رسم السماء

درست تاناكا تاريخ الفن في جامعة مييجي غاكوئن ولكنها صغيرة جدا بالسن على أن تحمل ذكريات الذهاب إلى الحمام العام المحلي عندما كانت طفلة. وهذا يطرح سؤالا حول تمكنها من صناعة مهنة تقوم على رسم صور في الحمامات العامة.

تقول تاناكا إن اهتمامها بالفن المعاصر يعود إلى المرحلة التي كانت فيها طالبة. وأكثر الفنانين المفضلين لديها هما فوكودا ميران والتي أعمالها تعيد بجرأة تفسير قطع فنية تاريخية، وتابايمو والتي تعالج مشاهد من الحياة اليومية من وجهات نظر جديدة جريئة. وأصبحت تاناكا مسحورة باستخدام الفنانتين للحمامات العامة كفكرة رئيسية في أعمالهما، وهذا ما شجعها على زيارة حمام عام لأول مرة عندما كانت طالبة جامعية. وعندما انغمست بالمياه الحارة ونظرت إلى اللوحات على الجدار، لاحظت كيف أن الجداريات ساعدت في إضافة عمق إلى المكان وبدا أنها تغري الزوار للذهاب في رحلة بعيدا عن العالم اليومي. وتقولها إنها فُتنت بالجاذبية الغريبة التي تتمتع بها الرسومات.

تقبل تاناكا أيضا مهمات رسم لوحات في الحمامات داخل المنازل الخاصة. وقد تواصل معها زوجان بريطانيان قبل سنوات قليلة وسافرت إلى لندن لإكمال مهمتها. وتصور الرسمة جزيرة إينوشيما وهي أحد المعالم المحلية لفوجيساوا بمحافظة كاناغاوا، والتي عاش فيها الزوجان خلال وجودهما في اليابان.

”يبدو أن الوقت يمضي بسرعة مختلفة داخل السينتو. في الكثير من الأحيان تبنى الحمامات العامة بشكل مشابه للمعابد البوذية. وبمجرد دخولها فإنك تشعر بأنك دخلت حيزا مكانيا مختلفا. أنا أحب الانغماس في المياه والتأمل بصورة جبل فوجي. يبدو وكأنك دخلت في حلم يقظة. وتبدأ الذكريات القديمة بالتوارد إلى مخيلتك مجددا. وأحيانا يتبادل معك أحد الزبائن المعتادين أطراف الحديث. وتحظى بتلك التجارب المختصرة المثيرة للاهتمام. وعلى الرغم من أنها مجرد نصف ساعة أو نحو ذلك، أشعر دائما وكأني في رحلة إلى أحد الأماكن البعيدة“.

إن تعرض تاناكا لثقافة السينتو جعلها تهتم باستكشاف المزيد عن الرسامين، وانتهى بها الأمر بكتابة أطروحة تخرج عن تاريخ الصور التي ترسم في الحمامات العامة. لقد أدركت أنه بالنظر إلى أن مباني الكثير من الحمامات العامة آخذة في التردي جراء مرور الزمن وعدم وجود أحد للضلوع بتلك الأعمال فإن حمامات السينتو التقليدية كانت تقفل الواحدة تلو الأخرى مخلفة تبعات واضحة على الرسامين الذين يكسبون قوت يومهم من الحمامات العامة. لقد علمت تاناكا أن الرسامين القلة المتبقين يتقدمون في السن وأدركت أنه ما لم يتم تغيير الوضع، فإن هذه الثقافة الثمينة ستنتهي إلى الأبد في غضون مائة عام. وتقول: ”ولذلك فقد فكرت أنه إذا لم يكن هناك فنانون شباب يستطيعون رسم تلك اللوحات، فإن الأمر سيكون أسرع إذا تعلمت أن أفعل ذلك بنفسي“. وقد تقدمت بطلب لأن تكون متدربة لدى ناكاجيما موريو وبدأت تدريبها في عام ٢٠٠٤.

وبالرغم من أن تلك المرحلة لم تكن سهلة، إلا أن مراقبة المعلم أثناء عمله كان بحد ذاته ينطوي على سحر خاص. ”إن مشاهدة تلك الجداريات العملاقة وهي تأخذ تدريجيا شكلها النهائي، كان له نوع من التأثير العلاجي“. وبعد مرور عدة سنوات على بدء التدريب، سُمح لتاناكا فقط برسم الأجزاء الخاصة بالسماء في اللوحات. ويوما بعد يوم وهي ترسم سماء زرقاء تلو أخرى. وهذه الخبرة جعلتها تدرك أنه على الرغم من أن معلمي الرسم مثل ناكاجيما يجعلون الأمر يبدو وكأنه سهل إلا أن الرسم بنسق واحد على جدار غالبا ما يحتوي على نتوءات وحفر يتطلب تقنية كبيرة. وبادئ ذي بدء، تعين عليها تعلم كيفية التعامل مع الطلاء.

وهناك تحد آخر واجهته في بداياتها وهو تعلم كيفية جعل حركة الغيوم تبدو طبيعية وجعلها تبدو وكأنها تنساق في السماء بصورة طبيعية. في البداية كانت تاناكا تميل لأن تطلي ببساطة مساحات باللون الأبيض على الجدار بأشكال بسيطة. وكان ناكاجيما يسخر من أعمالها تلك في بداياتها وكان يقول :”هذه ليست غيوم“. ولكن من خلال رسم تدرجات وتنوعات خفيفة من الألوان يوما بعد آخر، طورت تاناكا مهاراتها بثبات.