دور الرعاية المسائية

يتم البدء حالياً في محاولة للتخفيف ولو بشكل ضئيل من المشكلة المجتمعية السائدة بإلقاء اللوم والمسئولية كاملة على عاتق الآباء، حيث يقوم الأخصائيون الإجتماعيون في المدارس والمتطوعون من الأهالي في المنطقة بتوفير ”أماكن للرعاية المسائية“ لهؤلاء الأطفال. و”أماكن الرعاية المسائية“ مصطلح عام يطلق على الأماكن التي تقام بها الأنشطة المختلفة التي تمكن الأطفال من قضاء الوقت في بيئة تبعث الأمن والسكينة والطمأنينة، سواء بعد انتهاء اليوم الدراسي وانتهاء وقت أنشطة نوادي الأطفال المختلفة أو في فترات الأجازات المختلفة.

وتشترك جميع هذه الأماكن بكونها مكان يتواجد فيه الأطفال مع أشخاص بالغين ليستطيعوا مشاركتهم في عدد من الأنشطة اليومية كتناول الغذاء، اللعب، الشجار، تعلم الصواب والخطأ، وكذلك المعاناة ومشاركة الهموم. وبالأخص تتميز هذه الأماكن بوضع قيمة وأهمية لعملية تحضير وإعداد الطعام بالاشتراك مع أشخاص آخرين وتناول الغذاء في صحبة.

تجد الأطفال في أماكن الرعاية المسائية يتجمعون بعد انتهاء اليوم الدراسي في المدرسة ويلقون بالتحية عند الدخول ويستقبلهم العاملون في المكان ويردون التحية عليهم ”مرحباً بعودتك!“. ومن ثم تجد مِن الأطفال مَن يبدأ باللعب واللهو مع العاملين، ومَن يجلس بجانب أحد المتطوعين ويفتح كراس الواجبات ليسأله في النقاط التي لا يفهمها. وآخر يجلس وحده في هدؤء ويقرأ كتابا. أي يقضي كل واحد منهم وقته وهو يفعل ما يرغب فيه. وأحيانا أيضا تقوم مشاجرات بين الأطفال ولكن هذه المشاجرات كذلك تكون تحت أعين عدد من البالغين. فإذا تأذى أحدهم يكون هناك من يؤنب ويوبخ المخطئ وكذلك يوجد هناك من يعلم ويفكر معهم في طرق الإعتذار المناسبة.

وعندما يحين وقت تحضير العشاء، يقوم كل من الأطفال والمشرفين بتحضير الطعام معا. ليتناولوا جميعا الغذاء مجتمعين بعد إلقاء تحية تناول الطعام. فالعشاء الذي كان دائما ما يتناوله الطفل وحيدا في منزله، يتناوله في هذا اليوم في جو حيوي وسط اللمة وبتبادل الجميع الأحاديث الشيقة مع الصحبة. ووسط هذه الأجواء تجد من الأطفال مَن يبدأ في الحديث عن نفسه دون أن يشعر.

بمعنى آخر، في هذه الأماكن أمور مثل ”قضاء أوقات من السكينة وراحة البال“، ”تناول العشاء وسط اللمة وليس وحيدا“، ”وجود من يساعد في الواجبات المدرسية“ وغيرها، تصبح أمورا مألوفة وطبيعية. ومثل تلك الأجواء التي توفرها هذه الأماكن هي ما تحث هؤلاء الأطفال على إخراج الطاقات التي يملكونها. كما أن تعرفهم على معانات من معهم من رفقاء ورؤية المشرفين يقدمون العون لهم، هو ما يزرع في نفسيتهم القوة التي تجعلهم يدركون بعد ذلك أنه ليس هناك سوءا في طلب العون عند الحاجة. وبذلك يستعيد هؤلاء الأطفال فرصتهم في النمو والتطور. وكذلك الآباء في نفس الوقت وهم يتابعون ويراقبون نمو الأطفال مع المشرفين يبنون بذلك علاقات وصداقات جديدة.

بناء نظام لتوصيل الدعم والعون المباشر للأطفال

إن التفكير في مشكلة فقر الأطفال يعتبر كذلك تفكيرا في فقر البالغين. ففي جميع الأمثلة التي تعرفنا عليها في الأعلى، قد تراكم وامتزج بها فقر الآباء مع الأوضاع غير المواتية من قبل المجتمع، وكنتيجة لعدم تحسين وتعديل هذا الوضع، سيكون للأسف تقرار نمو هذا الفقر في الجيل التالي واقعا مؤلمًا. وحتى يتم قلع جذور الفقر كي لا تنمو من جديد، تأتي أهمية الأماكن والأنظمة التي تستطيع تقديم الدعم والعون المباشر للأطفال جنبا إلي جنب مع تقديم الدعم المالي للآباء.

