هاراجوكو وعالم الموضة والأزياء
مع استمرار خطط التطوير نجد أن الأمر ليس مقصوراً على تغيير مبنى المحطة فقط، بل يمتد ليصل إلى شخصية الحي ذاته، حيث يقوم المطورون بتنفيذ المبادرات المقدمة من قبل مكتب التطوير الحضري التابع لحكومة مدينة طوكيو. وسيشهد هذا العام هدم الوحدات السكنية الفاخرة والمحلات المميزة المطلة على ناصية شارعي أوموتيساندو وميجي واللاتي تجسد أجواء السبعينيات. وهاراجوكو التي كانت تتصدر عالم الأزياء والثقافات الفرعية في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي أصبحت تقبع في ذاكرة بعيدة المنال.
في فترة الخمسينيات وأوائل الستينيات من القرن الماضي، لم تكن هاراجوكو أكثر من مجرد مكان منعزل هادئ حيث تنمو النباتات البرية على جانبي الطريق، ولم يكن هناك أياً من الأبنية الكبيرة سوى سوق البازارات ومتاجر الهدايا التذكارية التي كانت تستقطب الجنود الأمريكيين من مجمع مساكن (واشنطن هايتس) الكائن في حي يويوجي، ومتجر الألعاب (كيدي لاند)، إلا أن قرار إقامة دورة الألعاب الأولمبية لعام 1964 في طوكيو غير من واقع الأمور حينها.
بدء الأمر بمبنى (كو أولمبيا أنيكس) والذي تم الانتهاء منه في عام 1964 قبالة محطة هاراجوكو مباشرة، وهو أول مبنى سكني فاخر في اليابان، ويضم إدارة وخدمات على مدار الساعة ومتوفرة باللغة الإنجليزية. وكان معظم ساكني المبنى من الدبلوماسيين والأجانب ورجال الأعمال والفنانين. وقد أقامت نجمة البوب التايوانية (تيريزا تنغ) هناك لمدة خمس سنوات من عام 1974.
وتبع ذلك العديد من المعالم الأخر ككنيسة الاتحاد (chalk-white Union)، و (Route 5) الذي يُعتقد أنه أول مطعم في اليابان به نافذة لخدمة طلبيات السيارات، ومحلات صغيرة مثل (Mademoiselle Non Non)، و (Milk). وتم تأسيس متجر (شيكاغو)، وهو متجر لبيع المواد المستعملة متخصص في الملابس الأجنبية في مبنى
(أولمبيا أنيكس)، وأصبح متجر (Mako Bis) منفذاً لبيع الأزياء التي يحرص الجميع على مشاهدتها في شارع أوموتيساندو.
وفي الستينيات كانت هاراجوكو تنبض بالإثارة والحيوية، وكان عالم الأزياء والموضة وقتها يذكرنا نوعاً ما بلندن، وكانت تتمتع بجاذبية أكثر من حي روبونجي الصاخب ليلاً، وكانت واحدة من البقع القليلة التي يمكن أن تجد فيها الطعم الأصلي للبيتزا والبطاطس المقلية حيث كان يندر وجودهما في ذلك الوقت. لقد أحببت هاراجوكو وكنت كثيراً ما أخرج واتنزه هناك.
في السبعينيات قام المصممون في المنطقة بتطويع الأزياء الغربية لخلق صيحات يابانية جديدة في عالم الموضة. وكانت هاراجوكو تتمتع بطابع فريد بين مراكز موضة الأزياء العالمية باعتبارها المكان الذي يستطيع من خلاله صغارالمصممين أن يجربوا تصميماتهم بدلا من أن ينساقوا وراء الشركات الكبيرة، وكانت المتاجر لها رونقها وشخصيتها الفردية. وكانت المنطقة مماثلة في مكانتها لمراكز الموضة في لندن ونيويورك، وقدمت لزائريها اكتشافات جديدة في كل مرة جاءوا إليها. وفي الوقت الذي كان فيه حي شينجوكو معروفًا بموسيقاه الجاز وثقافتة الخارجة عن المألوف والمظاهرات المناهضة للحرب، اجتذب حي هاراجوكو طيفاً واسعاً من الشباب الذين أصبحوا جزءاً من أجواء التفكير المتفتح غير المتحيز. ويبدو أن موسيقى الروك والمحلات ذات الميزانيات المنخفضة والتي تتمتع بشخصية فريدة وأناقة مميزة تعد بطريقة جديدة في دروب الحياة.
بعد أن تخرجت من الجامعة، أصبحت محررة، وذهبت لزيارة وحدات هاراجوكو السكنية المركزية، والتي كانت تطل على ناصية تقاطع شارعي أوموتيساندو وميجي، لعقد اجتماعات مع المصورين والمصممين والرسامين. وكان المبنى مركزًا لمختلف المكاتب الفنية الإبداعية حيث موسيقى الروك التي تعزف في كل الأرجاء وواجهات المكاتب التي تكتسي بالنباتات في مدخلها. وكان يتواجد هناك دائمًا في مقهى (Leon) في الطابق الأول أبرز الفنانين وعارضي الأزياء المشهورين.
وهذه هي الفترة التي تم توثيقها في مجموعة الصور (70’s Harajuku) (هاراجوكو في السبعينيات) وهو الكتاب الذي تم تحريرها وإعداده من قبل مصممة الأزياء (ناكامورا نون). وقد ساعد ما احتواه الكتاب من عرض رائع لصور الحياة اليافعة التي كانت تدب في أرجاء منطقة الموضة في السبعينيات من القرن الماضي في تحقيق مبيعات ثابتة منذ وقت نشره في عام 2015.
تدفقت رؤوس الأموال لتشييد المباني التي تضم العديد من محلات بيوت الأزياء مع ارتفاع قيمة العلامة التجارية في حي هاراجوكور في التسعينيات من القرن الماضي. وتم هدم كنيسة الاتحاد، وقامت شركة إدارة الممتلكات (موري للإنشاءات) بتشييد مركز التسوق (Laforet Harajuku) في مكانها. وأدى نجاح فكرة مراكز التسوق إلى جذب الأسماء الرائدة في صناعة الملابس لإنشاء فروع في المنطقة، الأمر الذي جعل من حي هاراجوكو واجهة مركزية لعشاق الموضة والتسوق من جميع أنحاء العالم.
ونتيجة لذلك، بدأت الهوية المميزة التي كان يتفرد بها الحي تتلاشى مع بدايات الألفية الثانية. ومع انتشار مراكز التسوق والعلامات التجارية العالمية، اضطرت المتاجر ذات الطابع الفريد للانتقال إلى الشوارع الخلفية التي تعرف باسم (Ura-Harajuku) أو (هارجوكو الخلفية). وحلت العلامات التجارية العالمية في مصاف الشوارع الرئيسية، وبذلك حددت الشركات الكبرى الوجه الجديد لحي هاراجوكو.


