بفضل الرؤية الإبداعية المتميزة لكل من ميازاكي هاياو وتاكاهاتا إيساو، قدّم استوديو غيبلي مجموعة من روائع الأنيمي التي شكّلت محطات بارزة في تاريخه، وأسهمت في إحداث نقلة نوعية في صناعة الأنيمي اليابانية، كما تركت بصمة مؤثرة في مسار السينما العالمية.

رياح الصحراء

تم تأسيس استوديو غيبلي في يونيو/حزيران 1985، بعد النجاح الكبير الذي حققه فيلم ”ناوسيكا أميرة وادي الرياح“ للمخرج ميازاكي هاياو في شباك التذاكر، والذي أنتجه استوديو توبكرافت (Topcraft) في العام السابق. وقد دفع هذا النجاح دار النشر ”توكوما شوتين“، الناشرة لمجلة ”أنيميج“ (Animage) التي تم نشر مانغا ”ناوسيكا“ الأصلية فيها، إلى تمويل إنشاء الاستوديو.

وكان ميازاكي هاياو وتاكاهاتا إيساو، اللذان سبق لهما العمل في شركة ”توئي أنيميشن“ (Tōei Animation)، من أبرز الشخصيات التي أسهمت في تأسيس الشركة الجديدة لإنتاج أفلام الأنيمي الطويلة. ويعود اسم ”غيبلي“ إلى كلمة عربية تشير إلى رياح صحراوية حارة تهب من الصحراء الكبرى باتجاه شمال أفريقيا (القبلي)، وقد استُخدم الاسم أيضًا لطائرة استطلاع عسكرية إيطالية خلال الحرب العالمية الثانية. واختار ميازاكي، المعروف بشغفه بالطيران، هذا الاسم تعبيرًا عن طموحه إلى إحداث عاصفة من التغيير في صناعة الرسوم المتحركة اليابانية.

تم إنتاج فيلم ”ناوسيكا أميرة وادي الرياح“ قبل تأسيس استوديو غيبلي، لكن الشركة حصلت لاحقًا على حقوقه، وأصبح يُعدّ في كثير من الأحيان جزءًا من أعمال غيبلي. (© 1984 ميازاكي هاياو / استوديو غيبلي، H)
تم إنتاج فيلم ”ناوسيكا أميرة وادي الرياح“ قبل تأسيس استوديو غيبلي، لكن الشركة حصلت لاحقًا على حقوقه، وأصبح يُعدّ في كثير من الأحيان جزءًا من أعمال غيبلي. (© 1984 ميازاكي هاياو / استوديو غيبلي، H)

مغامرة محفوفة بالمخاطر

لقد كان فيلم ”قلعة في السماء“ (1986) أول عمل رسمي يصدر عن استوديو غيبلي. وكما في فيلم ”ناوسيكا“، تولّى ميازاكي إخراجه، فيما أشرف تاكاهاتا على إنتاجه. وفي أبريل/نيسان 1988، طرح الاستوديو فيلمين معًا، هما ”جاري توتورو“ من إخراج ميازاكي، و”قبر اليراعات“ من إخراج تاكاهاتا. وكانت تلك المرة الوحيدة في تاريخ غيبلي التي يُطرح فيها فيلمان طويلان بالتزامن، وهو ما فرض ضغوطًا هائلة على فريق الإنتاج، لا سيما أن أيًا من المخرجين لم يكن مستعدًا للتنازل عن مستوى الجودة الذي ينشده. وقد وصف الموقع الرسمي للاستوديو هذه التجربة بأنها ”مغامرة محفوفة بالمخاطر“.

ولم يحقق الفيلمان نجاحًا تجاريًا مدويًا، ويرجع ذلك جزئيًا إلى طرحهما خارج موسم العطلة الصيفية، الذي يشهد ذروة الإقبال على دور السينما. لكنهما حظيا بإشادة نقدية واسعة، وأسهم ذلك في ترسيخ مكانة استوديو غيبلي في عالم السينما اليابانية.

