تضم منطقة نيشي-مايزورو، الواقعة على ساحل بحر اليابان في محافظة كيوتو، مجموعة من المعالم التاريخية والطبيعية البارزة. من بينها قلعة تانابي، التي كان لها دور مهم في مجريات وأصداء معركة سيكيغاهارا، ما يمنحها قيمة تاريخية خاصة. كما تشتهر المنطقة بقنوات يوشيوارا إيري الخلابة، التي تضفي على المدينة طابعًا هادئًا وتستحضر ملامح الحياة الساحلية التقليدية. وإلى جانب ذلك، تحتضن نيشي-مايزورو سوقًا كبيرًا للأسماك يُعد من أبرز معالمها المعاصرة.
شاهد التاريخ في قلعة تانابي
في أوج مجدها، كانت قلعة تانابي شامخة كطائر الكركي باسطًا جناحيه، ما أكسبها لقب مايزورو-جو، أي قلعة ”الكركي الراقص“. ورغم أن القلعة لم تعد قائمة، إلا أن إرثها ما زال حاضرًا في اسم مدينة مايزورو الحديثة. خلال فترة إيدو (1603-1868)، كانت المدينة مركزًا لمدينة قلعة نابضة بالحياة في مقاطعة تانغو، التي تقع اليوم في شمال محافظة كيوتو.
تم الحفاظ على موقع أطلال القلعة وتحويله إلى متنزه مايزورو، الذي لا يبعد سوى أقل من 10 دقائق سيرًا على الأقدام من محطة نيشي-مايزورو. لم يتبقَ من القلعة سوى أساساتها، لكن نماذج مصغرة للبوابة وبرج المراقبة (ياغورا) ذي الطابقين، المعروف باسم شوكوكان، تُعطي لمحة عن عظمة القلعة السابقة. تُعد هذه المباني جزءًا من متحف قلعة تانابي، الذي يعرض قطعًا أثرية ومقتنيات أخرى تُجسد الإرث التاريخي الغني للمنطقة.
بُنيت قلعة تانابي عام 1582 تحت إشراف داييميو هوسوكاوا يوساي في القرن السادس عشر. وبينما كان المعقل الرئيسي لمقاطعة تانغو يقع في مدينة ميازو، بالقرب من أمانوهاشيداتي، اكتسبت تانابي أهمية استراتيجية لقربها من العاصمة كيوتو، ولأنها كانت محاطة بالمياه من جميع الجهات الأربع، مما جعلها أكثر تحصيناً.
مقدمات معركة سيكيغاهارا
كانت قلعة تانابي جزءًا من الصراع الذي مهّد لمعركة سيكيغاهارا الحاسمة عام 1600، والتي أسفرت عن قيام شوغونية توكوغاوا، التي حكمت اليابان لحقبة طويلة. ففي تلك المرحلة، انضم تاداوكي، الابن الأكبر لهوسوكاوا يوساي وخليفته، إلى جيش توكوغاوا إياسو الشرقي خلال تقدّمه لمواجهة داييميو آيزو القوي أوسوغي كاغيكاتسو. وردًا على هذا التحالف، أرسل الجيش الغربي قوة قوامها 15000 جندي إلى مقاطعة تانغو.
وفي ظل هذه التطورات، أُجبر يوساي، الذي أُوكلت إليه مهمة الدفاع عن المقاطعة، على إحراق حصن ميازو، ثم قام بتجميع قواته داخل قلعة تانابي، الأكثر مناعةً وتحصينًا. ورغم أن غالبية محاربي تانغو كانوا قد رافقوا تاداوكي، فإن يوساي، ومعه كتيبة صغيرة لا تتجاوز 500 جندي، تمكّنوا من الصمود في وجه حصار فرضه جيش متفوّق عدديًا على مدى شهرين كاملين.
رُفع الحصار عن قلعة تانابي قبل ثلاثة أيام فقط من انتصار جيش توكوغاوا الشرقي في معركة سيكيغاهارا. ويرى العديد من الخبراء أن متانة قلعة تانابي وصمود هوسوكاوا يوساي، الذي استمر شهرين كاملين، كانا عاملين حاسمين في ترجيح كفة المعركة، إذ أسهما في منع وصول قوات أساسية من الجيش الغربي إلى ساحة المواجهة الفاصلة.
