الرعاية الطبية والتمريضية: الانفتاح على القطاع الخاص
يمثل النمو السريع في عدد كبار السن مشكلة كبيرة على المالية العامة، الأمر الذي يستوجب استيفاء ضرائب واشتراكات ضمان اجتماعي أعلى. ولكن بالنسبة للقطاع الخاص، فإن نمو ’’السوق الفضية‘‘ من كبار السن الذين يملكون أموالا احتياطية، يشكل فرص أعمال كبرى. أكثر ما يحتاجه المعمرون هو الحصول على خدمات مثل رعاية صحية وتمريضية عالية الجودة ولكن في الوقت الحالي فإن هذين المجالين تتحكم بهما الحكومة من ناحية الأسعار ودخول الشركات، وفي الحقيقة إنهما يخضعان لنظام اشتراكي. وإذا أمكن تحويلهما إلى صناعات سوق تخضع لبنود حكومية بشأن شبكة السلامة الاجتماعية فمن الممكن تحقيق زيادة معتبرة في الطلب والتوظيف.
ولتحقيق هذه الغاية يجب تحرير الأسعار في البداية. فبموجب خطط التأمين من أجل الرعاية الطبية والتمريضية، من الطبيعي فقط تحديد مستويات من الأسعار للخدمات تتوافق مع الأقساط. ولكن مستويات الأسعار المحددة استنادا إلى خطط التأمين العام، أصبحت الأسعار الرسمية للخدمات المتعلقة وأدى هذا الأمر إلى عدم توافق بين العرض والطلب في العديد من الأماكن. أيضا، ونظرا لخفض الأسعار للتحكم بالتكلفة فإن خدمات العرض لم تزداد والنتيجة هي قائمة انتظار طويلة. فعلى سبيل المثال، بموجب نظام التأمين الحكومي للرعاية الطويلة الأجل، يمكن للمستخدمين أن يختاروا الدفع من جيوبهم الخاصة للحصول على الخدمات بوتيرة أكبر من التي يؤمنها النظام الحكومي، ولكنه من غير المسموح لمقدمي الخدمات أن يتقاضوا رسوما أعلى من تلك التي حددها النظام لأن ذلك لن يكون عدلا. ونتيجة لذلك فإن مقدمي خدمات القطاع الخاص لا يواكبون الأساليب الأصلية، كما أن النقص في التمويل العام يؤدي إلى انخفاض الجودة وإلى نقص في موظفي الرعاية.
وهناك مشكلة أخرى تتمثل في حظر دخول شركات الأعمال العادية إلى تلك المجالات وهذا الأمر يعيق المنافسة بين مقدمي الخدمات في تلبية احتياجات العملاء. وتسمح القواعد الحالية للشركات غير الربحية فقط بأن تعمل في تلك المجالات. أعتقد أن المستخدمين سيستفيدون من خلق سوق تنافسية لمقدمي الخدمات من جميع الأنواع تخضع لقواعد الحكومة الموضوعة لضمان خدمة المصلحة العامة بشكل مناسب.
يقع على عاتق الحكومة ضمان وجود مصدر مناسب للخدمات العامة لتلبية الطلبات الأساسية مثل تعزيز توفير الرعاية الطبية الطارئة. ولكن إذا تم تزويد هذه المؤسسة بمستوى إضافي من الخدمات المقدمة بمبادرة من القطاع الخاص في سوق مفتوحة لتحرير المنافسة، فإنه من المرجح أن نشهد ارتفاعا في سوق واعدة للمسنين.
