فقدان ”الطمأنينة“ بسبب الكوارث يفتح أعيننا على ”التعقيدات“
بعد انتهاء فترة النمو الاقتصادي السريع أو انهيار ما يطلق عليه اقتصاد الفقاعة واستمرار الركود الاقتصادي لفترة طويلة والتي يطلق عليها ”العقد الضائع“، أعتقد على المستوى الشخصي أن فقدان الثقة تعدى البعد الاقتصادي وأصبح له تأثير خطير على المجتمع الياباني. حيث فقدت تلك الثقة الساذجة التي هيمنت على عقول اليابانيين في تلك الفترة والتي تقول ”غدا أفضل من اليوم“، وعندما لا يتوقعون ما الذي من الممكن أن يحدث في المستقبل فإنهم بدلا من اللهث وراء الاستهلاك يقومون بالتقوقع والانغلاق من أجل حماية أنفسهم.
وربما هناك حاجة لتحليل أكثر دقة وتفصيل بخصوص تلك المرحلة التي عانى فيها المجتمع الياباني من ”انهيار الثقة“. على سبيل المثال في مقال ياماغيشي توشيو يميز بين ”راحة البال“ في حالة نفسية من نسيان التعقيد و”الثقة“ حيث يتم فيها الحد من فرضية عدم اليقين بشكل عمدي. لقد طرحت مثال القرية في القرون الوسطى سالفاً، فقد استمرت اليابان في تجانس وانسجام مجتمعي قوي أثناء عملية التحديث والبناء التي بدأت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وتم نسيان عدم اليقين تحت غطاء وهم أن كل الأفراد متماثلين. وكان هذا هو ”المجتمع الآمن“، ومع استمرار وقوع المصائب والكوارث فقد تم فقدان ”راحة البال“ عوضاً عن إدراك تعقيد المجتمع.
لا، إذا قلنا بشكل دقيق فقد بدأ فقدان ”راحة البال“ قبل ذلك في وقت سابق. يقول عالم الدين السيد شيمادا هيرومي في كتابه ”أوم... لماذا أنجب الدين الإرهاب“ إن السبب وراء صعود أوم يعود إلى انهيار وتفسخ بنية الأمة شيئاً فشيئاً في مجتمع ما بعد الحرب. وأجبر الناس بسبب تفسخ بنية الأمة إلى الذهاب في مواجهة مباشرة مع المجتمع الواقعي المعقد، وكان لا بد للأرواح التي لم تستطيع تحمل تعقيدات المجتمع أن تبحث عن مساعدة ما للخلاص من هذا العبء النفسي الثقيل. وقد كانت جماعة أوم الدينية الوعاء الذي استقبل تلك الأرواح التائهة. وقابل المؤمنون الذين يهيمون على وجوههم بحثاً عن راحة البال بمذهب أوم شينريكيو لإعطائهم راحة البال، وارتكبوا حادثة غاز السارين من أجل حماية الجماعة وتلك العقيدة التي يومنون بها. وقام هؤلاء المؤمنون الخائفون من فقدان راحة البال بتدمير راحة بال المجتمع بشكل واسع عن طريق تلك الحادثة.
إطلاق النار على صحيفة شارلي إبدو واختلافه عن حادث جماعة أوم
في هذا الصدد، على الرغم من أن الحادث ناتج عن نفس الأصولية الدينية، حيث تعرضت صحيفة شارلي إبدو الفرنسية لحادث إطلاق نار بعد أن نشرت رسوما كاريكاتورية للنبي محمد، وقد قضى في هذا الحادث ١٢ شخصا بما في ذلك رئيس تحرير الصحيفة، لكنها تختلف بشكل مطلق وتماما عن حادث أوم. في أثناء طلب العديد من وسائل الإعلام تعليقا على الحادث، فقد كان ما كتبه السيد إيكيؤتشي ساتوشي الأستاذ المشارك بجامعة طوكيو والمتخصص في الشأن الإسلامي علي صفحته الخاصة علي موقع التواصل الاجتماعي الفيس بوك على الرغم من انشغاله الشديد مثيراً للإعجاب.
