إطلاق أسماك السلمون في نهر سوميدا

يعيش نحو 3.3 مليون شخص على طول نهر سوميدا، وهو نهر يتخلل المناطق الحضرية على نحو لا مثيل له، ويقطع من الشمال إلى الجنوب عبر منطقة وسط طوكيو الشرقية. وترتبط ذكرياتي بالنهر بشكل لا ينفصم عن الألعاب النارية الصيفية المذهلة. حيث كان الذهاب إلى مهرجان نهر سوميدا للألعاب النارية يمثل الحدث الصيفي السنوي لعائلتي الذي لا يمكن تفويته. وقتها كان يُطلق عليه (Ryōgoku no Kawabiraki) - ”افتتاح النهر في ريوغوكو“، وهي منطقة على الضفة الشرقية للنهر.

يعود تاريخ مهرجان الألعاب النارية إلى فترة عصر إيدو (1603-1868)، عندما كان نهر سوميدا يمتلئ بالقوارب الترفيهية وأكشاكه على طول ضفافه التي كانت تبيع الأطعمة والمشروبات، كان حقا مكان مبهجا لشعب طوكيو، وهناك العديد من المطبوعات الخشبية التي تعبر عن تلك المشاهد من عصر إيدو. وكان نهر سوميدا أيضا يمثل وسيلة هامة لنقل البضائع والإمدادات إلى المدينة حيث كان بمثابة مركز محوري لاقتصاد إيدو وشريان حياته.

وفي الوقت نفسه تقريبا، كانت الأنهار التي تجري وسط المدن في أوروبا لا يمكن الاقتراب منها، حيث الأحواض الكريهة لمصارف مياه المجاري. وكانت رائحة نهر التايمز في لندن كريهة للغاية في صيف عام 1858، وهو العام الذي أطلق عليه ”النتن العظيم“، لدرجة أن مجلس العموم ودار القضاء اللذان كانا يقعا على ضفاف النهر اضطروا إلى إغلاق النهر مؤقتاً.

وفي بداية القرن الثامن عشر، كانت إيدو مدينة مزدهرة تضم أكثر من مليون شخص، وتحتل إلى جانب باريس ولندن مكانة مرموقة باعتبارها واحدة من المدن الكبرى في العالم. وقد انبهر المسافرون الأجانب الذين جاءوا إلى إيدو عند رؤيتهم للأطفال وهم يلهون ويسبحون مع الأسماك في نهر سوميدا. حيث كان النهر نظيفا لأن النفايات البشرية كان يتم جمعها لاستخدامها كسماد بدلا من تصريفها ببساطة في النهر.

وانتهى هذا التعامل مع النفايات مع دخول اليابان العصر الحديث، إلا أن نظافة نهر سوميدا تلاشت هي الأخرى. وفي النصف الثاني من القرن العشرين، انقضت الأيام التي كان يعتبر فيها النهر طريق نقل رئيسي، واستُعيض عن ذلك بالنقل البري الذي كان يسير على طول شبكة من الطرق التي عُبدت في السنوات التي أعقبت النمو الاقتصادي السريع في اليابان بعد الحرب. وفي الوقت نفسه، تسببت مياه المجاري والنفايات السائلة التي تصب في النهر في انخفاض سريع في جودة مياهه. وقد أدى بناء السدود العالية للحماية من الفيضانات إلى جعل النهر بعيدا عن المجتمعات التي كان يخدمها من قبل، وعندما فقد الناس اتصالهم ببيئة النهر، أصبح نهر سوميدا عبارة عن مياه ملوثة.

كان النهر المهجور مقفرا. وبحلول الخمسينات، كان النهر ينبعث منه غازات ضارة ولم تكن هناك أسماك أو محار في مياهه. وفي نهاية المطاف، أدى الضغط الذي كان يمارسه السكان الذين يعيشون على طول النهر إلى إنشاء لجنة للحريات المدنية للتحقيق في المخاطر الصحية الناجمة عن مياهه الملوثة. حيث انتشرت الرائحة العفنة بين الحشود الذين كانوا يتجمعوا لمشاهدة الألعاب النارية السنوية. وكانوا مضطرين لسد أنوفهم وهم يشاهدون العروض الرائعة. وبحلول عام 1961، كانت الرائحة سيئة للغاية الأمر الذي أدى إلى إلغاء الألعاب النارية.