إصلاحات جريئة في المناطق الاستراتيجية الخاصة
لا بد أن ينتج عن التحركات لإلغاء القيود، التي تهدف إلى تحقيق إنتعاش اقتصادي، احتكاك مع أولئك الذين يسعون لحماية مصالحهم الشخصية. ولكن مع وجود ’’المناطق الاستراتيجية الوطنية الخاصة‘‘ والتي تشكل عنصر رئيسيا من استراتيجة آبيه للنمو الاقتصادي ’’آبينوميكس‘‘، فإن الإدارة تسعى إلى العمل بالتنسيق مع رؤساء تنفيذيين لمدن كبرى مثل طوكيو وأوساكا وناغويا لتحويلها إلى أكثر مدن العالم ملائمة للأعمال من خلال توليفة من إصلاحات تنظيمية جريئة وحوافز مالية.
يتمثل أحد الشروط الضرورية لتحقيق هذا الهدف بزيادة عائدات الاستثمار عن طريق خفض معدل ضرائب الشركات. فنظام ضرائب الشركات الحالي في اليابان يحتوي على العدد من البنود الخاصة بتخفيض الضرائب لتحقيق مصالح صناعات خاصة وقد أدت إلى تآكل الأساس الضريبي. وإذا تمت إزالة هذه التخفيضات وغيرها من الإعفاءات الضريبية فسيكون من الممكن تخفيض معدل الضرائب بدون إنقاص مقدار العوائد المجموعة. وإذا قام رؤساء الحكومات المحلية بمبادرة لإلغاء ضرائب الشركات المحلية في المناطق الاستراتجية الخاصة فإن الأعباء على الشركات ستصبح أقل بكثير.
أما الشرط الثاني فهو القيام بمجموعة من الإجراءات لمواكبة الزيادة القصوى في عدد طوابق الأبنية، مثل تقديم تعويضات مناسبة للسكان المحليين والدعم لأولئك الذين يقومون بإعادة بناء بيوتهم لتصبح مبانٍ بارتفاع متوسط. وستلعب البلديات دورا رئيسيا في هذا الصدد. ولتعزيز الاستثمار من الخارج، سيكون من المهم أيضا بناء مستشفيات متقدمة تستطيع تقديم خدمات بلغات أجنبية. ويجب أن تشجع اليابان أيضا على إنشاء مدارس دولية متعددة الأنواع عبر تقديم إعفاءات ضريبية مثل تلك المقدمة للمدارس الخاصة النظامية.
ثالثا، نحن بحاجة إلى القيام بخطوات إضافية بشأن العمال الأجانب. فحتى لو حافظت الحكومة على سياستها التقليدية في استقدام عمال مهرة فقط من الخارج، يجب عليها أيضا أن تعتمد سياسة أوسع وذلك باتباع تفسير أقل تعسفا في مجال العمالة الماهرة. وبطبيعة الحال يجب السماح بدخول مهنيين مثل الأطباء والممرضين والمحاميين حاصلين على شهادات من دول متقدمة أخرى، ويجب إعطاء تأشيرة عمل بشكل أساسي للمتدربين الأجانب الموهوبين في نهاية فترات تدريبهم وللطلاب الأجانب الذين يتخرجون بعلامات جيدة من جامعات يابانية.
يتمثل أحد البنود الرئيسية لسياسة اليابان الاقتصادية في إيجاد تنمية متوازنة مناطقيا. ففي الماضي عندما كانت البلاد تشهد نموا اقتصاديا سريعا، كان من المفترض على الحكومة أن تحقق عائدات كبيرة وكانت السياسية تعطي أولوية لإنشاء بنى تحتية في المناطق التي كانت تشهد تنمية بطيئة وأن تقدم حوافز لاستثمار القطاع الخاص. ولكن تلك الإجراءات نجحت في تعزيز التنمية المناطقية في حالات نادرة فقط. وللخروج من الركود الحالي الذي استمر لفترة طويلة، نحن بحاجة إلى استراتيجية نمو اقتصادي تجذب استثمارات القطاع الخاص المحلي والدولي بشكل رئيسي للمدن الكبرى التي يمكن أن يتم استخدام التمويلات فيها بشكل أكثر إنتاجية. وبهذا الصدد، تعتبر خطة المناطق الاستراتيجية الخاصة في غاية الأهمية.