نذكر بالتحديد؛ تحقيق مجانية تكاليف الوجبات الغذائية ومصاريف الأنشطة الخارجية، نظام يوفر المساعدة للأطفال الذين في حاجة لمن يرافقهم من وإلى المدرسة، خلق نظام للمنح الدراسية في شكل مصروف مالي. ويجب ألا نغفل تقديم الدعم الخاص بالمعيشة أو استكمال الدراسة للأطفال الذين تربوا داخل مراكز الرعاية الإجتماعية أو مؤسسات الرعاية، وكذلك تقديم الدعم التعليمي للأطفال الذين لم يستكملوا إلا المرحلة الإعدادية الإلزامية أو تركوا المدرسة الثانوية في حالة رغبتهم في مواصلة الدراسة مجددا، فضلا عن مجانية الرعاية الطبية.

فإنه ومن خلال تقديم فرص لإكتساب القدرات المختلفة بشكل مباشر للأطفال الذين يعيشون بيننا الآن، نستطيع الحيلولة دون إعادة نمو الفقر في الأجيال القادمة.

ما نريد إيصاله للمجتمع من خلال ”كافيتريا الأطفال“

في عام ٢٠١٣، أعتمد قانون يتعلق بالدفع باستراتيجيات مواجهة فقر الأطفال، ومن ثم بدأت إدارة مشروعات الأماكن المختلفة التي تواجه فقر الأطفال في الانتشار على مستوى البلد ككل. وبالإضافة إلى تدابير الدولة وبشكل منفصل، انتشرت كذلك ”كافيتريا الأطفال“ في الأقاليم كنوع من الفاعليات التي تستطيع الأهالي والمتطوعين ذوي النية الحَسَنَة تقديمها بمجهوداتهم الذاتية.

وتتعدد نوعية القائمين على إدارة هذه الأماكن، فمنهم أصحاب المطاعم ومحلات الأطعمة المختلفة وكهنة المعابد إلى جانب مجموعات من المتطوعين من الأهالي، كما تختلف أهداف كل منهم، ومنها مواجهة مشكلة الفقر أو التعليم الغذائي أو من أجل التواصل والإندماج مع أهالي المنطقة. ولكن يشترك الكثير من هذه المجموعات في هدف واحد وهو خلق مكان يستطيع الأطفال أن يأتوا حتى ولو بمفردهم وتناول الغذاء فيه وسط صحبة.

وتكمن الأهمية الكبرى لخلق هذه الأماكن في كونها بداية التحرك المباشر، يمكن القول إنه تصدي من الأبواب الأمامية، للأخطار التي تحيط بالأطفال الذين يعيشون في اليابان وذلك من خلال تجمع ليس فقط داعمي الأطفال ولكن عدد متنوع من الأشخاص البالغين من أصحاب الأعمال والوظائف المختلفة وكذلك من فئات عمرية وجنسيات مختلفة.

كما أنه من خلال إدارة ”كافيتريا الأطفال“ أو هذه الصالات لتقديم الطعام للأطفال، بدأت أيادي العون تتكاتف معا حيث أصبح الكثير من الأشخاص على نطاق واسع، وليس فقط الأسر التي تعاني من مشاكل إقتصادية، يدركون الخطر الذي يحيط بحياة الأطفال فيما يتعلق بتناول الغذاء.

وقد بدأ اهتمام المجتمع تدريجيا يتجه نحو اتخاذ إجراءات وفاعليات ضد الفقر، ويمكننا رؤية ذلك مثلا في تناول الجرائد والصحف الكبرى موضوع ”كافيتريا الأطفال“ على صفحاتها الأولى. ومن الآن فصاعدا، ومن أجل توفير فرص يمكن من خلالها مناقشة المشاكل التي يتعرض لها هؤلاء الأطفال وسط عدد أكبر من أفراد المجتمع، علينا إخراج قضية فقر الأطفال من الظلمة إلى النور وجعلها قضية رأي عام مشترك. وقد قام القائمون على أماكن الرعاية المسائية، بما فيهم الكاتب، بالتحرك في هذا الإتجاه بالفعل عن طريق إنتاج أغاني بالاشتراك مع فنانين تدور موضوعاتها عن أماكن الرعاية المسائية مثل أغنية ”يوكوكو (المساء)“ و”تادايما (لقد عدت!) “، وذلك في محاولة لخلق فرص جديدة لنشر بالصوت والصورة فكرة هذه الأماكن على نطاق أوسع.

(المقال الأصلي باللغة اليابانية بتاريخ ٢٦ سبتمبر/ أيلول ٢٠١٦. صورة العنوان: تجمع واسع من الأعمار المختلفة حول مائدة طعام واحدة في ”كافيتريا الأطفال“، ٢١ يوليو/ تموز عام ٢٠١٦، مدينة كانازاوا. الصورة من جريدة يوميؤري/ أفورو.)