أما تاداوكي، الذي قاد قواته في الخطوط الأمامية خلال معركة سيكيغاهارا، فقد كوفئ على شجاعته بمنحه ممتلكات واسعة في كيوشو، ليغدو أحد أقوى الدايميو في عصر إيدو. وفي المقابل، آلت مقاطعة تانغو إلى كيوغوكو تاكاتومو (1572–1622)، حيث قام أبناؤه الثلاثة عام 1622 بتقسيم المقاطعة فيما بينهم، وهو ما أدى إلى تأسيس إقطاعية تانابي في تانغو.
منطقة ميناء يوشيوارا إيراي
تحظى منطقة يوشيوارا إيري، الواقعة على ضفاف خليج مايزورو، بإعجاب الزوار لما تتمتع به من امتزاج عبق التاريخ مع روعة الجمال الطبيعي، حتى إنّها كثيرًا ما تُشبَّه بمدينة البندقية، نظرًا لما تزخر به من قنوات مائية خلابة تضفي عليها طابعًا فريدًا وساحرًا.
يبرز طابع يوشيوارا إيراي الفريد في صفوف المنازل المتلاصقة المرتبطة مباشرة بأرصفة القوارب، والتي تكاد تلامس سطح الماء. ويتميّز بحر اليابان بنطاق مدّ وجزر محدود نسبيًا، في حين يتّسم خليج مايزورو بنطاق مدّ وجزر ضيّق للغاية لا يتجاوز 30 سنتيمترًا، وهو ما يمنح المكان هذا المشهد الساحر والاستثنائي.
كما يوفّر جسر يقع بالقرب من ضريح مينازوكي، الذي يحتضن تمثال الإله الحامي لمنطقة يوشيوارا، إطلالة بانورامية على محيط القناة. ومن هذا الموقع، تستحضر صفوف القوارب الصغيرة الراسية أمام المنازل المطلة على الماء صورة المدن الإيطالية الشهيرة بقنواتها المائية.
حمّامان تاريخيّان
يُضفي حمّام هينوديو التاريخي طابعًا من عبق الماضي على منطقة يوشيوارا إيراي، إذ يعود تاريخ تشييده إلى أكثر من قرن من الزمن، وهو مُصنَّف كممتلك ثقافي وطني ملموس.
أُعيد تبليط قاعات الاستحمام وتجديدها بعد فترة وجيزة من انتهاء الحرب العالمية الثانية، غير أن الأحواض المستطيلة ذات الزوايا الدائرية المميّزة بقيت على حالها منذ تأسيس الحمّام. أما غرف تغيير الملابس، بما تضمّه من موازين قديمة وكراسي للتدليك، يُعزِّز الأجواء الكلاسيكية ذات الطابع العتيق.
يُعدّ حمام واكانويو الثاني، الواقع في شارع هيرانويا التجاري القريب، أحد الممتلكات الثقافية المادية الوطنية. وقد جعل وجود مبنيين تاريخيين كهذين على مقربة من بعضهما البعض من مايزورو وجهةً جذابةً لعشاق الحمامات من جميع أنحاء اليابان.
وإلى الغرب منها تقع تيرا ماتشي، وهي منطقة تقع عند سفح جبل أتاغو، وتضمّ عددًا من المعابد والأضرحة المرتبطة بهوسوكاوا يوساي.
وفرة من المأكولات البحرية الطازجة
تشتهر مدينة مايزورو الساحلية بوفرة مأكولاتها البحرية الطازجة، ويُعد مركز مايزورو بورت توري توري من أبرز معالمها التي لا غنى عن زيارتها، إذ يضم واحدًا من أكبر أسواق السمك على ساحل بحر اليابان.
يضمّ قسم المبيعات الواسع تشكيلة غنية من المأكولات البحرية الطازجة التي تُورَّد مباشرة من ميناء مايزورو. وإلى جانب أطباق شهية مثل الساشيمي الطازج وأسياخ السمك المشوي، يتيح المطعم للزوار طلب الأرز وحساء الميسو، ثم اختيار ما يشاؤون من المأكولات البحرية المتنوعة لإعداد وجبة غداء مميزة تُلائم أذواقهم.
النص الأصلي باللغة اليابانية. التقرير والنص والصور بواسطة Nippon.com. صورة العنوان الرئيسي: مشهد لقلعة يوشيوارا كما تبدو من جسر مينازوكي (يسارًا)، إلى جانب متحف قلعة تانابي (© Nippon.com)
