أهمية مجلس السياسة الاقتصادية والمالية
من المهم لتعزيز الإصلاحات التنظيمية التي ستكون مفتاح استراتيجية نمو اقتصادي ناجحة القيام بما يلي: (١) إجراء مناقشات مستفيضة بين أعضاء مجلس الوزراء الكبار فيما يتعلق بالحاجة للإصلاحات، (٢) عرض البيانات التي تستخدم كأساس لهذه المناقشات بشكل كامل، (٣) جعل رئيس الوزراء يبرهن على التزامه بالإصلاحات. وسيكون العضو المسؤول عن ذلك مجلس السياسة الاقتصادية والمالية. يترأس المجلس رئيس الوزراء ويشمل في عضويته وزير شؤون مجلس الوزراء وأربعة وزراء كبار مسؤولين عن السياسة الاقتصادية والمالية (بينما يشارك أعضاء مجلس الوزراء الآخرون على أساس مخصص لمناقشة قضايا خاصة)، وأربعة ممثلين عن القطاع الخاص يعينهم رئيس الوزراء بالإضافة إلى محافظ بنك اليابان المركزي.
وعندما يقوم مجلس السياسة الاقتصادية والمالية بتداول الإصلاحات التنظيمية، فالخطوة الأولى هي أن يقوم ممثلو القطاع الخاص بتقديم ورقة أو ورقتين بشأن الحاجة لكل من الإصلاحات المقترحة (تعكس هذه الأوراق نتائج المناقشات المستفيضة في مجلس الإصلاحات التنظيمية، وهو هيئة مؤلفة من عشرة أشخاص كلهم من ممثلي القطاع الخاص). ويمكن للوزير المسؤول أن يقدم نقضا للمقترحات، ويقوم أعضاء المجلس بدراستها ومناقشة المقترحات على مدى عدة اجتماعات. وفي نهاية هذه العملية يعلن رئيس الوزراء قراره، وإذا تمت الموافقة على المقترحات فإن هذا القرار تتبناه الحكومة رسميا في اجتماع لاحق لمجلس الوزراء.
بالإضافة إلى مجلس الإصلاحات التنظيمية، أسست إدارة آبيه الحاليه مجلس التنافسية الصناعية ويتألف من سبعة وزراء وعشرة مملثين عن القطاع الخاص. وسيكون هذا المجلس بمثابة منتدى لمناقشة الإصلاحات التنظيمية، ولكن من المرجح أن يكون بمثابة مصدر يقدم لرئيس الوزراء مواد يقوم بمراجعتها عند اتخاذ قراره المتعلق بمجلس السياسة الاقتصادية والمالية.
أصبحت الإصلاحات التنظيمية خلال إدارة رئيس الوزراء كويزومي جونئيتشيرو (٢٠٠١-٢٠٠٦) قضية سياسية كبرى فيما يتعلق بتخصيص الخدمات البريدية. ولكن من المرجح أن تكون الإصلاحات هذه المرة مرتبطة بشكل وثيق مع الاقتصاد الكلي. ونظرا لأن الدين الوطني كبير وهو لا يزال آخذا في الزيادة، فالحكومة بحاجة إلى مواكبة استراتيجية النمو الاقتصادي التي لن تعتمد على النفقات المالية. من الضروري أن يتم إجراء هذه الإصلاحات على فترات محددة وذلك للمحافظة على ثقة المستثمرين المحليين والدوليين الذين يدعمون سوق السندات الحكومية اليابانية. وتتميز الإصلاحات التنظيمية التي تشكل الركيزة الرئيسية لاستراتيجية النمو الاقتصادي لرئيس الوزراء الياباني شينزو آبيه ’’أبينومكس‘‘ بأنها ستكون مدفوعة بانضباط السوق.
(المقالة الأصلية باللغة اليابانية، الترجمة من الإنكليزية)