تذكر السيد إيكيؤتشي الكلام الذي سمعه من والده السيد إيكيؤتشي أوسامو المتخصص في الأدب الألماني عندما كان في سن المراهقة، حيث سمع أن الحوادث الإرهابية تقع في الغرب لأن المسلمين يتعرضون للتمييز. كان السيد أوسامو يتحدث عن الحدائق في المدن الأوربية وقال هذا الكلام ”لا توجد حدائق جميلة كهذه في اليابان. كان من الطبيعي أن أفكر أن أوربا رائعة في البداية...لكن عندما أتمشى في الحديقة كل يوم أجد دائماً نفس السيدة العجوز تجلس على نفس الدكة. وعلى دكة أخرى يوجد دائماً نفس السيد العجوز. الكل وحيد. الجميع يذهب لنفس الحديقة يوميا في نفس الوقت، لذلك فربما من الأفضل أن يتجاذبوا أطراف الحديث، ويجلسوا علي نفس الدكة، لكن ذلك لا يحدث للأسف“ الجميع يجلس في أماكن مختلفة. ولا يحاول أحد منهم أن ينظر للآخر أو تلتقي نظراتهم. ويبدو أنهم لا يعترفون حتى بوجود بعضهم البعض“.
تعد الوحدة جزءاً رئيسياً من الثقافة الغربية الحديثة. حيث يولد الناس وحدهم في مجتمع تسيطر عليه النزعة الفردية، وحتى بعد أن يكونوا عائلة يموتوا وحدهم في نهاية المطاف وهو ما يجب أن يوقفه كل واحد منهم. فالمقاعد في حدائق أوروبا موجودة من أجل هؤلاء الناس حيث الكل وحيد في تلك المجتمعات. والسبب وراء كون الحدائق شاسعة وجميلة هو بهدف أن تخفف من حدة الوحدة التي تسيطر على أفراد المجتمع.
التدرج نحو الإصلاح في أوروبا الغربية التي تواجه منعطفاً حاسماً
الشعور بالوحدة في المجتمع الغربي يقوم على افتراض أن وجود الآخر يتنافى مع نفسي. فالغربيون لا ينسوا عدم التيقن والشك تجاه الآخرين. لهذا السبب بالذات فهم قد يقوموا باختيار الوحدة طواعية وعدم التورط مع الآخر من أجل تجنب المخاطرة، أو أن يؤدي إلى التمييز والإقصاء أو بشكل عكسي يعني محاولات من أجل التعايش والانسجام مع الآخر. على أي حال، إنهم يعملون على بناء الثقة للحد من التعقيد عمدا.
وقد حدث العمل الإرهابي في فرنسا بناء على ذلك العمل. على سبيل المثال، كان من المفترض أن تصبح ”حرية التعبير“ بشكل متطرف بما في ذلك الرسومات الكاريكاتيرية المسيئة قاعدة تعبر عن ”التعايش“. إذا أمكن معرفة هوية الآخر المبهمة من خلال عملية رد ”الحجة بالحجة“ يمكن اغتنام تلك الفرصة لمعرفة كيفية التعامل مع الآخر وتصبح فرصة للفهم والمصالحة.
لكن التدرج نحو الإصلاح عن طريق هذا الخطاب هذه المرة، أدى إلى حادث إطلاق النار ومأساة بدلاً من الرد على الحجة بحجة مضادة.
وفي خضم توقع ردود أفعال مضادة مختلفة، كيف يمكن استعادة الأمن، كيف يمكن التغلب على هذا الوضع، تقوم أوروبا الغربية التي تواجه مرحلة حاسمة بعملية الإصلاح التدريجي في ضوء حرية التعبير الذي يرتكز عليها المجتمع ومع وجوب إدراك وجود الآخر في البداية التي يتم وضعها كأساس اجتماعي لاستعادة الشعور بالأمان والتغلب على الوضع الراهن.