والشخصية وغيرها ويعاني الأفراد الأكثر تعرضا لخطر الانتحار عموما مما وصفه أحد الأطباء بأنه ”رؤية النفق النفسي“، حيث ينظرون إلى مشاكلهم على أنها لا يمكن التغلب عليها، وينظرون إلى الانتحار على أنه السبيل الوحيد للخروج.

سيما وانه بالكاد من المستحيل تقريبا على شخص طغت عليه مشاكله التوصل من تلقاء نفسه إلى حل عقلاني. وقد لا يؤدي ذلك التحدث مع الآخرين بأمرٍ بالغ الأهمية إلى إيجاد حل فورا ولكن مناقشة الأمر يساعد على تخفيف الضغط على عقل الفرد ويُمَكِّن المَعنِيين من إعادة تقييم وضعهم بشكل موضوعي.