انعدام الأمن الوظيفي

وأحد الأساليب التي تدعم استقلالية الباحثين الشباب هو نظام ضمان التثبيت الوظيفي، الذي يقوم بموجبه الباحثون الشباب ببناء الخبرة من خلال عقد عمل محدد المدة، ثم تقدم لهم وظيفة ثابتة (وظيفة دائمة مدى الحياة بصفة أساسية) إذا أسفر عملهم عن نتائج. ويُستخدم هذا النظام على نطاق واسع في الولايات المتحدة. وقد أوصت وزارة التعليم والثقافة والرياضة والعلوم والتكنولوجيا باستخدام نظام مماثل على نطاق أوسع هنا في اليابان، لكنها لم تلقى سوى قليلا من الاهتمام حتى الآن.

وقد قامت جامعتي بتجربة هذا النظام (المعروف باسم برنامج دعم الباحثین المستقلین في علوم الحیاة بجامعة أوساكا) لمدة خمس سنوات اعتبارا من عام 2008. وبصفتي أحد المسؤولین عن إدارة النظام، فإن رأيي بصراحة ھو أن إدخال نظام مشابھا على جميع الأصعدة سيكون شبه مستحيل في الوقت الحاضر.

هناك ببساطة الكثير من المشاكل التي تحتاج إلى حلٍ أولا: فلابد من إنشاء نظام لتعزيز أفضل الباحثين الشباب بشكل قوي مبدئيا، ناهيك عن الصعوبات التي ينطوي عليها إجراء تقييمات عادلة لتحديد أحقية التثبيت الوظيفي، كذلك ينبغي تشجيع عقلية جديدة بين أعضاء هيئات التدريس (الأغلبية) ممن هم ليسوا مدرجين على مسارات التثبيت الوظيفي، وضمان التمويل الاستثماري الكافي للشركات المبتدئة وغيرها من المشاريع، وهكذا.

وفي أبريل/ نيسان من العام الحالي، بعد شهر من تقرير نيتشر، أعلن مجلس الحكومة للعلوم والتكنولوجيا والابتكار ميزانيته الأولية للسنة المالية، والتي تضمنت خططا لزيادة تمويل العلوم والتكنولوجيا بمقدار 900 مليار ين ياباني خلال السنوات الثلاث المقبلة. ولكن وفقا للتقارير الواردة في وسائل الإعلام، فإن هذا المبلغ يشمل منح موجودة مسبقا في مجالات أخرى، بما في ذلك الزراعة والهندسة المعمارية، حيث قررت اللجنة المنوط بها الأمر إمكانية تحوليهما إلى ”تجارب وعروض توضيحية“ من خلال دمجها مع أحدث تكنولوجيا المعلومات. وبسبب هذا فإن مقدار الزيادة المخصصة للبحث العلمي الفعلي لا تزال غير واضحة.

مشاكل أخرى

تتقدم طرق البحث بسرعة في العديد من المجالات. وهذا ملحوظ بشكل خاص في علوم الحياة. وقد يتطلب مشروع معين معدات متقدمة مثل جهاز تحديد تسلسل الحمض النووي (جهاز قادر على قراءة التسلسل القاعدي للحمض النووي بسرعة كبيرة) أو مثلا تحتاج إلى تحاليل ليتم تنفيذها باستخدام أجهزة بصرية عالية الدقة. ونتيجة لذلك، فإن التمويل المطلوب لهذا النوع من البحوث يتزايد طوال الوقت. وللأسف تتخلف العديد من المعامل اليابانية عن ركب الحركة البحثية وتُستبعد من مثل هذا النوع من الأعمال المتطورة.

ولكن على الرغم من أن المزيد من التمويل من الواضح جلياً أنه جزء أساسياً لوقوف الأبحاث اليابانية على قدميها مرة أخرى، إلا أنه لن يكون كافيا وحده. ولكي نكون ناجحين، نحتاج إلى إصلاح شامل لنظام التعليم برمته، وتغيير هائل في عقلية أعضاء هيئة التدريس.

وقد أطلقت وزارة التعليم والثقافة والرياضة والعلوم والتكنولوجيا برامج عديدة لتشجيع إصلاح الأنظمة المختلفة الموجودة في جامعاتنا. ولكن على الرغم من أن هذه الجامعات تنطبق عليها هذه البرامج للحصول على التمويل، فإنني أخشى قول إنه في الكثير من الأحيان يحصلون على الأموال ويديرونها دون تنفيذ أية إصلاحات جذرية. وكما رأينا مع مثال نظام التثبيت الوظيفي، فإن أي محاولة لإدخال إصلاحات أساسية في نظامنا التعليمي من المرجح أن تواجه عراقيل كبيرة.

وهناك حاجة ماسة إلى معالجة العديد من المشاكل المتأصلة، بما في ذلك الإدارات المقسمة رأسيا ونظم الإدارة الصارمة. كذلك فإن الطريقة التي يقسم بها التمويل والمسؤوليات بين التعليم والبحث والإدارة هي مثال لعدم الكفاءة. وهناك مشاكل خطيرة أخرى تقبع في خلفية هذه المشاكل، بما في ذلك انخفاض حركة اليد العاملة وعدم كفاءة المستويات الإنتاجية في المجتمع الياباني ككل. هذه التحديات تنطوي على مزيج معقد من العوامل، بما في ذلك عدة جوانب يمكننا أن نسميها العقلية اليابانية. ولنكن واضحين تماما ومدركين بأن الوضع خطير في الواقع. وإذا استمرت الأمور كما هي، فهناك خطر أن الجامعات قريبا قد لا تكون قادرة على أداء دورها كمؤسسات بحثية على الإطلاق. إنه أمر مثيرا للقلق بالفعل، أليس كذلك؟ هذا ما ستخبرنا به الأيام القادمة. إن السنوات العشر القادمة حاسمة. ومستقبل العلوم اليابانية نفسه على المحك.

(النص الأصلي نشر باللغة اليابانية في 25 مايو/ أيار 2017، الترجمة من الإنكليزية)