التغير السريع في التركيبة السكانية: عدم قيام اليابان باتخاذ التدابير اللازمة

نجحت اليابان في تحقيق تنمية اقتصادية متسارعة في ظل ظروف مواتية تُسمى ”فترة العلاوة السكانية“ (وهي حالة تركيبة سكانية تتمثل بارتفاع نسبة الشباب وانخفاض كبير في نسبة المسنين، حيث كان هناك انخفاض في تكاليف الضمان الاجتماعي، وبالتالي كان من الممكن تحويل المبالغ التي يتم توفيرها من الضمان الاجتماعي إلى الاستثمار في البنى التحتية) والممتدة من منتصف الستينيات إلى منتصف التسعينيات من القرن الماضي، وذلك من خلال القيام بالعمل لساعات طويلة في مؤسسات تتميز بنسبة مرتفعة من الموظفين الرجال فقط.

ولكن مع حلول ”فترة العبء السكاني“ والتي ازدادت شيخوخة السكان خلالها، أصبح العمل لساعات طويلة من عوامل تثبيط المجتمع. ففي المجتمع الذي يجب على عدد قليل من السكان العاملين القيام بدعم الكثير من الأشخاص، أصبح من المهم تخصيص وقت لرعاية الوالدين، ووقت لتربية الأطفال أيضا من أجل إيقاف تناقص عدد السكان، وتحقيق نتائج في العمل بكفاءة وفي فترة زمنية محدودة.

ودخلت أوروبا في ”فترة العبء السكاني“ قبل اليابان، ولكن تم اتخاذ تدابير من أجل التعامل مع ذلك في الدول الأوروبية  بعد إدراك تغير التركيبة السكانية بصورة شاملة. ومن أجل الحصول على أقصى استفادة من العدد المحدود للسكان الذين هم في سن الإنتاج، فإن القيام بخلق بيئة من السهل العمل فيها بالنسبة للسيدات اللواتي يقمن بتربية الأطفال أو الأشخاص الذين يقومون برعاية كبار السن كالوالدين وغيرهم، وتأمين القوى العاملة هو من أولى الأولويات. وأيضا، من أجل تأمين القوى العاملة المستقبلية، تم اتخاذ تدابير للحد من انخفاض المواليد. وفي الكتب المدرسية اليابانية، تم التعريف بجهود الدول الأوروبية من وجهة نظر ”تدابير الرعاية الاجتماعية الفائقة“، ولكن في الواقع كان تعاملا استراتيجيا بعد إدراك تغير التركيبة السكانية.

وبالمقابل، دخلت اليابان في ”فترة العبء السكاني“ مع عدم القيام باتخاذ التدابير اللازمة. واستمرت بيئة العمل التي لا يمكن إلا للرجال العمل فيها، من دون تغير أماكن العمل لساعات طويلة، بالإضافة إلى الفشل في تدابير مواجهة انخفاض المواليد حتى وقتنا الحالي. ويقال إن النجاح الاقتصادي الذي حققته اليابان في فترة النمو الاقتصادي السريع، يتجاوز نظيره الصيني الحالي بشكل كبير. فهل كانت تجربة النجاح المفرط هذه قوية أكثر من اللازم يا ترى؟ فعدد مدراء الشركات الذين يدركون تغير التركيبة السكانية بشكل سريع، لا يزال يقتصر على عدد قليل جدا.

وعند النظر إلى ماضي أولئك المدراء، فإن الكثير منهم كان قد أقام في الدول الأوروبية، أو لديهم خبرة بالعمل كمدراء في شركات أجنبية. ولأن أمريكا تتميز بكونها ”دولة مختلفة“ من وجهة نظر التركيبة السكانية التي يتدفق إليها المهاجرون بشكل مستمر، فإن الدراية الكاملة بظروف أمريكا فقط يشير إلى أن وجهة النظر حول تعامل الإدارة في ”فترة العبء السكاني“ لا يتم ذكرها أبدا. وأيضا حتى لو انتبه المدراء لذلك، فإنه ليس من السهل أن تقوم كامل المؤسسة بالتوجه إلى ”إصلاح طريقة العمل“ والسعي إلى توحيد الإرادات لتغيير الدفة، والحصول على موافقة حملة الأسهم والمستثمرين.