فيلم ”قلعة في السماء“ (© 1986 ميازاكي هاياو / استوديو غيبلي) إلى اليسار، وفيلم ”جاري توتورو“ (© 1988 ميازاكي هاياو / استوديو غيبلي)
فيلم ”قلعة في السماء“ (© 1986 ميازاكي هاياو / استوديو غيبلي) إلى اليسار، وفيلم ”جاري توتورو“ (© 1988 ميازاكي هاياو / استوديو غيبلي)

سلسلة من النجاحات في شباك التذاكر

جاء أول نجاح تجاري كبير للاستوديو مع فيلم ”خدمة توصيل كيكي“ (1989) من إخراج ميازاكي، الذي تصدّر قائمة الأفلام اليابانية الأعلى إيرادًا في ذلك العام. وفي تلك الفترة، ترك سوزوكي توشيو، الذي سبق أن شارك في أعمال الاستوديو أثناء توليه رئاسة تحرير مجلة ”أنيميج“، المجلة ليتفرغ للعمل منتجًا في غيبلي. وتوالت النجاحات في أوائل التسعينيات مع فيلمَي تاكاهاتا ”ذكريات الأمس“ (1991) و”بوم بوكو“ (1994)، وفيلم ميازاكي ”بوركو روسو“ (1992)، حتى أصبح حضور غيبلي ثابتًا في قوائم الإيرادات السنوية.

فيلم ”خدمة توصيل كيكي“ (© 1989 كادونو إيكو / ميازاكي هاياو / استوديو غيبلي، N) إلى اليسار، وفيلم ”بوركو روسو“ (© 1992 ميازاكي هاياو / استوديو غيبلي، NN)
فيلم ”خدمة توصيل كيكي“ (© 1989 كادونو إيكو / ميازاكي هاياو / استوديو غيبلي، N) إلى اليسار، وفيلم ”بوركو روسو“ (© 1992 ميازاكي هاياو / استوديو غيبلي، NN)

واعتبارًا من عام 1989، أجرى الاستوديو إصلاحات شاملة في أسلوب إدارته، ولا سيما فيما يتعلق بظروف عمل الموظفين واستقطاب رسامي الأنيمي الجدد وتدريبهم. فقد ساد في صناعة الأنيمي اليابانية نظام الأجر مقابل القطعة، بحيث يتم تحديد الأجر بحسب عدد الرسومات أو شرائح الرسوم الملوّنة المنجزة. ولذلك لم ينعكس نجاح فيلم ”خدمة توصيل كيكي“ على أجور العاملين آنذاك مهما بلغت إيراداته.

وخلال النقاشات بشأن مستقبل الاستوديو، اقترح ميازاكي تحويل العاملين إلى موظفين دائمين بدوام كامل، واعتماد نظام الرواتب الثابتة. واستهدفت السياسة الجديدة مضاعفة الأجور، مع التركيز على توظيف المواهب الجديدة وتدريبها بصورة منتظمة.

وفي عام 1992، انتقل الاستوديو من كيتشيجوجي في طوكيو إلى مبنى جديد في هيغاشي-كوغاني، حيث لا يزال مقره هناك حتى اليوم.

المبنى رقم 1 لاستوديو غيبلي في كوغاني بطوكيو. (© جيجي برس)
المبنى رقم 1 لاستوديو غيبلي في كوغاني بطوكيو. (© جيجي برس)

نجاح عالمي

بدأ ميازاكي العمل على فيلم ”الأميرة مونونوكي“ عام 1995، بميزانية إنتاج بلغت ملياري ين، أي ضعف ميزانية أفلام غيبلي السابقة. ورغم الشكوك الكبيرة التي أحاطت بالجدوى التجارية لهذا العمل ذي الطابع التاريخي، حقق الفيلم نجاحًا هائلًا عند عرضه في صيف 1997، بعد 16 عامًا من بلورة ميازاكي فكرته الأولى. وبلغ إجمالي إيراداته 20.2 مليار ين، متفوقًا بفارق كبير على الأفلام المحلية، بل ومتجاوزًا فيلم ”إي تي“ الشهير الصادر عام 1982، ليصبح الأعلى إيرادًا في تاريخ اليابان آنذاك.

