الضغائن المتزايدة
ربما نتيجة لذلك، تدهورت جودة الأبحاث اليابانية في السنوات الأخيرة. وفي مقال من ست صفحات بعنوان
”ما هو الثمن الذي سيدفعه العلم مقابل التقشف؟“ ، نُشر في مجلة ”نيتشر“ العلمية في عدد شهر مارس/ آذار لعام 2017، يندب ميزانية اليابان المتضائلة للأبحاث العلمية، مشيراً إلى أن حصة اليابان من الأوراق البحثية في سكوبس (قاعدة البيانات والملخصات المرجعية) ”قد انخفضت بأكثر من الثلث على مدار عشر سنوات“، وأن
”الباحثين في مرحلة مبكرة من حياتهم المهنية يواجهون مستقبلاً مجهولاً، حيث تقلل الجامعات من عدد الوظائف الدائمة وتحول المزيد من أعضاء هيئة التدريس إلى عقود قصيرة الأجل“، وأن الحكومة اليابانية قد خفضت التمويل من خلال ”تخفيض برنامج منح النفقات الإدارية بنسبة 1٪ سنويًا بين عامي 2004 و 2014“.
ووفقا لتقارير إخبارية صدرت في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2018، أشارت إلى أن رئيس جامعة كيوتو ياماغيوا جوإيتشي، والذي يشغل أيضا منصب رئيس الرابطة اليابانية للجامعات الوطنية كان على خلاف مع كاندا ماساتو نائب المدير العام لمكتب الميزانية التابع لوزارة المالية، بشأن مخصصات النفقات الإدارية. وأفادت التقارير بأن النقاش احتدم بينهما بشأن اقتراح من الوزارة لاستخدام أساليب التخصيص الترجحية في توزيع ما يقرب من 100 مليار ين - أي حوالي 10٪ من قيمة هذه المنح - اعتماداً على مدى ما حققته كل جامعة من تقدم في الإصلاحات.
بدأ التوزيع الغير متكافئ في عام 2016 بحصة أقل كثيراً – 30 مليار ين ياباني فقط – من إجمالي المنح، لكن النسبة ارتفعت، ويشك البعض في أن المبلغ بأكمله قد يتم توزيعه في يوم من الأيام على أساس تنافسي. وقد تم تخفيض إجمالي المنح بنسبة 1 ٪ سنوياً منذ عام 2004، مما أدى إلى انخفاض ما يقرب من 140 مليار ين ليصل المبلغ المتبقي إلى 1,1 تريليون ين يجب توزيعها على الجامعات. وإذا تم استقطاع نسبة 10٪ من هذا الإجمالي ليتم توزيعها على أساس ترجيجي، فيمكن أن ترى بعض الجامعات الوطنية انخفاضًا في مخصصاتها بنسبة كبيرة.
وتميل وزارة المالية إلى تشجيع الكفاءة الإدارية والمنافسة بين الجامعات الوطنية التي كانت حتى وقت قريب قادرة على التركيز على تنمية الموارد البشرية ورعاية الأفكار الواعدة العلمية والتكنولوجية. ويرجع ذلك إلى تضاؤل عدد السكان المحليين والضغوط المتزايدة من أجل ضبط الأوضاع المالية العامة.
وأفادت تقارير بأن نائب المدير العام لمكتب الميزانية (كاندا) أشار في نقاشاته مع (ياماغيوا) رئيس جامعة كيوتو إلى أن الحصول على كمية كبيرة من الأموال دون وجود هامش تنافسي، إضافة إلى الإدارات الجامعية ضيقة الأفق كانت كلها عوامل وراء تضاؤل الحصة العالمية من الأوراق البحثية الأكاديمية. وشجع على تعزيز الركائز المالية للجامعات من خلال تنويع مصادر الإيرادات، وبناء نظام بحثي عالي الإنتاجية، وجعل المساهمات الاجتماعية متناسبة مع أموال الضرائب التي تتلقاها الجامعات، وإنشاء نظام تقييمي يفضي إلى تخصيصات أكثر عدلاً للتمويل الحكومي.