ولقد استمر مهرجان الألعاب النارية لأكثر من قرنين من الزمان، مع توقف قصير فقط خلال سنوات الحرب، وتعرض السكان المحليون للضرر جراء هذا التوقف. إلا أن هذا الإلغاء أصبح أيضا بمثابة حافزاً لهم جنبا إلى جنب مع المنظمات المجاورة والشركات للبدء في القيام بعمل ما لتنظيف النهر. حيث تم هدم أجزاء من السدود العالية التي كانت تفصل الناس عن مياه النهر وأعيدت ضفاف الأنهار تدريجياً إلى حالتها الأصلية. وبحلول عام 1988، كان هناك نظام للصرف الصحي في 90٪ من طوكيو، ليصل إلى 100٪ بعد ست سنوات. وفي الوقت نفسه، وُضعت لوائح أشد صرامة بشأن النفايات السائلة الصناعية.

وبحلول مطلع القرن الحالي، تحسنت جودة مياه نهر سوميدا بشكل ملحوظ. حيث انخفض مستوى الطلب الأوكسجيني البيوكيميائي (BOD) للنهر بنسبة ضئيلة عما كان عليه في عام 1970، وعلى مدى العقود الثلاثة حتى عام 2000، اجتازات مستويات الطلب الأوكسجيني البيوكيميائي لنهر سوميدا الإجراءات المعيارية التي تضعها الحكومة لقياس الجودة البيئية. صحيح أن عدد الكائنات لا يزال قليلا نوعا ما، إلا أن هناك بعض الأسماك والطيور المائية بدأت بالفعل العودة إلى النهر، وبدأت محطات المياه في الانتشار مرة أخرى على طول ضفافه، وحاليا أصبحت الجسور المقامة على نهر سوميدا تضاء ليلا مما جعلها مناطق جذب سياحية.

جودة مياه نهر سوميدا مستمرة في التحسن منذ عام 2000 (الحقوق لشركة بيكستا)

ولإثبات أن أنهار طوكيو أصبحت قابلة للحياة مرة أخرى، قامت الجماعات المحلية وأطفال المدارس الابتدائية بصورة دورية بإطلاق أسماك السلمون في نهر نيهونباشي، وهو أحد روافد نهر سوميدا منذ عام 2012. واعتقد أنه لن يمضي وقتا طويلا قبل أن يتمكن السكان المحليون من التفاخر بأن سمك السلمون قد عاد لنهر سوميدا مجددا كما كان عليه في السابق.

وليس من السهل العثور على أي دولة أخرى خضعت لتحول جذري في بيئتها على مدى العقود القليلة الماضية. وقد تحول تدهور البيئة العالمية من المناطق المتقدمة النمو إلى المناطق النامية. وبينما تتصدى بلدان آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا للمشاكل البيئية، فإنها ستنظر بصورة أكبر لليابان باعتبارها نموذجا يحتذى به.

وسوف اعرض في هذه السلسلة من التحقيقات خارطة الطريق للعقبات التي تعرضت لها اليابان في مواجهتها للمشاكل البيئية في العصر الحديث. وسأبدأ أولا بالقصة الدرامية لعودة الطيورالبرية التي كانت على وشك الانقراض

 (النص الأصلي نُشر باللغة اليابانية. الترجمة من الإنكليزية. صورة الموضوع: طيور الكركي الأحمر اليابانية تحلق عاليا في سماء هوكايدو.  تطورت نظرة إيشي هيرويوكي المتعمقة للقضايا البيئية عندما كان يراقب الطيور التي أسرت انتباهه منذ أن كان طفلا. (الحقوق لـ وادا ماساهيرو)