الجبل يظهر مجدداً

كنت قد ترعرعت في وسط مدينة طوكيو، وكان يمكنني رؤية قمة جبل فوجي من منزلي. وخلال أيام دراستي بالمدرسة الثانوية كان طريقي من وإلى المدرسة يمر بطول السفح المطل على جبل فوجي (Fujimizaka) في حي غوكوكوجي التابع لمدينة بونكيو. وكما يوحي الاسم، يمكنك أن ترى جبل فوجي مطلا بين المباني الشاهقة. وفي أيام الشتاء الصافية، يسلب لُبي منظر قمة الجبل المتلألئة وهي مكسوة بالثلوج.

إلا أنه أثناء دراستي بالمدرسة الثانوية، بدأ الجبل يكتسي بالضباب.

وكان عدد الأيام التي يمكن من خلالها رؤية جبل فوجي من طوكيو يعتبر مقياساً لمعرفة درجة تلوث الهواء. وفي مدرسة سيكاي غاكوين الخاصة في مدينة موساشينو في حي تاما الغربي التابع لمدينة طوكيو، يقوم الطلاب بجمع بيانات الأرصاد الجوية بانتظام كجزء من دراستهم. وواحدة من مهامهم هو التحقق مما إذا كان جبل فوجي والذي يبعد 83 كيلومترا يمكن رؤيته بالعين المجردة من على سطح المدرسة أم لا. ولقد كانوا يقومون بهذه المهمة كل يوم لأكثر من نصف قرن منذ عام 1963.

وفي عام 1965، وفي ذروة عصر النمو الاقتصادي السريع لليابان، كان جبل فوجي يُرى بالعين المجردة 22 يوماً فقط خلال السنة. ولكن بعد أزمة النفط عام 1973 وما نتج عنها من انخفاض مفاجئ في استهلاك النفط، ارتفعت هذه النسبة إلى أكثر من 80 يوماً. واستمر معدل نقاء الهواء في طوكيو نظراً للضوابط المتزايدة شديدة الصرامة على السيارات والانبعاثات الناجمة من المصانع. وبحلول عام 2014، وبفضل هذه الضوابط ومناخ طوكيو الأكثر جفافاً على نحو متزايد، فإن عدد الأيام التي كان فيها جبل فوجي واضحاً للعيان خلال السنة قد زاد بشكل كبير ليصل إلى 138 يوماً.

نظرا لصفاء الجو بطوكيو، أصبح يمكن رؤية جبل فوجي بالعين المجردة بشكل متكرر من وسط المدينة. (جيجي برس/ شركة طيران أيرو أساهي)

كانت هناك العديد من المعوقات التي واجهتنا قبل أن نصل إلى هذه المرحلة. ففي 18 يوليو/ تموز 1970 وفي أثناء حصة التربية الرياضية، حدث أن فقد 43 طالبا وعيهم في الملعب الرياضي لمدرسة (ريشو) الإعدادية والثانوية بطوكيو الواقعة بالقرب من طريق العاصمة 318، ”طريق كانانا السريع “ جراء الضباب الدخاني الكيميائي، حيث شعروا بحرقة في الحلق و لسعة في العين. ولقد تسبب هذا الحادث فى انفجار غضب سكان طوكيو. وفي تلك الأثناء تقريبا وكما حدث، كنت أشارك في أول مظاهرة احتجاجية تطالب بحماية البيئة. حيث تجمعنا مطلقين شعار ”أعيدوا لنا طبيعتنا الجميلة! “

وبمرور الوقت كانت هناك فترات يختفي فيها جبل فوجي وسط سحب الضباب الدخاني، كذلك انتشر تلوث الهواء في الولايات المتحدة وأوروبا. حيث كانت لندن مغطاة بالضباب الدخاني الكثيف لدرجة أن العديد من الناس لقوا حتفهم. وفي السويد والنرويج، كانت الأمطار الحمضية تقتل الغابات كلها، واستُنفدت البحيرات وخزانات الأسماك، وتسببت في انهيار المباني القديمة. وكانت التحذيرات بشأن الضباب الدخاني الكيميائي تتكرر بشكل مكثف في لوس أنجلوس لدرجة أن الآباء كانوا يرفضون إرسال أطفالهم إلى المدراس.

وبالرجوع إلى اليابان وبالتحديد في مدينة ياهاتا التي تقع على الجانب الجنوبي الغربي لجزيرة كيوشو، سجل جهاز قياس جودة الهواء أسوأ قراءة له منذ أن بدأت قياسات تلوث الهواء. وكانت ياهاتا التي اُدمجت مع أربع بلديات أخرى في عام 1963 لتشكيل مدينة كيتاكيوشو مدينة صناعية تتبع لشركة يواتا المزدهرة والمتخصصة في صناعة الصلب، حيث كانت أعمدة مداخنها تقذف بدخان متعدد الألوان ”دخان بألوان قوس قزح“. حتى أنه أشيد بالدخان الكثيف كدليل على الازدهار، بل تم ذكره في الأغنية الرسمية للمدينة، التي يقول مقطعها الثاني: ”تموج أعمدة ألسنة اللهب / ويتصاعد الدخان إلى السماوات / إنه حقا لمشهد رائع لصناعتنا للصلب / ياهاتا، ياهاتا، مدينتنا ياهاتا / ازدهار مدينتنا واجب يلزم تحقيقه “.

واعتبر عمال المدينة والمواطنين الذين غنوا هذه الأغنية الانبعاثات الناجمة كرمز للثراء والاعتزاز الكبير بصناعة الصلب. وظهرت البطاقات البريدية المحلية التي كانت تباع عليها المناظر الطبيعية للمدينة والدخان يجتاح أرجاءها

وكان أول من ينتفض ضد التلوث الذي اجتاح المدينة هم أمهات ياهاتا الذين خافوا على صحة أطفالهم. حيث دعت الجمعية النسائية المحلية، التي رفعت صرخة استغاثة ”نريد سماء زرقاء“، موجهة الدعوة للمتخصصين للتحدث في اجتماعات المدينة، بل إن بعض النساء ذهبوا إلى الجامعات لتعلم كيفية قياس تلوث الهواء. وتحدثوا مع المسؤولين التنفيذيين لشركة ياهاتا للصلب، واقنعوا مجلس المدينة في نهاية المطاف بفرض لوائح أكثر صرامة.

وبالتعاون المشترك بين كلا من المواطنين المحليين من ناحية والشركة، وإدارة المدينة من ناحية أخرى سرعان ما اتخذوا قرارا بتحسين بيئة المدينة. وبحلول الثمانينات، كانت كيتاكيوشو توصف في جميع أنحاء اليابان وخارجها بأنها ”المدينة المعجزة“ حيث نجحت في التغلب على مشكلة التلوث. وفي عام 1997 منح برنامج الأمم المتحدة للبيئة الأفراد والجماعات الذين عملوا على تحقيق ذلك جائزة 500 العالمية (Global 500 Award)