أوضاع المجتمع الياباني وقضايا الاحتيال
ما لم يتم عمل المكالمات اليومية، يسهل توقع عدم الثقة في ذاكرة الصوت الصادر. وهنا يجب التركيز على الدور الذي يلعبه التأثير الثقافي لليابان أيضًا. فهناك من الأقوال اليابانية ”التخاطر وتلاقي الأفكار“ و”الرجل قليل الكلام أفضل“ وغيرها من الأقوال، وقلما نجد من الرجال اليابانيين من يقوم بإجراء مكالمات هاتفية للعائلة للتحدث دون غاية أو هدف، كما يضع الآباء في اعتبارهم أن ”عدم سماع أخبار عن الابن دليل على حُسن سير حياته“. ففي المجتمع الياباني المعاصر وحيث الاستقلالية والعيش بعيدًا عن الأسرة، نجد أن من يقوم من الرجال بإجراء مكالمات هاتفية مع أسرهم قلة قليلة. لهذا إذا اعتقد أحدهم أن هذا الصوت يشبه صوت الابن ولو بقليل، لا يتبادر إلى ذهنه أمر الاحتيال. كما أنه في طرق الاحتيال الحديثة، كثيرًا ما يقوم الجاني بجمع معلومات شخصية عن اسم عائلة الضحية، وطبيعة عملها بصورة مسبقة والتحدث بُناءً على ذلك. وترجع قلة حوادث الاحتيال الهاتفي باسم الابنة اليوم إلى مثل هذه الأسباب أيضًا.
ما لم يتم الالتفات إلى مكالمات الاحتيال حتى يقوم الجاني المتحدث باسم الابن بشرح أبعاد ضرورة تحويل المال الآن نظرًا إلى الوضع الطارئ ومعظمها كالتالي:
”أريد اقتراض مبلغٍ اليوم فقط لأنني نسيت حقيبتي في القطار وبها دفتر الشيكات ولن أستطيع إتمام الصفقة“
”تعرضت لحادث مروري وأصبت أحدهم بجروح“
”لابد من تسديد مبلغ من المال بالنيابة عن صديقي باعتباري الضامن له“
”قمت باختلاس مال الشركة“
وبأخذ الأسباب المذكورة أعلاه هذه في الاعتبار نجد أن هناك أوضاع يتم فيها طلب مبالغ طائلة في صورة عاجلة. كما أنه ما إن تعسّر أحدهم في جمع المال حتى يقوم الجاني ببثّ مشاعر الخوف بأنه قد يتم القبض عليه، أو يُطرد من العمل، أو التسبب بالمشاكل للآخرين وغير ذلك. فيقوم الضحية الواثق فيما قيل بالتعاطف مع الأوضاع غير المتوقعة للابن المسكين من منطلق ”مشاعر الأبوّة“، ثم الشروع في تدبير الأموال وتحويلها أو تسليمها باليد في صورة عاجلة. فالحالات النفسية للآباء في هذه الأحيان تتمحور بصورة كاملة حول إنقاذ الابن تحت أي ظرف، حتى وإن انتابه ولو بقليل من الشك في حديث الهاتف، ما يلبث أن يُمحى من الذاكرة بالفعل أثناء سماعه لحوار الطرف الآخر بالهاتف.
وفي هذه الأحيان أيضًا نجد هناك تأثير نفسي لجانبين من جوانب الثقافة اليابانية السلبية. الأول ”مبدأ الترابط الأسري“، حيث يعتقد الآباء أنهم يتحملون جزء من مسؤولية فضيحة ابنهم، فلا يمكنهم التهرب من تلك المطالب. فيقوم الآباء بالتعامل مع هذه الأوضاع بكل صدق كي يتهربون من استنكار عدم تحملهم المسؤولية، أو أنهم آباء ذوي مشاعر متبلدة وسط المجتمع.
أما الجانب الآخر فهو المدى الثقافي لاعتبارات أوضاع التخاذل من منظور ”التغاضي والتستر“. فيقوم بتوفير حبكة الواقعية لقصة هذه القضايا. فإذا تم التفكير من نظرية المسؤوليات الفردية، نجد أن حد وقوع الحوادث والفضائح يقتصر على الأبناء وليس الآباء، وأنه لمن الطبيعي أن يقوم الابن برد الأموال أو تلقي العقاب. فالآباء في اليابان يتفهمون مثل هذه الأمور بصورة كافية.
ولكن في اليابان إذا تمت الإشارة إلى مشاعر الندم العميقة، نجد أن هناك نزعات إلى التفكير في تخفيف عقاب هذا الشخص، أو العفو عنه احترامًا لهذه المشاعر. خلاصة القول فإن الضحايا في الأصل يقومون بالشعور بالواقع تحت إمكانية ”إذا كان هناك وجودًا للإنسانية فنود في تسوية الأمور خارج أسوار المحكمة“ حتى لو كان الوضع في الأصل فيه احتمالية تدخل الشرطة أو الطرد من العمل.
كما أن طرق الاحتيال في تطور مستمر. فاستنباط الجاني لتدبير الضحية للمبلغ بنيّة تسليمه مباشرةً باليد للابن أحد طرقهم للنجاح في إبعاد الشك عن الجاني. ففي هذه الطريقة يقوم الجاني بعد انتهائه من تدبير المبلغ بتحديد موعد لمقابلة الابن. خلاصةً تتم الثقة في المكالمة الهاتفية حيث تتم الإشارة إلى أن ”هذه ليست مكالمة احتيال هاتفي حيث إنني سأقوم بتسليم المال للشخص المعني“. ولكن في حقيقة الأمر بعدما يقوم الجاني بترك الطرف الآخر ينتظر طويلًا في الموعد المحدد يقوم بإجراء مكالمة هاتفية لإلغاء الموعد في اللحظة الأخيرة بحجة أعمال لا يمكن تركها، وتسليم الأموال لوكيل آخر معتذرًا عن ذلك. عندئذٍ يعتبر الضحية عودته للمنزل دون تسليم الأموال للوكيل بحجة الشك فيه إحدى الطرق الفعالة لحالة الثقة والاعتذار نظرًا إلى أنه قد يتسبب في إيقاع الابن في مشكلة أكبر.
جهود حثيثة للوقاية
كي يتم التقليل من الضحايا الواسعة النطاق يجب استخدام طرق مضادة بشيء من الحزم وبصورة عاجلة. ولكن هناك الكثيرون ممن يعتقدون في أن الأمر ينتهي بمجرد الاعتماد على المعتقدات مثل ”من الجيد أن أقوم بتوخي الحذر بقدر كافٍ“، ولم يتم التوصل إلى طرق فعالة بشكل كافي.
يجب عدم الاعتماد على مثل هذه المعتقدات، كما يجب على الدولة اتخاذ اللازم بكل حزم تحت القيادة والتوجيه. فيمكن التفكير في مختلف الطرق، فعلى سبيل المثال ماذا عن تغيير عادة الاتصالات الهاتفية اليومية المتعلقة بتحويل الأموال. وهذا من خلال الآتي. علينا نشر المكالمات الهاتفية المرئية، فعند طلب أحدهم للمال عبر الهاتف، يمكننا التأكد منه عن طريق ظهوره على الشاشة. فيتم التفكير في ضرورة بذل الجهود الهادفة لتغيير مثل هذه الأنماط الحياتية، ولكن لم يظهر بعد من يحمل لواء هذا التغيير بصورة قيادية.
(نشر النص الأصلي باللغة اليابانية ۱٦ يونيو/ حزيران ۲۰۱٧. صورة العنوان: أفلو)