استجواب الإنسانية في مجتمع إلكتروني

شهدت أعوام الثمانينيات من القرن الماضي كذلك تحول آخر أثبت فيما بعد صلة وثيقة بـ غوست إن ذا شيل. فقد أعطت التطورات السريعة في مجال الإلكترونيات، ازدهارا لأجهزة مثل السوني ووكمان، ألعاب الفيديو، والكمبيوترات الشخصية، مع تحول اتجاهات مجال التسلية بشكل متزايد من التركيز على الجماهير إلى الفرد. كذلك في كل أنحاء العالم، حلت الصراعات المحلية والإرهاب المتزايد محل الحرب الباردة التي كانت تشهد نهايتها في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وأصبحت الحرب نفسها أكثر ”إلكترونية“ من ذي قبل، وتزايد استبعاد العامل البشري من عمليات اتخاذ القرار، وكذلك من نظم القيادة والسيطرة.

إصدار البلو راي من غوست إن ذا شيل، شركة بانداي فيجيوال. (© شيروو ماسامونيه / كوودانشا، شركة بانداي فيجيوال، مانغا إنترتينمينت)

تزامن ذلك أيضا مع عصر جذب ظاهرة الأوتاكو انتباه المجتمع الياباني لأول مرة بشكل كبير، مسجلا بداية عصر تغلب الذوق والسلوك الاستهلاكي للأفراد على أذواق مجتمع الجماهير. ساعد أيضا تنامي الاتصالات الشبكية في تسريع هذا التحول. وازدهرت الوسائط الغير مسبوقة لتشارك وتبادل الآراء، ولم يعد للمجتمع ككل خيارا آخر سوى الالتفات. أحد انعكاسات هذا التحول، كانت ظهور نوع جديد من الخيال العلمي، الذي تشارك في نفس الاشتقاق اللفظي مع سايبورغ، ”سايبر بانك cyberpunk“. حيث في المجتمعات المستقبلية تم تضمين وعي الأفراد والمجموعات في شبكات أعلى تنظيما ومتسعة بشكل كومبيتوري يصور السايبر بانك عالم به أحيانا قدر مبالغ فيه من التفاعل بين الإنسان والآلة. وتنبأت بوسيلة جديدة تماما للتطور يتم بها انصهار ما هو آدمي بما هو غير ذلك.

لا عجب إذن أن تم استقبال العمل الأصلي لـ شيروو، غوست إن ذا شيل، عند إصداره لأول مرة عام ١٩٩١ كعمل سايبر بانك حديث. أسهب شيروو في وصف الأجواء، والفن، والسرد بشكل مستقبلي بدقة جعلت الحياة اليومية لشخصيات السايبورغ من صنعه تبدو طبيعية تماما. بينما الرؤية التي اعتقد أنها قد تنشأ من ”عالم السايبر“ الجديد أتت مثيرة وصادمة لقرائه.

ويبقى أن أوضح أن ما أود التركيز عليه هنا بشكل خاص هو أن هاجس شيروو الحقيقي - في تعارض تام مع معالجة كل أعمال الخيال العلمي الأخرى التي تدور حول روبوتات حتى وقتنا هذا، سواء بالمانغا، قصص الخيال، أو الأفلام - حيث كان في صميم ما يعنيه أن يكون المرء ”إنسان“. تأملت قصة تيتسووان آتومو (آسترو بوي) لـ تيزوكا أوسامو والمذاعة بالتلفزيون لأول مرة عام ١٩٦٣، في ”حقوق الإنسان“ للروبوتات، ويمكن النظر إليها كفرع من ”الإنسان الصناعي“ الراجع بداياته إلى فرانكنشتاين لـ ماري شيلي عام ١٨١٨. فقد سعت تلك الأعمال منذ البداية لخلق نوع جديد من الوجود قريب من طبيعة ”الإنسان“، من خلال قوة العلم.

وعلى النقيض، يبدأ السايبورغ كإنسان ويصير شيئا آخر. وليس السؤال هنا حول كيفية تحول السايبورغ إلى إنسان، ولكن الأحرى، أي أجزاء بيولوجية من نفسنا يمكن انتزاعها واستبدالها بآلات قبل أن نفقد إنسانيتنا. هل نظل آدميين لو تم استبدال أعضائنا الحيوية بآلات وإلكترونيات؟ وما هذا الذي يعرف في النهاية بقاءنا كآدميين؟

يصف غوست إن ذا شيل مجتمع كمبيوتري تحولت عقول معظم أفراده إلى كمبيوترات للسماح لها بالتواصل مباشرة مع شبكات بيانات واسعة. (© شيروو ماسامونيه / كوودانشا، شركة بانداي فيجيوال، مانغا إنترتينمينت)

ينبع مصطلح ”غوست“ أو شبح، والذي يظهر مرارا وتكرارا في غوست إن ذا شيل لـ أوشيي، من السؤال الأساسي لما يعرف آدميتنا. وقد ترك تعريف ”غوست“ أو شبح مبهما عن عمد في الفيلم نفسه، لكنه يُستخدم بالأساس للإشارة إلى غرور الفرد ووعيه وربما حتى روحانيته. يبني غوست إن ذا شيل لـ أوشيي، كامل قصته حول حلقة واحدة فقط من العمل الأصلي لـ شيروو، يتطلع فيها ”محرك العرائس“، كما يصف نفسه ”شكل من أشكال الحياة تولد من المحيط الرقمي“، للحصول على ”غوست“ أو شبح من صنعه لتسريع عملية التطور.

ألقت السنوات الأخيرة انتباها طازجا لمفاهيم جديدة مثل التعلم العميق، والتفرد، والواقع الافتراضي. ويجب أن نكون قادرين اليوم على تناول السؤال المربك حول ما يشكل ”الطبيعة الحقيقية للإنسان“ الذي يمثل محور الإهتمام لـ غوست إن ذا شيل، بشكل شخصي وأكثر إلحاحا من ما قامت به الجماهير حين تم إصدار العمل في البداية.