ورد ياماغيوا قائلاً بإن دمج الجامعات الوطنية وتخفيض مبالغ منح النفقات الإدارية كان خطأً، وأن المؤسسات كانت تُجبر على تحمل وطأة سياسة الحكومة التقشفية المالية. وأضاف بأن إدخال المنافسة على هذه المنح لا يؤدي إلا إلى خفض المعايير البحثية، حيث يضطر العلماء إلى ”إضاعة وقتهم“ في السعي إلى تعزيز القدرة التنافسية لجامعاتهم. وقد أثيرت هذه الشكاوى من قبل العديد من الباحثين الآخرين في اليابان.
ويجب أن تستمر الجامعات في التنافس على المنح البحثية والإدارية مع الحصول على تقييمات عالية من برامج مثل (Global Centers of Excellence) (مراكز التميز الدولية) و (World Premier International Research Center Initiative) (المركز العالمي الرئيسي للأبحاث الدولية)، والتي من المحتمل أن تؤثر على ترتيبها العالمي ونموها المستقبلي.
وتدعو الجامعات الوطنية مرة أخرى هذا العام، إلى تقديم مدفوعات موحدة من منح الإدارة والإعانات من أجل تحسين المرافق، ولكن من غير المحتمل أن تستوعب السلطات المالية هذه الطلبات.
هل يمكننا أن نرى مزيداً من العلماء الحاصلين على جائزة نوبل؟
وتستند الخطة الثانية للعلوم والتكنولوجيا التي تغطي الفترة (2001-2005) إلى هدفها المتمثل في ”الابتكار المعرفي“ عن طريق ”نشر مجموعة من الأوراق البحثية القيمة التي تناسب فرص الاستثمار، وذلك بزيادة النسبة المئوية للأوراق البحثية العالية الجودة، بهدف إعداد أعداد كبيرة من العلماء يمكنهم الحصول على جائزة نوبل كحال أكثر الدول الأوروبية المتقدمة تكنولوجياً“، أملاُ في الوصول إلى ثلاثين حائزٍ على جائزة نوبل في السنوات الخمسين القادمة.
إلا أن هذا الهدف لم يتجلى لاحقاً في الخطط الأساسية التالية، ولكن في حالة استمرار اليابان في تقديم مزيداً من الحائزين على الجائزة بنفس الوتيرة التي شهدتها العقود الثلاثة الماضية، فقد يكون مسعاً من الممكن تحقيقه بالفعل، وبالنظر إلى أن جائزة نوبل تُمنح لعمل رائد لم يسبق لأحد أن فكر فيه، فإن البحث في مثل هذه المجالات غالباً ما يكون مجازفة مع احتمالية كبيرة للفشل. كذلك كان الأمر بالنسبة لاكتشاف (هونجو تاسكو) لبروتين (PD-1) الذي كان في بداية الأمر غير محسوم النتائج، لكنه استمر في دراسته لهذا البروتين ”المثير للاهتمام“ لأكثر من عشرين عامًا حتى استطاع تحقيق مبدأ جديد تماماً في العلاج المناعي للسرطان. وفي الوقت ذاته، فإن أبحاثه الأصلية حول (immunoglobulin class switching) (تحول الأنماط المناعية)، لم تنته بعد.
وفي حديث لأحد أعضاء مجلس العلوم والتكنولوجيا والابتكار أشار فيه إلى أن البحوث الأساسية في السنوات الأخيرة، قد تؤدي في كثير من الأحيان إلى تحقيق مكاسب تجارية. مثل هذا التعليق من قبل شخص مسؤول عن صياغة سياسة اليابان للعلوم والتكنولوجيا يكشف عن مدى جهل صانعو السياسات وعدم وعيهم بالواقع الحقيقي والمتطلبات اللازمة لتقديم أبحاث علمية يمكنها الحصول على جائزة نوبل.
(النص الأصلي نُشر باللغة اليابانية في الرابع والعشرين من يناير/ كانون الثاني 2019، الترجمة من اللغة الإنكليزية. صورة الموضوع: هونجو تاسكو من جامعة كيوتو يتسلم ميدالية وشهادة تقديرية لحصوله على جائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء أو الطب خلال حفل توزيع الجوائز في ديسمبر/ كانون الأول 2018 في ستوكهولم بالسويد. جيجي برس)