التلفزيون معلميلعب التلفزيون دوراً كبيراً في تعليمي التواصل اللفظي. ولم أستفد فقط من الدراما أو البرامج الوثائقية، ولا نشرات الأخبارا كما استفدت من الكوميديا والمنوعات اليابانية بمزاحها غير الرسمي المستمر بين الكوميديين والشخصيات الأخرى، والتي تجري غالباً في إطار التنافس في مسابقات الألغاز أو أشكال تنافسية الأخرى.
كما تتميز المنوعات اليابانية بعدد من المزايا الفريدة، وليس أقلها التفاعل الهزلي الرائع بين شخصيتي التسكومي/Tsukkomi والبوكي/ Boke التقليدية، أي ”الرجل المستقيم“ و ”الرجل المضحك“. ومع ذلك، فبالنسبة لي فإن الجانب الأكثر إثارة للاهتمام في هذه البرامج هو ظهور ما يقوله الفنانين أو المتسابقين على الشاشة كما هو باللغة اليابانية. وقد دُهشت بديناميكية فكرة استخدام التعليق باليابانية في برامج المنوعات المبتكرة لأنني كنت أعتقد دائماً أن الترجمة على الشاشة شيء يستخدم في الأفلام الناطقة باللغة الأجنبية فقط. لقد استمتعت في البداية بهذه الترجمة كما يقدر المرء الفنون الجديدة والمثيرة للاهتمام، ولكنني أدركت في وقت لاحق ما تركته عليّ هذه الترجمة الملحقة من آثار.
فقد لاحظت أن ألوان، وأشكال، وحركات تلك الترجمة تتناسب مع ردود أفعال وأمزجة مختلفة مثل الفرحة، خيبة الأمل، الضحك، وهكذا دواليك. وبفضل ذلك، فقد أعطتني برامج المنوعات اليابانية نظرة ثاقبة على ردود الفعل وكيفية عرض العواطف في اليابان حيث كان ذلك غير مألوفاً في ثقافتي.
لم يكن ذهني في تلك المرحلة قادراً على فهم اللغة اليابانية بشكل صحيح. فكان في أول الأمر رد فعل بصري من خلال ملاحظة التغيرات البصرية في التسميات التوضيحية. ثم اتبع ذلك أن سجلت أذاني الأصوات، منتبهة إلى لهجة المتحدث. وفي نهاية المطاف، كان عقلي قادراً على جمع كل هذه الدلائل مع بعضها البعض بحيث أصبحت قادرة على فهم أي ظرف قد يؤدي إلى ظهور بعض الكلمات المعينة. ويمكن للتعليق أيضاً أن يستعمل بنطاق واسع لتوضيح معاني الكلمات المنطوقة كونه مكتوباً بحروف الكانجي. إن اليابانية تحتوي على عدد كبير من الألفاظ المتجانسة والتي يصعب تمييز بعضها عن البعض من خلال الصوت وحده.
غير أن اللغة المكتوبة تستخدم أيديوغرامات أو صوراً لها معناها الخاص تمكننا من التمييز بوضوح بين كلمات لها نفس النطق. ومع مرور الوقت كنت قادرة على حفظ قدر كبير من المفردات اليابانية عبر برامج المنوعات من خلال رؤية الكانجي في التسميات التوضيحية أولاً، ثم مطابقة الكانجي مع ردود فعل الحاضرين في العرض. لقد تعلمت كلمات وتعابير لا تعد ولا تحصى بهذه الطريقة، بما في ذلك عدد غير قليل من العبارات الساخرة مما جعلني أبدو وكأني مقدمة برامج تلفزيونية. وبفضل تصحيحات أصدقائي ومعارفي اليابانيين المتكررة، وصل فهمي للتفكير الياباني السليم تدريجياً بمرور الوقت إلى مستوى توسعت فيه مفرداتي بشكل كبير لم أكن أتوقعه.
هذا ويجعل الكانجي في الواقع بمجرد أن تعرفه كل شيء سلساً وأسهل للفهم. كما تصبح القراءة أسرع لأنه يمكنك فهم المعنى بصرياً بدلاً من القراءة حرفاً بحرف. وهذا ما يمكننا من العبور بمتجر ياباني والحصول على الفور على كل ما نحتاجه من معلومات عبر لافتات تُعُّلق بالخارج ومُحلقة في الهواء، وإعلانات عروض نصف السعر على الحليب أو الأرز أو البيض. وبما أن الذاكرة البصرية أقوى بكثير من الذاكرة السمعية، فمن المنطقي أن المنوعات التي تظهر التعليقات بالكانجي ذات قدرة فعالة للغاية من أجل تعلم اللغات بشكل عام.