أما فيلم ميازاكي التالي ”المخطوفة“ (2001)، فحقق نجاحًا أكبر. وأصبح أول فيلم رسوم متحركة طويل يفوز بجائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين السينمائي الدولي، كما كان أول فيلم غير ناطق بالإنجليزية يفوز بأوسكار أفضل فيلم أنيمي، والوحيد حتى فوز ميازاكي مجددًا بنفس الجائزة عن فيلم ”الصبي ومالك الحزين“ (2023). واحتفظ فيلم ”المخطوفة“ بلقب الفيلم الأعلى إيرادًا في تاريخ شباك التذاكر الياباني طوال 19 عامًا، حتى عام 2020.

فيلم ”الأميرة مونونوكي“ (© 1997 ميازاكي هاياو / استوديو غيبلي، ND) إلى اليسار، وفيلم ”المخطوفة“ (© 2001 ميازاكي هاياو / استوديو غيبلي، NDDTM)
فيلم ”الأميرة مونونوكي“ (© 1997 ميازاكي هاياو / استوديو غيبلي، ND) إلى اليسار، وفيلم ”المخطوفة“ (© 2001 ميازاكي هاياو / استوديو غيبلي، NDDTM)
فيلم ”قلعة هاول المتحركة“ (© 2004 ديانا وين جونز / ميازاكي هاياو / استوديو غيبلي، NDDMT) إلى اليسار، وفيلم ”بونيو“ (© 2008 ميازاكي هاياو / استوديو غيبلي، NDHDMT)
فيلم ”قلعة هاول المتحركة“ (© 2004 ديانا وين جونز / ميازاكي هاياو / استوديو غيبلي، NDDMT) إلى اليسار، وفيلم ”بونيو“ (© 2008 ميازاكي هاياو / استوديو غيبلي، NDHDMT

وأتبع ميازاكي ذلك بفيلم ”قلعة هاول المتحركة“ (2004)، الذي نال جائزة أوسيلا الذهبية للإسهام التقني المتميز في مهرجان البندقية السينمائي الدولي، ثم فيلم ”بونيو“ (2008). وفي وقت كانت فيه الرسوم ثلاثية الأبعاد تتحول إلى معيار سائد في الصناعة، لفت ”بونيو“ الأنظار بتمسكه بالرسوم المتحركة المرسومة يدويًا.

وظل استوديو غيبلي تابعًا لدار ”توكوما شوتين“ حتى عام 2005، حين أصبح شركة مستقلة. وفي عام 2023، أصبح شركة تابعة لتلفزيون نيبون.

وجوه جديدة

بحلول العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، أصبح إعداد جيل جديد من المخرجين لخلافة ميازاكي وتاكاهاتا التحدي الأكبر الذي يواجه الاستوديو. وفي مطلع العقد، أخرج يونيباياشي هيروماسا فيلم ”عالم آريتي السري“ (2010)، فيما تولّى ميازاكي غورو، نجل هاياو، إخراج فيلمه الطويل الثاني ”من أعلى تلة الخشخاش“ (2011)، بعدما خاض تجربته الإخراجية الأولى بفيلم ”حكايات من إيرثسي“ (2006).

وشكّل عام 2013 محطة مهمة للمخرجَين الكبيرَين في الاستوديو؛ إذ عُرض فيلم ميازاكي ”مهب الريح“ في شهر يوليو/تموز، ثم فيلم تاكاهاتا ”حكاية الأميرة كاغويا“ في شهر نوفمبر/تشرين الثاني. وكان تاكاهاتا قد ابتعد عن إخراج الأفلام مدة 14 عامًا منذ عمله السابق، وتوفي في عام 2018.

وفي السادس من سبتمبر/أيلول 2013، عقد ميازاكي مؤتمرًا صحفيًا أعلن فيه بصورة مفاجئة اعتزاله إخراج الأفلام الطويلة. وفي يوليو/تموز 2014، تم عرض فيلم يونيباياشي الطويل الثاني ”عندما كانت مارني هناك“، وفي الشهر التالي أعلن الاستوديو حل قسم الإنتاج وتعليق نشاطه مؤقتًا.

العودة إلى الإخراج

على الرغم من إعلانه الاعتزال، لم تخفت رغبة ميازاكي في صناعة الأفلام. فقد بدأ العمل على الفيلم القصير ”بورو اليرقة“، المخصص للعرض في متحف غيبلي بمدينة ميتاكا في طوكيو. وفي عام 2017، استعان الاستوديو بمواهب جديدة للعمل على فيلم طويل، فعاد قسم الإنتاج إلى نشاطه. وخلال العمل على فيلم ”بورو“، شعر ميازاكي برغبة في خوض تجربة فيلم طويل جديد.

وفي عام 2023، طرح استوديو غيبلي فيلم ”الصبي ومالك الحزين“، أول أفلام ميازاكي الطويلة منذ عشر سنوات. وحقق الفيلم نجاحًا عالميًا، ومنح ميازاكي جائزة الأوسكار الثانية له عن أفضل فيلم أنيمي. وفي عام 2024، أصبح الاستوديو أول شركة لإنتاج الأفلام تنال السعفة الذهبية الفخرية في مهرجان كان السينمائي.

ماهيتو ومالك الحزين الذي يحمل الفيلم اسمه في ”الصبي ومالك الحزين“. (© 2023 ميازاكي هاياو / استوديو غيبلي)
ماهيتو ومالك الحزين الذي يحمل الفيلم اسمه في ”الصبي ومالك الحزين“. (© 2023 ميازاكي هاياو / استوديو غيبلي)

وخلال السنوات القليلة الماضية، وسّع غيبلي جمهوره العالمي بفضل منصات البث عبر الإنترنت. لكن مع بلوغ ميازاكي سن الخامسة والثمانين، لم يظهر بعد خليفة يتمتع بعبقرية إبداعية تضاهي عبقريته. ويترقب عشاق الأنيمي بشغف الفصل المقبل من حكاية غيبلي.

أبرز المحطات في تاريخ استوديو غيبلي

مارس/آذار 1984: عرض فيلم ”ناوسيكا أميرة وادي الرياح“ قبل تأسيس استوديو غيبلي، وإن كان يُعد اليوم في كثير من الأحيان جزءًا من أعماله

يونيو/حزيران 1985: تأسيس استوديو غيبلي

أغسطس/آب 1986: عرض فيلم ”قلعة في السماء“، أول فيلم طويل رسمي للاستوديو

أبريل/نيسان 1988: عرض فيلمَي ”جاري توتورو“ و”قبر اليراعات“ معًا

يوليو/تموز 1989: عرض فيلم ”خدمة توصيل كيكي“، الذي أصبح أعلى الأفلام اليابانية إيرادًا في ذلك العام

يوليو/تموز 1996: اتفاقية توزيع مع والت ديزني توسّع انتشار غيبلي عالميًا

يوليو/تموز 1997: عرض فيلم ”الأميرة مونونوكي“، الذي أصبح لاحقًا أعلى الأفلام إيرادًا في تاريخ اليابان

يوليو/تموز 2001: عرض فيلم ”المخطوفة“، الذي تصدّر إيرادات السينما اليابانية حتى عام 2020. وفاز بالدب الذهبي في برلين عام 2002، وبأوسكار أفضل فيلم رسوم متحركة عام 2003

أكتوبر/تشرين الأول 2001: افتتاح متحف غيبلي في ميتاكا غربي طوكيو

نوفمبر/تشرين الثاني 2004: عرض فيلم ”قلعة هاول المتحركة“، الذي كان قد نال جائزة أوسيلا الذهبية في البندقية عن الإسهام التقني المتميز

سبتمبر/أيلول 2013: إعلان ميازاكي هاياو اعتزاله صناعة الأفلام الطويلة بعد عرض ”مهب الريح“ في يوليو/تموز

مايو/أيار 2017: تراجع ميازاكي رسميًا عن قرار اعتزاله

نوفمبر/تشرين الثاني 2022: افتتاح متنزه غيبلي في محافظة آيتشي

يوليو/تموز 2023: عرض فيلم ”الصبي ومالك الحزين“، الذي فاز بأوسكار أفضل فيلم رسوم متحركة عام 2024

مايو/أيار 2024: حصول استوديو غيبلي على السعفة الذهبية الفخرية في مهرجان كان السينمائي

(النص الأصلي باللغة اليابانية، الترجمة من الإنكليزية)